حوارات المجلة

الروائي السوداني أمير تاج السر

حوار لم يسبق نشره على الانترنت، ننشره لأول مرة بشكل حصري، والشكر موصول للإعلامي التونسي ساسي جبيل الذي أفادنا به.

كثيرون لم يصالحوا الشعر بالنثر فابتعدوا عن القراء……

القارئ هو الناقد الحقيقي للكاتب

السيرة جزء من الكتابة الأدبية التي يميزها الصدق‬

حوار ساسي جبيل ‬

أمير تاج السر واحد من الكتاب العرب الذين أصبحت لهم قدم راسخة ٌ قي المشهد الادبي قي الوطن العربي وخارجه ,إذ حققت أعماله المنشورة رواجا كبيرا قي السنوات الأخيرة ,مؤكدا أن السودان قادرة علىإنجاب المبدعين الأقذاذ,وان طريق الابداع تحتاج الى دربة وممارسة دائمة.
…………مسافرا كان ولايزال بين الكتب والاساطير ومتبعا خطى الاهل قي بلاد بعيدة تارة ومقتنصا من السيرة والتاريخ احيانا اخرى ..وصادقا قي كل الاحيان مع نقسه ومع القارئ الذي كثيرا ما يجد المتعة الكاقية قي نصوصه المختلقة …
عن الرواية العربية والنقد والسودان والطيب صالح خاله الذي كنا نظن انه الشجرة التي حجبت الغابة والعديد من المحاور الاخرى كان لنا معه هذا اللقاء..  

دائما ما نعرف الماضي بأنه زمن جميل، حتى لو كنا لا نطيقه

1/ تغيرت المفاهيم والقيم اليوم بفعل التطور الاعلامي ووسائل الاتصال الحديثة …فهل ذهب معها الزمن الجميل الى “خبر كان ” كما يقال ام ان الطروحات الراهنة والمتغيرات قادرة على فرض نمط قريب من المثال المطلوب؟

هذا يعتمد على تعريفنا للزمن الجميل، فدائما ما نعرف الماضي بأنه زمن جميل، حتى لو كنا لا نطيقه أثناء حياتنا فيه، والأجيال التي تترعرع في حاضرنا هذا، وتستاء من وضعها، ستعتبره زمنا جميلا حين يمضي، وأنا للأسف من المؤمنين بمسألة الزمن الجميل هذه، ولا أعزوغيابه لنشاط وسائل الإعلام وكثافتها، ولكن لافتقادي لأشياء عديدة، افتقادي لأهل وأصدقاء وطرق، وحياة كاملة، ربما لم تكن الحياة في طفولتنا وبداية شبابنا سهلة كاليوم، ولكنها كانت عذبة بلا شك. بلالنسبة للمتغيرات الحديثة، فهي بلا شك قادرة على خلق أسطورتها الخاصة، وتصديرها للمستقبل، في كل زمن ثمة متغيرات تحدث، كن ما حدث منذ بداية الألفية الجديدة، كثير للغاية، وفي مجال الكتابة، أعتقد أنها كانت أيضا فترة خصبة للغاية، استفاد الكثيرون من تجدد المواضيع وتنوعها، وكتبوا

قارئ الرواية يحتاج إلى كثير من التوضيح

​‫

2/ بين الشاعر والسارد حدود معروفة في المتن المدون ..متى يعلو داخلك صوت الشاعر ومتى يحضر الناثر….وهل بين الامرين حدود مرسومة سلفا ؟

-أتفق معك أن الشعر شعر، والنثر نثر، ولكن لا بأس من الاستفادة من جماليات الشعر في الكتابة النثرية، بحيث لا يكون ذلك غاية بحد ذاتها. أنا من الذين كتبوا الشعر كما تعرف، وبعد ذلك كتبوا الرواية، وكانت بداياتي الروائية صعبة ومعقدة كونها كانت تتجشأ شعرا، وكانت الجمل مكثفة للغاية، وقارئ الرواية يحتاج إلى كثير من التوضيح. بمرور -الزمن واتساع التجربة، استطعت الحصول على أسلوب لا يظلم النثر وفي نفس الوقت، لا يجعل الشعر مائدته الرئيسية. الآن أعرف هذه الحدود جيدا، ولذلك كانت الأعمل التي تلت ” صيد الحضرمية” ٢٠٠١، كلها قريبة مني وقريبة من القارئ أيضا، هناك كثيرون لم يصلوا إلى مصالحة بين الشعر والنثر، وبذلك ابتعدرا كثيرا عن القراء،

يمكن للكاتب أن يقدم شهادة حية، يلملها من أشتات حوادث ماضية

3/يمثل الموروث الشفوي احدى اهم مصادر الكتابة الابداعية للكثير من الكتاب انت واحد منهم ..فهل بامكان هذا المخزون ان يميط اللثام عن قضايا الحاضر ام انه يحيل الى مفاهيم استردادية تقول بالعودة الى الماضي ؟

توظيف الموروث الشعبي لأي بلد، عمل مشروع في الكتابة الروائية والشعرية، وأعتبره أحد مفاصل الإدهاش إذا أجيدت كتابته، وأعتقد أن الروائي المتمكن، يمكنه بسهولة أن يتسكع في حاضره المعيش، من خلال قناع التراث، ليست كتابة تاريخ معروف أو حكاية أسطورة ما، أو توظيف أغنيات شعبية، بالعمل الكبير، إذا لم يلق بظلاله علي الحاضر، بالنسبة لي أنا أحب هذا النوع من الكتابة، أقرأ كثيرا، وأوظف ما أستطيع توظيفه، ولكن أيضا بإعادة إنتاجه بحيث لا يبدو كتابة صلدة، قد لا تهم أحدا في هذا الزمان. من هذا المنطلق كتبت توترات القبطي ومهر الصياح ورعشات الجنوب وأرض السودان- الحلو والمر، وفي ذهني زشياء كثيرة أتمنى لو عثرت على وقت كي أكتبها. في النهاية يمكن للكاتب أن يقدم شهادة حية، يلملها من أشتات حوادث ماضية.‬

ليس كل القراء متفاعلين مع الروايات التاريخية
​‫

4/قد تكون الاسطورة والتاريخ اسلوبين سرديين قادرين على الاقتراب اكثر من ذائقة القارئ في هذا الزمان …فالى اي مدى كان اختياركم لهذا المنحى آخذا باسباب ذائقة القارئ ام انه اختيار ذاتي بالاساس؟

-لقد ذكرت لك أهمية هذا الأمر في سؤالي السابق، ولكن ليس كل القراء متفاعلين مع الروايات التاريخية، خاصة تلك التي تعيد رواية التاريخ نفسه الذي كتبه المؤروخون، الكثيرون يحبون الروايات المعاصرة، مثل العطر الفرنسي وصائد اليرقات، ربما لأنها تذكرهم بحاضرهم أكثر، وربما لأن كتابتها في الغالب بسيطة وخالية من التعقيد، ولكي يتذوق اقارئ عنلا تاريخيا، أو أسطوريا، على الكاتب أن يفخخ ذلك العمل، أن يجعل القارئ داخله، ومشدود بعدة حبال. تجربتي مع الرواية التاريخية أو التي استوحيتها من الزساطير كانت ناجحة إلى حد ما، لكن سأظل أكتبها حتى لو لم تنجح، إنها إحدى خياراتي التي أعشقها دوما.‬    

الطيب صالح لم يحجب أحدا عن الظهور

5/هل يصح القول ان الطيب صالح كان الشجرة التي حجبت غابة المبدعين في السودان ؟

هذا السؤال بالذات لم أكن أريدك أن تسأله، لأنني سئلت عنه عشرات المرات من قبل وأجبت. وأجيبك الآن أيضا بأن الطيب صالح لم يحجب أحدا عن الظهور، هي عوامل كثيرة، وضعت الطيب في السطح وغيره بعيدا عن الأضواء، أهمها، أين كان الطيب وفي أي مكان كتب؟، وبأي إعلام انتشر، وأسأل بدوري، هل كنت ستعرفني أو تحاورني لو كنت محجوبا بالطيب؟   

الرواية بما تحمله من خيال وابتكار هي التي تساهم في انتشار الكاتب

6/يذهب البعض الى القول ان الحكي هو القادر اكثر من غيره على ترويج العمل الادبي ..هل صح ذلك بالفعل من خلال تجربتك التي تقوم على هذا الاسلوب من ذلك “مرايا ساحلية “و”سيرة الوجع” وغيرهما؟

-تقصد كتابة السيرة الذاتية أو شذرات منها ….. لا بالطبع السيرة جزء من الكتابة الأدبية التي يميزها الصدق، والذي يكتب سيرة يجب أن يكون صادقا ومستعدا لتقبل ردود الأفعال التي تعقب ذلك، ومعظم الذين يكتبونها، ينظفونها جيدا قبل النشر، وهنا تصبح أقرب للعمل الروائي، أنا كتبت ثلاثة أعمال سيرية، وكتبتها بصدق، وانتشرت أيضا، لكنها لم تمنحني ما منحتني إياه الرواية، “مرايا ساحلية”، كانت وما زالت كتابا مهما، وقد قرأها الكثيرون بوصفها رواية. أعتقد أن الرواية بما تحمله من خيال وابتكار هي التي تساهم في انتشار الكاتب أكثر، وتمنحه درع الكتابة الذي يحارب به، ولو نظرت إلى حجم ما قدمته من أعمال رواذية، تجده أكثر فنا من السيرة.‬.      

لا تستطيع كتابة ذاتك بمعزل عن الآخرين

7/يستسهل البعض كتابة السيرة فماهي الآليات التي يحتاجها هذا الشكل في الكتابة …وهل باستطاعة الكاتب ان يكتب ذاته للتعبير عن الآخرين؟

هنا أيضا أحيلك لردي على السؤال السابق. السيرة التي يكتبها البعض ليست سيرتهم الحقيقية ولكنها السيرة المنقحة، المغسولة جيدا من أدران ربما علقت بها، أنت لا تستطيع كتابة ذاتك بمعزل عن الآخرين، لأنك تعيش في مجتمع، تكونت فيه وبالتالي أي كتابة عن الدات، تجر وراءها المحيطين بالكاتب والذين شكلوا وعيه الكتابي ووجدانه،ودائما ما زضرب مثلا بسيرة الكاتب اليهودي عاموس عوز: قصة عن الحب والظلام، والتي ذمرت أنه لم ينظف قلمه ليكتبها، وإنما كتبها كما هي، أنا أجدها مدهشة برغم تلال العنصرية التي نصبت فيها، أدهشتني لأنها كانت حقيقية. زضيف أن ما تقرأه عندنا، وتجد فيه شيئا من حياة الكاتب، هو روايات وليست سير‬
​‫

الغربة عندي كانت مهمة جدا

8/تجربة الغربة اهدت للقراء في مختلف انحاء العالم نصوصا متميزة على مر العصور …ماذا أضافت لامير تاج السر؟
الغربة عندي كانت مهمة جدا، أولا هي ليست غربة كبيرة، أو طاحنة لأنني أعيش في بلد عربي إسلامي كريم، هو قطر، وثانيا منحتني أمان العمل والاستقرار وأيضا الوقت الذي لم أكن أحصل عليه في السابق، وأنا أركض خلف عيشي، لذلك تجدني ممتنا للغربة كثيرا، وحتى الآن كلما أكتبه عن السودان، الذي لم أنقطع عن زيارته إطلاقا، في كل عام أذهب وأتي بحكايات جديدة‬. 
​‫

كل من يكتب الآن حتى لو لم يكن يملك موهبة، يستطيع أن يدفع لينشر عمله

9/هل يمكن القول ان النشر هو السبب الحقيقي لانحسار الادب في عالم اليوم؟
تقصد سهولة النشر؟، نعم لقد سميت ذلك ثقافة الألف دولار، وأغضب الكثيرين، كل من يكتب الآن حتى لو لم يكن يملك موهبة، يستطيع أن يدفع لينشر عمله، حتى لم نعد نميز بين الكتاب وغير الكتاب، وقد ساهمت دور النشر الكثيرة في الوطن العربي، في انتشار هذه الثقافة، ولو تعاملنا بالمفهوم الغربي، بأن الذي ينشر كتابا يجب أن يكون مؤهلا لذلك، لحصلنا على إبداعات متميزة‬
​‫

القارئ هو الناقد الحقيقي للكاتب

10/بعد اصدارك لعشرات المصنفات الادبية التي كان لها حضورها المتميز..هل نال امير تاج السر الاهتمام النقدي المنتظر …وما علاقتك بالنقد في ظل طغيان الانطباعي والسطحي على المشهد في السنوات الاخيرة ؟

-حقيقة لم يكن النقد غايتي، ودائما ما أردد بأن القارئ هو الناقد الحقيقي للكاتب، ووضعت تعليقا لقارئة، على غلاف الطبعة الثانية من روايتي صائد اليرقات، وهو ما لا يفعله الآخرون، واقترحت في مقال لي بالجزيرة نت، أن يدخل القارئ ضمن محكمي الجوائز الأدبية، لأنه يدخل خاليا من الأهواء، يدخل بحبه للعمل الأدبي، عموما اهتم النقاد بتجربتي كثيرا، وكتب عني نقاد كبار مثل صبري حافظ وصلاح فضل وفيصل دراج، ولو لم يكتب عني أحد، لما حزنت كثيرا. التنقد عموما، لم يعد الوسيلة الكبرى لترويج العمل الأدبي في هذا الزمن.‬
​‫

أنا قدمت مشروعي وأعتقد أنه وصل للقارئ

11/ بعد ربع قرن اويزيد من معاشرة الحرف ..هل قدمت ما يجب ان تقدم ام ان ما كتبته الى حد الآن كان مجرد محاولات ليس الا؟\
كيف يكون محاولات؟، أنا قدمت مشروعي وأعتقد أنه وصل للقارئ، وأعتقد أنني نلت حقي من اهتمام القراء والنقاد العرب، وأيضا المستشرقين الذين ترجموني للغات أخرى‬
​‫

12/ماذا تقول للكاتب العربي في هذا الزمن المتقلب ؟

الكاتب ليس مطالبا بأكثر من كتابته، على الكاتب المصاب بجرثومة الكتابة الحقيقية، أن يستمر، ودائما يوجد أمل ما.‬

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق