ثقافة المقال

عندما تصير اللغة سجناً للوجود

د. ماهر عبد المحسن

للغة وظائف كثيرة، لعل أبرزها هو توصيل المعنى. وهى الوظيفة الأبرز والأكثر مباشرة، لأنه على أساسها يتحقق التواصل بين الأفراد وتقوم المجتمعات. غير أن الوظيفة التوصيلية ليست هى الأعمق في الحقيقة، لأنها لا تجاوز معناها المباشر، وهى، بهذه المثابة لا تحتمل التأويل، ولكن تحقق الضرورة الاجتماعية والإنسانية للعيش المشترك بين الناس.
وبجانب الوظيفة التوصيلية المباشرة ذات الأغراض المحدودة، توجد الوظيفة الإبداعية للغة، وهى تلك التي يستعين بها الأديب من أجل تقديم عمل إبداعي، شعر او قصة، يحمل فكر ووجدان كاتبه، ويكون قادراً على تجاوز التجربة الفردية الجزئية إلى معاني أعلى ودلالات أعمق. ويكمن السر هنا في الخاصية الذاتية للغة الأدبية الموحية، التى تفتح الباب لأنماط مختلفة من الفهم والقراءة ربما لم يقصد إليها الكاتب. وهذا المستوى هو الذى كان يقصده هيدجر عندما وصف اللغة بأنها بيت الوجود. فاللغة عنده لا تعبّر عن حقيقة مختبئة وراءها، ولكن هي نفسها تعد تجسيداً وتكشّفاً للحقيقة عندما تصير تألقاً للفكرة في ذاتها. وهو أيضاً ما دفعه للقول بأننا لا نتحدث اللغة لكن اللغة هي التي تتحدث من خلالنا.
غير أن الممارسة الواقعية أفرزت وظائف كثيرة ومختلفة للغة فى مستواها التوصيلي المباشر، منها قدرتها على التأثير فى الناس من خلال اللغة الخطابية العاطفية فى المواقف السياسية والاجتماعية التى تستوجب ذلك. ومنها اللغة الإعلامية الإيهامية التي تُظهر عكس ما تبطن.
وبهذه المثابة، لم تعد اللغة بيتاً للوجود بنحو ما أشار هيدجر، لكن صارت سجناً للوجود. فالسياسي الذى يرغب في السيطرة على الجموع يستخدم عبارات رنانة، و يستدعى صوراً تاريخية معزولة عن سياقها من أجل لعب دور بطولي مزعوم. يقوم بذلك مدعوماً بأداء جسدي تمثيلي يرسم ملامح القوة، ويستخدم نبرات مرتفعة الشدة تشعل الحماس. وهنا يتم محاصرة المستمعين للخطاب، مهما بلغ عددهم، بحيث لا يسلكون إلا بنحو انفعالي لا يعبر عن حقيقة راسخة بقدر ما يعبّر عن وجود زائف. فقد تم السيطرة على مفاصل وجودهم العقلي، وباتوا يتصرفون بوحى من ارادة مكبلة و روح سجينة.
وبالمنطق نفسه يحاصر الإعلام مشاهديه برسائل وهمية لا تمت للحقيقة بصلة، لكنها تتمتع بجاذبية الصنعة المتقنة، بحيث تهيمن على الجمهور وتوقعه فى شباكها، لتتحول العبارة المنمقة الفارغة من المعنى إلى قيد ذهبي يدفعك إلى الخيلاء، والرغبة في الظهور به دون قدرة على إزالة الطلاء الزائف، والكشف عن المعدن الرديء المختبئ تحته.
إنها الاستراتيجية نفسها التي تعمل على تكبيل الآخرين، وجعلهم يتصرفون على نحو ما يريد المتحدث، صاحب الخطاب الفوقي، لا ما يريدون هم ويقررون بأنفسهم.
والحقيقة المدهشة أن المسألة لا تتوقف عند حد الخطاب السياسي الذى يعتمد على اللغة الحماسية، ولا الخطاب الإعلامي الذى يعتمد على اللغة الدعائية، لكنها تمتد إلى حياتنا اليومية، الاجتماعية والعملية فيما يمكن أن نطلق عليه “اللغة التكليفية”. وهى لغة تواصلية، لكنها تنطوي على أمر تكليف، يستمد قوته من السلطة الأدبية والعاطفية لمُصدر التكليف. ويمكننا أن نعثر على صور كثيرة لتجليات هذه اللغة، تمتد من الطفولة وحتى الممات.
ففي المراحل المبكرة من عمر الإنسان، يجد الطفل نفسه سجين أوامر وتكليفات الآباء. وبالرغم من بديهية هذا الأمر، لكن اللافت هو قوة اللغة المستخدمة التي يمكنها أن ترغم الطفل على الجلوس أو الوقوف أو النوم اذعاناً للعبارة الآمرة، وما تتضمنه من سلطة مضمرة، فحسب، أي حتى في ظل غياب مصدر الأمر. وتتبدى غرابة هذه الفكرة عندما ينسى مصدر التكليف موضوع التكليف، و يغادر المكان دون عودة، ليظل المكلف على حالة المقيد من وقوف أو جلوس أو القيام بعمل ما، مهما كان تافهاً.
يحدث الشيء نفسه في المدرسة عندما يأمر المعلم تلاميذه بأن يكتبوا درساً معينا عدداً كبيراً من المرات حتى ينتهي من أعمال تخصه، أو يفرغ لإجراء حديث خاص مع مدرّسة زميلة، أو حتى رغبة في أن ينعم بشيء من الهدوء بعد يوم عمل شاق.
وتتكرر الصورة في أماكن العمل عندما يُطلب من الموظفين كشوفاً وجداول لا تكون مطلوبة أو ضرورية على الحقيقة، لكن يكون الهدف فقط، هو شغل وقت الموظف حتى لا يجلس دون عمل. لكن الأمر الصارخ هنا إنما يتمثل في حالة ما إذا أمر الرئيس بعض مرؤوسيه بعدم مغادرة مقر العمل بعد مواعيد العمل الرسمية، وهنا يجد الموظف نفسه مكبلاً بتكليف شفهي من رئيسه الذى غادر المكان، ومارس حياته الطبيعية في مكان آخر، بينما المكلف يجد نفسه عاجزاً عن التحرك قبل حلول الوقت الذي تضمنه التكليف.
فى مرحلة عمرية أخرى يواجه الإنسان هذا اللون من اللغة التكليفية فى حياته الاجتماعية، و الزوجية بخاصة. فالزوجة قد تطلب من الزوج الذاهب إلى عمله أن يتصل بها عند الوصول إلى مقر عمله، أو أن تطالبه بألا يتأخر بعد مواعيد الانصراف، وهى مطالب مشروعة غير أنها تضع قيوداً على حركة الرجل، خاصة إذا كان حديث العهد بالزواج. والشيء نفسه يمكن أن يقال عندما يغادر الزوج المنزل ويطلب من زوجته ألا تخرج أو تفتح باباً أو نافذة أثناء غيابه، فهو في الحقيقة يمنح نفسه حرية الحركة بينما يقيد حركة الزوجة ويحيل بيت الزوجية إلى سجن.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، لكن يصل إلى صورته المتطرفة عندما يموت الإنسان ويترك كلمات مكتوبة في شكل وصية يكبل بها حياة الأحياء. ففي كثير من الأحيان تأتى الوصية معبّرة عن إرادة المتوفي، وفى الوقت نفسه ضد رغبة الأحياء ومصالحهم.
والمسألة، فى كل الاحول، قد تستمد مشروعيتها من العرف أو القانون، لكنها تعتمد فى فاعليتها على الاحترام، أو الالتزام الأخلاقي، أو الحب. وأداة التكليف هي اللغة الآمرة، أو “الكلمة”، فكثيراً ما كانت للكلمة بين الناس قوة واعتبار. غير أن ثمة فرقاً كبيراً وجوهرياً بين كلمة تدعم الوجود، وكلمة تنتقص من الوجود.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق