ثقافة المقال

سيزار آيرا إلى العربية: جرعة قويّة من الجنون والكآبة

صلاح باديس

تعرّفت على الكاتب الأرجنتيني سيزار آيرا، بطريقة لا تخلو من الغرابة التي تسكن حكاياته. بورخيس هو الذي كان سبباً في اكتشافي لسيزار آيرا، ليس من كتاباته طبعاً، فبورخيس كان قد مات عندما كان الثاني في الثّلاثينيات من عمره. كانت أغلب كتب بورخيس المترجمة إلى الفرنسية، والتي أمتلكها، في نُسخة كتاب الجيب، تحمل على أغلفتها لوحات للفنان الأرجنتيني أنطونيو سيغي:

 الفنّان الشّهير الذي يرسم في كل لوحاته رجالاً بملامح خشبية حادّة وأنوف كبيرة محمرّة، يلبسون بدلاتٍ مخطّطة وقبّعات، يتحرّكون في فضاء مدينة، هم أكبر من مبانيها، وقد يحدثُ أن يُطلّ أحدهم برأسه الكبير من نافذة ما. لكن في احدى المرّات انتبهت إلى غلاف عليه لوحة لسيغي، لكنّه لم يكُن لبورخيس، كان ترجمة فرنسية لكاتب يدعى سيزار آيرا.. ومن هنا بدأت مغامرة القراءة.

«لقد سافرت حول كلّ بلدان العالم، لكن لا يوجد شيءٌ من هذا في كُتبي»، هكذا قال الكاتب الفرنسي ريمون روسّيل في بداية القرن العشرين، أمّا سيزار آيرا، والذي يعتبر نفسه أحد تلامذة روسّيل، فيقول في واحد من حواراته القليلة: «لقد كتبت كتاباً عن محاورةٍ بين رجلين في جبال أوكرانيا، ثم أخبرت صديقة لي بأنّي لم أزُر أوكرانيا في حياتي ولا أعلم إذا كانت فيها جبالٌ حتى». بعيداً عن من شاهد ومن لم يُشاهد، يكتب آيرا نصوصه، مغامرات تبدأ من الورق وتنتهي داخله.
وُلد سيزار آيرا في ضاحية بوينس آيرس، سنة 1949، حيث قضى كلّ طفولته يقرأ مجلاّت كوميكس وروايات مغامرات ككتب الإيطالي إيميليو سالغاري، وعندما بلغ سنّ الثّامنة انتقل إلى بوينس آيرس، وبعد سنتين من الدّراسة ترك الجامعة وتفرّغ للتّرجمة ليكسب عيشه، يقول عن هذا: «في السّتينيات والسبعينيات، كان هنالك في الأرجنتين ناشرون يصدرون كتاباً كلّ يوم، كانت كتب السّياسة وعلم الاجتماع والتّحليل النفسي موضة، جرّبت يدي فنجح الأمر».

مارس سيزار آيرا التّرجمة لثلاثين عاماً، معظمها روايات بست –سيلر أمريكية، أشياء لا تشبه مناخاته الأدبية في أيّ شيء، وعندما يسأله صحافي عن صحّة الإشاعة التي تقول بأنّه يُترجمُ من غير قاموس، يجيبه آيرا ساخراً: «طبعاً، هذه كتب تُباع مثل الخبز، وكلّ ما يطلبه النّاشرون هو أن تكون مترجمة كأنّها كُتبت للقارئ الأرجنتيني، لذلك أُعيد كتابتها، والشّيء الذي لا أفهمه… أخترعه».

عوالم قراءات الطّفولة لم تتركه، حكاياته تحتشد بالقراصنة والجنّيات والعلماء المجانين وشخصيات الكوميكس.

يُفضّل آيرا «النوفيلا» كجنس أدبي، الكتب النّحيفة الأقل من 100 صفحة، بل نجد كتبا له لا يتجاوز حجمها العشرين صفحة، وعندما يُسأل عن السّبب الذي يدفعه لنشر هكذا أشياء، يقول بضجر: «أريدها أن تكون كذلك، صفيحة رقيقة تقف بمفردها بدل أن أحشرها مع قصص أخرى».

في بلدٍ تتنافس فيه مدارس القصّة القصيرة، يجنحُ هو نحو «الحكاية» والنّص المفتوح. يعتقد –وبشدّة – أنّ الرّواية كجنسٍ ذهبت بغير رجعة منذ القرن التّاسع عشر، وأنّ كتابات كافكا وجويس – على سبيل المثال – لاحقاً كانت شيئاً آخر غير الرواية، لذلك هو قارئ كبير لكلّ الأدب الكلاسيكي، لكنّه يعتبر أنّ وقت الرواية قد ولّى، ومحال أن يخلق أحدهم نفس المشاهد المجتمعية والمعقّدة لتولستوي أو فلوبير. «توماس مان وفوكنر مثلاً استثناء.. لكن اليوم هناك المسلسلات البيروفية ذات الألف حلقة لفعل ذلك». يقول ساخراً.

يقرأ آيرا كثيراً، يقرأ لكلّ الكتّاب، من كلّ الحقبات، ومن الأجناس الأدبية والبلدان، والكتابة هي استمرار لعملية القراءة لديه، يخرج نحو مقهى شعبي ويضع أدواته على الطاولة ويبدأ من آخر جملة توقّف عندها، بلا خطّة واضحة. يُمكنه أن يتحدّث لساعات عن نوع الورق الأبيض الذي يكتب عليه، وأقلام الـمون بلون الغالية التي يستعملها، والأحبار الملوّنة التي تجعل ريشة القلم تنساب على الورق من غير أن تلطّخه، ورغم أن عدد كتبه تجاوز المئة كتاب، إلاّ أنّه يؤكد على فكرة الكتابة ببطئ. «لا أتجاوز الصّفحة يومياً. أكتب بتأنٍ وأكّثف كلّ جملة».

ولأن الكتابة عنده لا تخضع إلى قواعد، يمكنه أن يبدأ كتاباً قبل نهاية الأول، ثم يجِدُ أقرب طريق لإنهاء هذا الأخير. لكن ماكينة الخيال والكتابة عند آيرا ليست بهذه البساطة، رغم أنّها تبدو كذلك. يصرّح: «أن تحشو كتبك بكليشيهات حكايات المغامرات ونُتف من الثّقافة الشّعبية من جرائد وبرامج تلفزيون، إلخ.. لا يعني أنّك تكتب مثلي (…) أمّا بالنسبة للأسلوب فمن الأفضل أن لا يُتعب الكاتب نفسه في البحث عن واحد، هو شيء كالكلام والمشي، مع الوقت والكتابة سيطلع بنفسه».

ينشر آيرا أكثر من ثلاثة كُتب كل ّسنة، وهو على هذا المنوال منذ السّبعينيات، لذلك فهو يتعامل مع دور النشر الصغيرة «الطموحة» و«الأندرغراوند»، يعلّق ساخراً. لا يحب أن تُطبع أعماله في دور النّشر الكبيرة. «أصلاً عندما بدأت النشر بهذه الوتيرة لم تكن دور النشر العملاقة لتقبل كتبي النّحيفة والمضادة لسياسات التسويق والاستهلاك» يضيف.

ليست كلّ كتبه روايات، أو حكايات كما يسمّيها، بل هناك عشرات الكتب الصّغيرة عن الفنّ والأدب. «محاولات قصيرة أو مقالات طويلة، سمّها ما شئت، عن الرّسم والشّعر والكوميكس» كتبها ونشرها على مدار السنوات.
صدرت، مؤخراً، أول رواية لآيرا بالعربية، عن دار مسكلياني للنّشر، وبترجمة عبد الكريم بدر خان، هي إحدى أشهر رواياته: «المؤتمر الأدبي». ورغم عنوان الرواية التّقريري، إلاّ أنّنا لن نشهد أي مؤتمر أدبي، تبدأ الرواية بصوت كاتب يزور فنزويلا ويسكن جنب أكبر لغز في القارة: «خط ماكوتو»، حبل مربوط على شكل مثلث جنب البحر، يخفي كنز قراصنة قديم، ينجح الكاتب في فكّ اللغز ويأخذ الكنز ليصير غنّياً، بعد أن عاش سنة صعبة بسبب أزمة إقتصادية أثّرت على سوق النشر. لن أكشف عن الرواية أكثر من هذا، رغم أن آيرا نفسه يقول بأنّه لا يأبه بالعُقد والنّهايات، وهو مستعد أن يفضح كلّ نهايات رواياته، ببساطة لأنّها لا تملك بدايات ولا نهاية، ولا تسلسل زمني. مع كل فصل نكتشف شيئاً جديداً، الكاتب يكشف عن هويته الحقيقية، عالمٌ مجنون يريد السّيطرة على العالم، ويريد استنساخ جيش كامل من البشر العباقرة، ومثاله هنا هو زميله في المؤتمر الأدبي والكاتب الشهير: كارلوس فوينتس..

تنتقل لغة السّرد من طبقة إلى أخرى، يحدّثنا العالم المجنون تارة بلغة ذهنية متفلسفة متأمّلاً في معاني الكمال وأصالة الأفكار وشباب الأجسام والحبّ، وتارة نشهد على مونولوغات طويلة حمقاء نجح المترجم في نقل نكتها المتخفّية. ليس هنالك خطّ ثابت لدى آيرا في الحَكي، وليس هنالك حبكة. كتابه يُقرأ جملة بجملة، جملة تضيف للجملة التي بعدها، أو جملة تناقض الجملة التي تسبقها، يبني ويهدم في نفس الوقت كطفل يلعبُ بمكعبّات اللّيغو، قد يكون صعباً على قرّاء الرواية العادية (ليس بالضّرورة الاستهلاكية، بل حتى الأعمال الطويلة، جيدة الحَبك).

مع آيرا يتخلّى القارئ على انتباهه وتركيزه، لا يحاول أن يُمسك بكل الخيوط، ليكتشف تجاور التفصيل السُريالي مع التفصيل مفرط الواقعية، قد يقول لك آيرا أنّ الصينيين الذين يمسكون السوبرماركت تحت بيته، هم فضائيون من كوكب الصين، لكنّه سيتفنّن في وصف سلع المحل ببراعة كاتب طبيعي من القرن التّاسع عشر، لا شيء ثابت مع كاتب مماثل إلاّ المتعة، كأنّه بورخيس مع جرعة قويّة من الجنون والكآبة.. بل هو أقرب لرجل لوحات أنطونيو سيغي من بورخيس، فرجل سيغي المسرع دائماً، الكلاسيكي في مظهره، الذي يتفقّد ساعته ويمدّ خطواته.. هو في مكان ما آيرا، ابن الطّبقة المتوسطة الضّجِرُ من يومياته، المُضحكُ رغم جدّيته، الهارب من مكان إلى آخر ورأسه قد تجاوز أسطح المنازل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق