ثقافة المقال

ما بعد البعد ومتاهة البحث عن الكمال

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

 ليس الخطر ان يكون هناك صراع بين الحق والباطل، فهذه سنة الحياة ونواميس الكون التي وجد عليها، ولكن الخطر ان يفقد الناس الاحساس بالفرق بين الحق والباطل.
وعندما يسكت الحكماء يتكاثر الحمقى ….
وعندما يستقيل العقل تكثر الفوضى….
وعندما يغيب الفجر يصير الليل نسرا يطارد نوارس السلام.
كانت ما بعد الحداثة ابرز ثمن لتسطيح العقل والمرجعيات القيمية، هي مرحلة تحول عالمي مرعب وخطير، اذ اصبحت الحرية والعدالة والأخلاق، مجرد صفقات قابلة للمضاربة في بورصة السوق العالمي. ما بعد الحداثة هي في الحقيقة الحداثة السائلة التي يجب استيعابها لعلها آتية إلينا يوما ما. الحداثة مصطلح يحمل مدلول مخالف للتجديد، ومخالف للإتيان بجديد من جنس القديم، بمعنى أن قميصك الذي وقع عليه عطب، فالتجديد يعني أن تخيط محل العطب، لكن ممارسة الحداثة على القميص، تعني أن تلغي وجود القميص وما هو من جنسه على جسدك، وأن تأتي له بشيء حديث كليا. تماما هذا هو مفهوم الحداثة.
أن تلغي أول الأمر الدين والتقاليد التي تربط المجتمع، لأن الإتيان بالحديث كليا يتطلب إلغاء القديم كليا، فيتعين إلغاء حتى المجتمع بحد ذاته، تماما كما قالت مارغريت تاتشر ” لا يوجد شيء اسمه المجتمع” وبث روح الفردانية مكانه، فليس هنالك مجتمع عندما نريد أن نكون حداثيين، فالمجتمع شيء قديم، وإنما يوجد فقط أفراد.
هؤلاء الأفراد يجب أن يزيلوا عنهم الأفكار التي كانت موجودة داخل مسمى المجتمع، وأهم هذه الأفكار هي فكرة “الامر الناه” والوصاية، فليس هنالك آمر ناه، يعاقب من يخرج عن الصف، بمعنى ليس هنالك شخص ذو خبرة في الحياة هو من يوجهك كي لا تقع في الخطأ بل أنت الموجه، وأنت المجرب، وأنت المريد، وأنت المستطيع، وأنت المسؤول، كل هذا يصب في معنى خلع القيد والوصاية عن أي شخص او مرجع او فكرة ، تجربة أي شيء يروج في السوق، والسوق هنا لا يقتصر عن سوق السلع والخدمات، بل يدخل في مدلوله سوق القِيم، وسوق الأفكار، وسوق ما تهوى الانفس، معيار الصواب والخطأ لم يعد الامر والنهي، ولم يعد تلك القيم والنظم الشرعية، ولا النص، بل أنت من تحدد، لأنك الآن لم تعد مساهما في تشكيل مجتمعهم، بل أنت عبارة عن فرد، نتائج أفعالك لا يتحملها معك الاخرون.
يوجد لدى الفرد حالة نبه عليها زيجمونت باومان، وهي أنه على الدوام يعيش حالة لا يقين، فهو بدون معيار، بدون أخ أكبر، بدون مجتمع، بدون دين وتقاليد، كل ما يدخل السوق العام ويقبل الاستهلاك فالفرد لا يملك قيدا أو معيارا يحدد له هل يستهلكه أو أن يمتنع عنه، بل هو في حالة لا يقين، في حالة شك، سيقبل عليه أو يتركه؟ سيحقق له الكمال أم لا؟ سيبتاع هذا الفرد تلك السلعة، وهذه القيمة، بغير اعتبار لكونها تمثل الحق أم الباطل، بل سيفعل ذلك متبعا لمقولة “المتعة خير من الحق”.
ويبقى الفرد باحثا بصورة دائمة عن كمال إنساني خلال رحلة الاستهلاك هذه، السلع والقيم في هذا السوق الذي تتطلبه ميوعة الحداثة ، فالسوق الرأسمالي متجددة باستمرار، وكل تجدد يشعر المستهلك بأن الكمال لم يتحقق، فما العمل؟ استهلاك أكثر، بحثا عن فرد أكمل، في هذه الطريق غير المنتهية ما دام السوق رأسماليا، وما دام الفرد فردانيا، وما دام الأخ الأكبر قد تمردنا عليه، يتحول الطلب على الحاجيات إلى طلب على الرغبات، فالفرداني يطلب ما يرغب به لأجل الكمال، لكن الكمال الذي هو تحقيق الكفاية والمتمثل في الرغبة بالضروريات، قد بات قديما، فالحداثة تطلب التحديث دوما، وبهذا يصير حتى المرغوب فيه والذي ليس ضروريا ولا من الحاجيات، يعتبر اليوم رفاهية وكماليات، لكن في الغد سيصير ضروريا، بمعنى أن التحديث المستمر للسلع الكمالية بين البارحة واليوم، قد جعل انتظار اصدار كماليات جديدة لتحل محل الكماليات القديمة ، التي حلت محل الضروريات في الأصل، سابقا على الحاجة لتلك الكماليات، فالناس تشتري أيفون ١١ لتحقق الكمال في هذا الباب، في الغد يصير أيفون ١١ ضروريا، لا مجرد رفاهية أو كمالية، مع العلم بأن السنة المقبلة سيصدر أيفون ١٢، سيصير انتظار صدوره ألذ وأمتع من الحاجة إليه وأسبق عليها، سيصير جنس التحديث في المنتج السلعي أو القيمي مستمرا لما لا نهاية، وسيبقى الانتظار والاستهلاك واللايقين بصحة التجربة في علاقة طردية مع هذا الإنتاج غير المتناهي. لعل فرنسا ستفرض عقوبة على الزواج في وقت لاحق، فتقنين الزنا بالتراضي في سن الـ ١٥ عبارة عن سلعة يوجد عليها طلب تحقق الرفاهية، والمتعة لدى الأفراد، والمجتمع لا يوجد أصلا ليمنع ذلك، والمعيار قد ذهب مع الأخ الأكبر الناهي الآمر، والزنا بالتراضي في سن الـ ١٨ بات تقليدا قديما، ونحن مهمتنا التحديث باستمرار، لا إنشاء تقاليد جديدة صلبة. والفرص في عالم ما بعد الحداثة شهية للغاية لأن الفرد بدون رقيب مع دعمه بالفكر الليبرالي التحرري وحمايته بمنظمة حقوق الإنسان الفرد؛ قد جعل تجريب تلك الفرص أمرا شهيا للغاية، نحن نجرب اليوم، ما جربناه اليوم صار في الغد تقليدا، يجب أن نتحرك لأجل الأحدث، نتسابق مع الكمال لكن ليس له نهاية، مرحلة القناعة لم تعد متوفرة، ذهبت مع المعيار، الآن يوجد مرحلة إدمان لكل ما سيجعلني الأكمل عن النسخة السابقة لي، وستصير الهوية مهمة متجددة، لا هبة، وهذا الإدمان لا يهمني إذا كان مدمرا لكل إمكانية مستقبلية للإشباع والارتواء. بل كما قال باومان: المجتمع الرأسمالي المتطور يلتزم بالتوسع المستمر في الإنتاج. ليس هنالك من يقدم لي يد العون، لأن التصدي للمتاعب من دون عون أو مساعد هو ما يفعله الجميع اليوم، هكذا يقول باومان.
بالتالي فعند شيوع الرأسمالية، وفقد المعيار، وتحرر الأفراد عن المجتمع والدين ، ستكون مواقف الأفراد متخذة على مسؤولياتهم الكاملة، من دون معرفة ضمنية بتبعات القرارات وعواقبها، مع انعدام تام للمعيارية، والقواعد، والأمر والنهي، سيواجه الأفراد أسوأ حالاتهم، لأن اليقين الذي كان يضمنه الروتين داخل المجتمع قد تم وأده، فالنماذج الروتينية التي تفرضها الضغوط الاجتماعية تعفي الناس من معاناة عدم اليقين المتجدد، فهذه النماذج الروتينية التي تتم بالرتابة والانتظام تعلم المرء كيف يسلك معظم وقته، وقلما يجد نفسه في موقف يخلو من معالم عبر الطريق.
لكن في حالة اللامعيارية، واللايقين؛ ليس لديك يقين بأنك لو شاهدت الإباحية بين رجل وامرأة اليوم، أنك بعد سنوات لن تشاهد مواد إباحية تعرض امرأة تضاجع حمارا أو كلبا، ستعرض تلك المواد على السوق، لأن المجتمع الرأسمالي دما يعرض يتوسع في الانتاج بدون ضوابط او قيود. والعالم داخل الحداثة السائلة كما يقول باومن بحاجة الى مثير اشد قوة واكثر قابلية للتغير والتقلب. صحيح يوجد تطور علمي هيب. لكننا وسط الحداثة السائلة نبحث عن اليقين عن الاستقرار. نبحث عن دواء يجعلنا قنوعين راضين متفائلين، نبحث عن من يشاركنا هموم الحياة هموم المسؤولية يحمل عنا حملنا الثقيل، الا نضيع في متاهة البحث عن الكمال، نحتاج الى بناء علاقات اجتماعية تواسينا وتعزينا في الحياة. نحتاج الى عمل يدوم مدة يمنحنا يقين بان العالم يحتاجنا. هذا المطلب الان ربما هو غير ممكن الان لان الحداثة همها استبدال كل ما هو قديم، همها الغاء الماضي، واليوم الحداثة نفسها تعد من القديم وبالتالي تم استبدالها بما بعد الحداثة، وهكذا يستمر الما بعد الى ما لا نهاية.
والتبرير الذي تقدمه ما بعد الحداثة على كل ذلك هو تعميم الحرية الفردية وازاحة سائر القيود الاخرى بما فيها سلطة الابوة والدين والقيم والاخلاق. كل هذا لتكون ليبراليا حرا فردانيا زبونا جيدا في سوق الرأسمالية المنتج باستمرار والى ما بعد البعد.
وقد استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب، وتقترن مابعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية واللامعنى واللانظام.
لذلك يتميز فكر ما بعد الحداثة بقوة التحرر من قيود التمركز، والانفكاك عن التقليد وما هو متعارف عليه، وممارسة الاختلاف والتفكيك والهدم والتشريح، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة البنية والانغلاق والتكامل، وتعرية الإيديولوجيات، والاهتمام بالمدنس والهامش والغريب والمتخيل والمختلف، والعناية بالعرق، واللون، والجنس، والأنوثة، وخطاب المابعديات المفتوحة.
الى هذا الحد نجد أن لما بعد الحداثة عيوبها وسلبياتها الخطيرة، ومن أهم هذه العيوب أنها نظرية عبثية وفوضوية وعدمية وتقويضية تساهم في تثبيت أنظمة الاستبداد والقمع والتنكيل، وتجعل من الإنسان كائنا عبثيا فوضويا لا قيمة له في هذا الكون المغيب، يعيش حياة الغرابة والشذوذ والسخرية والمفارقة، ويتفكك أنطولوجيا في هذا العالم الضائع بدوره تشظيا وضآلة وانهيارا وتشتيتا.

رئيس قسم الفلسفة/ كلية الآداب/ جامعة الموصل/ العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق