ثقافة المقال

أحدّثكم عن بلادي

قدس بن عبد الله

تنطلقن في ساعة مبكّرة من الصباح، تستقلن شاحنة كبيرة تعوّد سائقها على الوقوف في مفترق الطريق منتظرا إيّاهنّ حتّى يكتمل عددهنّ. بطلاتي تغادرن بيوتهنّ صيفا كان أو شتاء للبحث عن لقمة العيش، تقمن بجميع الأشغال الفلاحية و لا تهتممن بمدى صعوبتها. ينتظرهنّ هذا السائق و هو لا يختلف عنهنّ كثيرا، هو في طريقه إلى كسب قوت يومه أيضا. قبل الخروج من بيتها تقوم بترتيبه وإعداد الطعام و أبنائها للذهاب إلى مدرستهم. وهناك من تضطرّ إلى حمل رضيعها معها لأنّها لن تجد من يرعاه مكانها طوال ساعات العمل، و أخرى يرافقها أطفالها لانقطاعهم عن الدراسة، و أخرى أرملة تعيل عائلة ممتدة ، و لو وجدت زوجة قامت بمثل هذه المغامرة أيضا فلأن زوجا فضّل الجلوس على المقهى على البحث عن عمل. و منهنّ من تخرج إلى العمل في حالة مرض زوجها، لا تجد من تلجأ إليه سوى ساعديها، وأخريات أرسلن أبنائهن إلى الجامعة، ويصررن على العمل كي توفرن جميع متطلباتهم بحكم إقامتهم في ولايات أخرى أو العاصمة، يبدأ السائق في جمعهنّ من مناطق مختلفة، تتحمّلن قساوة الطقس في جميع الفصول، كأن خلاصهن يكمن في تلك الشاحنة التي لا تحمي أجسادهن من أي خطر محدق بهن من رداءة الطقس أو الطريق. و أحيانا يقوم بإخفائهن بغطاء كمجرّد سلعة حتّى لا تتمكن الدوريّات من ضبطه متجاوزا للقانون. وأيّ قانون وأجورهنّ لم تصل إلى الحدّ الأدنى المضمون المنصوص عليه، و لا وجود لحماية إجتماعيّة تضمن لهنّ العيش الكريم. وما مفهوم العيش الكريم بالنسبة لهن، مفهومه يختلف من فرد إلى آخر ومن طبقة إلى أخرى. و إن تحدّثنا على المؤجر، آخر همّه هو مصلحة عملته، همّه الوحيد هو أن يقوموا بعملهم على أحسن وجه وبأقلّ التكاليف. يبقى القانون مجرّد صورة إن لم يحاسب المخالفون على تجاوزاتهم ما فائدة سنّ التشريعات.
و ماذا عن الحوادث المتكررّة التي أودت بحياة العاملات، يثور غضب المجتمع المدني مطالبا بسنّ قوانين تحميهن من مثل هاته المخاطر، ويظهر المسؤول حينها كبطل لممارسة شعبوية تعوّد عليها المواطن، بطلاتي تغتالهنّ شاحنة مرّة و تغتالهنّ السياسة ألف مرّة، بطلاتي كأي إمرأة لا تحتاج لعيد وطني لتكريمها. إذا لم تحترم و تمنح حقوقها فماذا هي فاعلة بهذا اليوم و القوانين موجودة و لا تطبق. بطلاتي شهيدات هذا الوطن ولو فتّشنا في كلّ شبر لوجدنا مناضلات في جميع المجالات لم تعتلين المنابر للتصريح بما أنجزن و تعداد تضحياتهن الجسام. وكم من شهيد وطن أغلقت قضيته وتأجّل البتّ فيها.
هنّ أيضا لسن بشهيرات ولم تسعين إلى الشهرة، وضعن كرامتهنّ فوق كلّ شئ، هنّ صنديدات من حفيدات الكاهنة ولن يكنّ استثناء عنها في التضحية في سبيل الوطن. هي الصنديدة البربرية التي ذكرها حسن حسني عبد الوهاب في كتابه شهيرات تونسيات و التي تدعى دهيا( ويعني الإسم المرأة الجميلة و الحسناء) نشأت في جبال أوراس (قبائل زناتة) وحّدت قبائل شمال إفريقيا الأمازيغية، كما هو منصوص في هذا الكتاب” كانت إفريقية فيما قيل ظلاّ واحدا ممتدّا من طرابلس إلى بونة وعمارة متّصلة”، هزمها حسّان بن النعمان بعد هزيمته الأولى معها، طلب منها حينها خالد بن يزيد أن ترحل عن البلاد فكان ردّها “إنّما إتخذتك ولدا لمثل هذا اليوم، إنّما أنا مقتولة.كيف أفرّ و أنا ملكة؟ والملوك لا تفرّمن الموت فأقلّد قومي عارا” و أضاف “أمّا الكاهنة فإنّها ماتت موتة الأحراربعد أن خلّدت في تاريخ هذا القطر ذكر الأبطال” وكثيرات هنّ الحرائر ويبقى لكل زمان ومكان أحراره. و ينقلنا عبد الوهاب في توطئة هذا الكتاب إلى صورة بلاد يشتاقها :كل إمرءقائلا
تبارك الذي كرّم تونس بين البلاد، وغمرها بالمحاسن الواضحة الإشهاد، وفضلها على الأمصار، بموقع رقّ به هواؤها، وعذب ماؤها، وصفا أديمها، وزكا شميمها، فنجومها زاهية زاهرة، و أشعّة شمسها نيرة باهرة، فجرها شقيق، و أصيلها عقيق،رزقها موفور، وعيشها ميسور، ونزيلها بأنواع الخيرات مغمور. فسبحان من خصّ هذا القطر المحبوب على صغره بكرم التربة، ومحاسن الاربة، ميزه بالخير العميم، و النيل الجسيم. وجلّ من أثمر أفنانه، وهدل دوحه و أغصانه، بأبناء نبغاء رجالا ونساء زيّنوا موطنهم بخصال حميدة، وفعال سديدة، وحكم رشيدة، خلّدت ذكراهم و عطّرت شذاهم، على مدى العصور وتوالي الدهور. وإذا عظّم البلاد بنوها****أنزلتهم منازل الإجلال.
ولينظر ساستنا إلى حالهم و حال البلاد و العباد و ما آلت إليه سياساتهم على جميع الأصعدة، فكلّ مجال مرتبط بالآخر. ولو أرادوا لحافظوا على الوطن، في هذه الأيام كثيرا مانسمع في نشرات الأخبار عن حراك اجتماعي و إضرابات عامّة في مناطق مختلفة. هم يدركون الحقيقة، هو ليس بتجاهل إنّما هو تغابي. عندما يعون مايعيشه أصحاب الشهادات العليا المعطّلين من حاملي شهادة الدكتوراه و غيرهم من المستويات، عندما يدركون ما تعانيه الفئات الهشة. عندما يدركون التفاوت العميق بين المناطق التي تتعرّض للتهميش المستمرّ وذلك لغياب خطط تنمويّة ذات فاعليّة من شأنها أن تحدّ من المعضلة الكبرى وهي المتعلّقة بالبطالة. عندما يدركون أن الفساد متغلغل في الإدارات و الجامعات. عندما يدركون أن العديد من المدارس و المعاهد والمستشفيات لازالت تفتقر إلى الأساسيات.
عندما يدركون قيمة الروح البشريّة ويهتمون بالبنيات التحتية لما لقت فتاة شابّة و طفلة صغيرة من قبلها حتفهما في بالوعة أو الطبيب الشاب الذي سقط وتوفّي في مصعد معطّل في المستشفى. عندما يدركون أنّ المواطن اكتفى بخطاباتهم الرنّانة ويريد الفعل و لا تلك الشعارات التي يتحفونه بها و الوعود واهية. أوطاننا غنية بثرواتها الطبيعية كل منطقة داخليّة كانت أو ساحلية لها مميّزاتها وهي جنّة على وجه الأرض و كل منطقة ينبع منها جمال خاص. و إنّ الإنسان هو الثروة الأهمّ، فهل يدركون لماذا يلتجأ المواطن إلى الهجرة، سواء هجرة أدمغة أو غير شرعيّة. عندما يدركون أنّ العصا السحريّة التي يطلّون بها عبر وسائل الإعلام ما هي إلاّ انعكاس لكذبهم، لوهم يروّجون له في فترة الانتخابات. عندما يدركون ماذكر سيعرفون قيمة الوطن.

تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق