ثقافة المقال

المركز والهامش في الثقافة العربية (بين ذكورة الرجل وأنوثة المرأة)

خديجة مسروق​
 
تمثل ثنائية المركز والهامش، من بين المواضيع المطروحة حاليا، على المستوى لفكري، خاصة والعالم على أعتاب عصر المابعد حداثي، الذي أصبح فيه التنظير يدعو إلى نقض كل ما هو مركزي، امتدادا لرؤية نيتشه “موت الاله “
وكان المركز منذ الوجود الانساني يفرض سيطرته على الهامش حتى لا يخرج عن دائرته، له حق السلطة، يتحكم في كفة الميزان التي يرجحها لصالحه و في كل الأحوال.
ثنائية المركز و الهامش وجدت عبر التاريخ في كل المجتمعات، وفي كل السياقات “السياسية والاقتصادية والاجتماعية ..” ، وكان الصراع قائما بين طرفي الثنائية ( المركز والهامش ) . والغلبة للمركز .
لعل أبرز مركزية على مستوى الثقافة الانسانية العالمية و العربية بخاصة هي مركزية ( الرجل ) مقابل هامشية ( المرأة )، إذ وجدت هذه الأخيرة نفسها في مجتمع ذكوري يفرض هيمنته، في غياب مظهر المساواة، ((فظل لرجل هو المتكلم باسمها، و يعبر عن حقيقتها ، وكينونتها، فالمرأة مستعمرة الرجل))1
ولئن احتاجت المؤسسة الذكورية إلى قاعدة تستند إليها لجأت إلى المؤسسة الدينية في بعض المسائل دون غيرها ” التعدد الزوجي”
ومن هذا المنطلق نحاول اقتحام عوالم المركز ” الرجل” والهامش ” المرأة ” في الثقافة العربية، ودور المجتمع في تشكيل السلطة الذكورية، وتهميش المرأة ، ومنعها من التمتع بحريتها الطبيعية، فلماذا وجود مركزية ذكورية، وهامش أنثوي في المجتمع العربي ؟ لماذا يرفض الرجل العربي تجاوز هذه الفروقات ؟ وهل تستطيع المرأة العربية الخروج عن بنية النظام الاجتماعي، الذي يلعب فيه الرجل الدور السلطوي، فتتخطى حدود الهامش واقتحام المركز ؟
مركزية الرجل في الواقع الانساني، تمثل نقطة جوهرية يدور حولها جدل كبير، وموضوعها يشكل أهمية بالغة في الثقافة العالمية والعربية على حد سواء.
كان التفكير التقليدي سائدا في المجتمعات العربية، يعتبر المرأة كائن ناقص خلق من ضلع الرجل، و بالتالي عليها أن تكون تابعة له، ما يؤدي إلى توسيع الهوة بين الجنسين.
ظل هذا التفكير سائدا، والذي ساهم المستعمر في صنعه، فعزز مركزية الرجل مقابل تهميش المرأة ((مستغلا صمت المرأة الخاضعة ، بسبب عجزها عن صياغة ظلم الواقع عليها في اطار مفاهيم معينة))2
ومع انبلاج عصر النهضة، و بداية مرحلة اليقظة في الوطن العربي، واستفاقة الشعب العربي من نومه العميق الذي فرضه عليه الاحتلال العثماني سنين طويلة.
وقع أول صدام بالحضارة الغربية مع الثقافة العربية، ساهمت فيه عوامل عدة، منها البعثات العلمية التي أرسلها محمد علي إلى أوربا.
وانتشر الوعي ، وبات من الضروري تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي توارثها الشعب العربي عن الثقافة التقليدية.
ومع دخول عصر جديد عرفت المرأة العربية حياة جديدة، و تغيرت أوضاعها في بعض المجتمعات، فدخلت المدارس والجامعات، واقتحمت مجال الكتابة والعمل، وأصبحت تشارك الرجل في كل الميادين.
تحرر وعي المرأة، وفق رؤية انسانية تطالب بالمساواة واسترداد انسانيتها التي تراها قد سلبت منها دون وجه حق من طرف السلطة الذكورية، وكما تقول سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر المرأة (( تعرف أنها كائن انساني، وحرة مستقلة، وهي تكتشف نفسها و تصطفي ذاتها، في عالم حرص الرجال فيه أن تلعب دور جنس آخر ” دور الغرض و المتاع ” ))
غير أن النظرة التقليدية ظلت سائدة في كثير من المجتمعات العربية، فتحرم الفتاة من مواصلة تعليمها، وتمنع من الخروج إلى العمل، و يصادر حقها في اتخاذ القرارات ” الزواج ” كما يعترض الرجل في بعض الأحيان على المرأة مزاحمتها له في كل الميادين.
وإذا عدنا إلى سالف العهود نجد أن المنظومة الاجتماعية في الوطن العربي لم تمنح الأنثى الحظوة والمكانة التي منحتها للذكر (( إن الثقافة والتاريخ يرجحان كفة الهيمنة لصالحه، مقابل اضمحلال الذات الانثوية)) 3
كانت الثقافة السائدة تعتبر الرجل (( النواة المركزية التي انبنى عليها المجتمع ، كما أنه اعتبر ممثل النظام: سنَّ المعايير وميز بين عالمه وعالم النساء، وخص نفسه بالامتيازات ))4
و كان للأسرة دور أساسي تنشئة الذكر، و اعداده ليحمل وسام القائد ــ بيده الأمر كله ــ و تعزيزا لنظرية المركزية الذكورية ، وتكريس مبدأ اللامساواة ، إقترن (( تولُّد الذكر بالعلو : أي علو منزلة الرجل، فاستحق الغلام بذلك حب الأب واعتزازه به )) 5 فهو الذي يحمل اسمه، بينما الفتاة لا تحظى بذلك الفخر يوم ميلادها.
و مع التطور الفكري الحاصل، إلا أن هذه الرؤية لم تتغير، بقيت سائدة في بعض المجتمعات العربية، وخوفا من نداء المساواة الذي تطالب به المرأة، يرفض الرجل أن تتخطى الأنثى حدود الهامش، حتى لا تقتحم أسوار مركزيته ” و لو ادعى غير ذلك “
إن الواقع الانساني العربي يمارس فعل التهميش على المرأة، ويمنح الذكر دور المركزية، و يعتبر ((صمت المرأة علامة الطاعة و اقرار بعلو منزلة الرجل، كما أنها دليل على اكتمال الأنوثة ))6
معنى ذلك أن المرأة إذا خرجت من صمتها أو تمردت على النظم الذكورية تعد في العرف السائد قد خرجت عن أنوثتها، و خلعت ثوب الحياء والأخلاق
و في ظل منظومة اجتماعية تمارس فعل التغييب على المرأة، تظل الأنثى رهينة سلطة ذكورية ترفض الاعتراف بأنه لا وجود لمركز و هامش في ظل العلاقات الانسانية .
_____________________________________
الهوامش:
1 جورج طرابيشي، أنثى ضد الأنوثة، دراسة في أدب نوال السعداوي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1995، ص 09.
2 أوما ناريان و ساندرا هاردينغ , نقض مركزية المركز، تر: يمنى طريف الخولي ،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الجزء 01، (د.ط)، 2012، ص 45.
3 صالح مفقودة ، المرأة في الرواية الجزائرية، جامعة محمد خيضر بسكرة الجزائر ط2، 2009، ص 55.
4 آمال قرامي، الاختلاف في الثقافة العربية أو الاسلامية دراسة جندرية، دار المدار الاسلامي، ليبيا، ط01، 2007، ص 908.
5 المرجع السابق، ص 49.
6 المرجع السابق، ص679.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق