قراءات ودراسات

الحركي يجمع شتات التّاريخ

مخلوف عامر*
يطالعنا محمد بن جبار، في رواية الحركي(منشورات القرن21، 2016)، بهذا العنوان الصّريح المُحدَّد، ممَّا لم نعهدْه في الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية من قبل، فقد كانت ترِد هذه الشخصية عَرَضاً. كما في رواية «اللاز» للطاهر وطار وغيرها كثير. فأما أصل كلمة: الحرْكي فيعود إلى أنها صفة أُطلقت على مَن انضمَّ إلى الحركة الوطنية الجزائرية التي أسَّسها مصالي الحاج، وكانت مناوئة لجبهة التحرير يومئذ..

 نشأت في البدء بفتح الراء «حَرَكي» ثم مع مرور الزّمن وكثرة الاستعمال سُكِّنت الراء للتخفيف فصارت الحرْكي..

لكنها لم تبْقَ محصورة في أتباع الحركة الوطنية، بل انسحبت – فيما بعد – على كل خائن عميل.

تتكوَّن الرواية من اثنيْ عشر فصلاً، خصّص الأول منها لمقدمة تأثيثية للبناء الروائي. حيث يخبرنا هذا الحركي باسمه وعن السّبب الذي جعله يلتحق بالحرْكَى أو المخازنية، وأنَّ امرأة ترعاه في الدّيوان الوطني لقدماء المحاربين وتساعده على كتابة مذكراته، فهو مريض مُصاب بالزهايمر، لأن في ذلك ما يخفِّف عنه القلق، ولعلَّه يجعله يُفْرغ حمولة تاريخية عانى منها طويلاً.

ولكنَّه يُعْلن أيضاً على لسان شخصية الحركي، فيقول: «استندت في كتابة هذه الشّهادة على كل ما وقع بين يدي من وثائق وتقارير ومراسلات وجذاذات الأوراق التي كتبتها يوماً وما رأيته وما عاينتُه بنفسي وما عرفته حينذاك، وبالطّبع هذه المذكرات ليست طلباً للغفران أو محاولة توبة أو مخاطبة ودِّ الناس أو تكفيراً عن خطايا، لم أندم يوماً. لقد اتخذتُ موقفاً ذات يوم ومشيت على نهجه إلى النهاية، ولو أني أتحفظ على كثير من المواقف من أحداث الجزائر».

ثمَّ تنسلُّ من هذه المقدمة المُكثَّفة مجموعة من الحكايات تتمحور حول قصة «أحمد بن شارف».

ونغوص في الفصول التالية، نتتبع هذه المذكرات وهي ترسم وجهاً آخر من التّاريخ الوطني، ربما لا يعرف منه كثيرون إلا ما كرَّسه الخطاب الرّسمي والشّرعية التاريخية التي كانت تبرز الصراع – دوْماً – على أنه صراع بيْن كتلتيْن منسجمتين، احداهما فرنسية والأخرى جزائرية، بيْنما يختفي التّمايز داخل كلّ منهما. فلا أحد يتلمَّس حقيقة الأزمة التي يعيشها الحرْكي الذي اختار صفّ فرنسا ولا متاعب الفرنسي الذي اختار صفّ الثورة.

أحمد بن شارف انتقم من عمِّه، الذي سلبهم أرضهم عُنوةً و«حقرة» ولم يجد من مَخْرج لينجو بنفسه من القتْل إلا بأنْ يلتحق بالثّكنة الفرنسية. ولكنه اشتغل طيلة وجوده فيها سائقاً، ولم يحمل السّلاح، وحتى حين أُجبر على حمله فترة قصيرة لم يقتل أحداً ولم يُبلِّغ عن أحد.

وفي الجهة المقابلة اختار ولد عايشة، اتجاهاً معاكساً للسّبب نفسه، فقد افتكَُّتْ منه أرضُه من قِبَل وهاب الذي «دفع رشاوي لأحد أعوان دار التّراب بمستغانم لاستصدار مستندات الأرض في أقرب الآجال وله الاستعداد الكامل أنْ يطرق مسارات قضائية وإدارية انتهاء بتنفيذ أحكام القضاء وإخلاء الأرض. لم يحاول ولد عايشة مباشرة أي شيء إلا تلبية الاستدعاءات الكثيرة التي تأتيه من البلدية أو المحكمة أو الخبير وتجرجره عنوة وهو الذي لا يملك حتى ثمن الحافلة نحو مستغانم أو غيليزان».

فلم يجد أمام هذا الغُبْن إلا أن ينهال على خَصْمه بمعْوَل ويلتحق بالجبل، فالأرض في الحالتيْن هي المبتدأ والمنتهى، فلا فرْق بين مّنْ يسلب الناس أرضهم، سواء أكان من الجزائريين أم من الكولون.

يختار الكاتب – كما في كثير من الروايات الجديدة – ضمير المتكلِّم ليحمل المتلقّي على أنْ يصبح راوياً كما هو الكاتب ومروياً له. حينئذ تمحي الحدود بين هذه الطرفيْن لننغمس في حالة من الحرب والخوف، ولكنَّنا نعيش أكثر حالة نفسية من التأزُّم لدى هذا الحركي، الذي ساقه القَدَر يوماً إلى أن يسلك هذا الطّريق حتى صار منبوذاً يشتاق إلى رؤية والدته فلا يراها إلا مرَّة واحدة متخفِّياً.

حالة دائمة من التأزُّم النّفسي، تقود بعضهم إلى الانتحار، وآخرين إلى التّخفيف منها عن طريق السُّكْر.

من جانفي 1961(الفصل الثاني) إلى جانفي – ماي 1962(الفصل الثاني عشر) جرَتْ أحداث – لا شك – مساحتها في الواقع أوْسع بكثير ممَّا تضمَّنه المتْن. لكنَّ الكاتب يختار لها منطقة محدَّدة ثم ثكنة وكتيبة محدَّدتيْن أيْضاً، فتصبح نموذجاً يصدق على سائر البلاد في تلك الفترة.

بهذا الحصْر الزمكاني، واستنطاق هذه الشّخصية المحورية من خلال المذكرات، يتمكَّن الكاتب من لمْلمَة شتات الأحداث وحكايات الشّخصيات المختلفة، منها: النّقيب مونتروي، والمُدرِّسة ماسي، وبيير أليغري، وولد عايشة، وسي وهاب الباديسي، وقويدر بن عصمان، وحبيب الشامبيط، وجوزيفين اليهودية..

وتبقى هذه الحكايات عالقة في ذهن القارئ، تبرز من خلالها الخلافات بين الجزائريين أنفسهم كما بيْن الفرنسيين، لكنها تتمحور جميعها حول رسم ملامح شخصية هذا الحرْكي الذي بقدْر ما يدفع وضعه إلى الكراهية والحقد، بقدر ما يثير الشفقة أيْضاً وقد تمزَّق قلبُه منذ الطفولة إذْ:

«لا أحد يعتقد بالجنَّة إلا جنَّة الطفولة وذكرياتها الجميلة وضحكاتها البريئة حتى أمام ألدِّ الأعداء، لا يعرفون أنَّ قلبي تمزَّق في عزِّ الطفولة واغتصبوا براءتي رغماً عنِّي، مستقبلي وحاضري، هو هتك سرمدي لشخص دُفع دفعاً نحو هامش التاريخ أقتات من الخيانة بدلا من الشّرف)).

إن الكتابة الروائية منذ نشأتها لم تنقطع صلتُها بالتّاريخ، بل إنها تنكتب في التّاريخ وفي ظلاله، ولا يمكن لأي كاتب مهما علا كعبُه أنْ يدَّعي الانفلات من قبضة التاريخ.

لكن أيَّ كاتب تواجهُه جملة من العقبات لا بد أنْ يتجاوزها بأن يهتدي إلى الطّريق الذي يضمن للنصّ الأدبي أدبيته. ومنها:

أن تكون لديْه القدرة على التقاط فترة من التّاريخ غير مسبوقة أو هي مسبوقة لكنه يُخْرجها في ثوب تبدو فيه جديدة. قد يورد أحداثاً فيذهب إلى أبعادها، أو يختار شخصية فيسبر أعماق نفسيتها.
ضرورة وعي التاريخ، لأنه قد يمثّل في الكتابة الأدبية دعوة إلى مراجعته خلافاً لما يُكرَِّسه الخطاب السّائد أو تعرضه بعض الكتب التاريخية التي تعوَّد أصحابها على التجميع والترقيع.
وبما هي كتابة أدبية قبل كل شيْء، لا بدّ من أنْ يضمن لها منطقها وخصوصيتها، كيْ يُخلِّصها من شَرَك التقريرية الفجَّة.
لذلك، فإن هذه الرواية تتميَّز بكونها انتشلت شخصية هذا الحركي من كوْنه شخصية ظلَّت هامشية تأتي عَرَضاً في سائر الروايات الجزائرية المكتوبة بالعربية ليصبح شخصية محورية، كما انتشلتْه من جموع الحرْكَى ليصبح نموذجاً يعبر عن نفسه وعن وضعية أمثاله:

«فعلاً أصبحنا مشكلة عويصة أشبه ببقرة أنجبت قنفذاً، لا هي باستطاعتها الاقتراب منه وإرضاعه، ولا باستطاعتها النفور عنه وتركه يموت جوعاً)) يكتب بن جبّار.

وفي الوقت الذي يُثْبت فيه الكاتب معرفته بالأحداث المعروضة تاريخياً وسياسياً، فإنه يدرك ما يوجد من تفاوت بين حرْكي مجرم يُنكِّل بمواطنيه، وآخر لم يكن سوى باحث عن ملاذ يُنجيه من موت محتوم. فضلاً عنْ أنَّه يصدر عنْ جرأة نادرة فيما يطرح.

فهو حين أخرج هذا النّموذج من فئة واسعة، قد وقف على مساره ووصف سلوكه ونبش في دواخله بما ينْتابه من هواجس الخوف والتردُّد وتأنيب الضمير، فيرسم ملامح هذه الشخصية عبر المناجاة(المونولوج)، والمحطَّات الواصفة، وقد تكون فردة حذاء مدعاة لمراجعة الذات، فيراها أشرف منه، لأنها من بقايا سجين التزم بموقف واضح في الحياة، فقاسَى ألوناً من التعذيب وأُعْدم، بينما عاش هو في دوَّامة من اللامعنى .

«الذكرى المادية التي هي أمامي تحاول التنصُّل من النسيان هي حذاء الشيوعي الذي يصرخ فينا ويتّهمنا ويديننا أمام ضمائرنا، بقيت ساعات طوال(هكذا)وأنا أتأمّل ذلك الحذاء بدأت أنسى كلّ شيء، الذاكرة تضعف والصّور تزداد شحوباً والروابط تنتهك وبينهم يقف ذاك الحذاء الشريف شامخاً)) يضيف.

وفي كل المواقف سواء أكان واصفاً أم مناجياً أم يدير حواراً ثنائياً، وسواء أكان راوياً أو مروياً له، فإنه يحملنا دائماً على ولوج الأجواء التي يخلقها، ويصوغها بلغة سهلة لا تصنُّع فيها. يتمُّ ذلك عبر استحضار شريط من صور الماضي من البداية/النهاية حتى النهاية/البداية.

من هنا – وفيما أقدِّر – أن محمد بن جبار قد اجتاز مجموع العقبات التي أشرت إلها آنفاً، وقدَّم واحداً هو من أمتع النصوص التي حظيتُ بالاطلاع عليها في الآونة الأخيرة، وهي الرواية الثانية بعدما كان قد نشر «أربعمائة متر فوق مستوى الوعْي». والتي لا تقل عنها متعة، وتؤكِّد أنه يمتلك أسلوباً مميَّزا في القدرة على الحكْي.

وأخيراً، إذا كنتُ أكرِّر حرصي على ضرورة التدقيق اللغوي، فلأنني متيقِّنٌ من أن الذين لا يقرأون إلا نادراً، ولم يعرفوا من الإبداع الأدبي إلا ما يتعلَّق بالقواعد المدرسية، سيتشبَّثون ببعض الأخطاء لتشويه العمل الأدبي الجميل، مع أنها – في الجوْهر – لا تُخلُّ بالبناء العام.

*ناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق