حوارات المجلة

الناقد خلدون الشمعة بمناسبة مختاراته من شعر نوري الجرّاح

“رسائل أوديسيوس”:

“الملحمة النقيض” جنس أدبي جديد في الشعر العربي.

 أجرى الحوار: أبوبكر زمّــال

يعتبر الناقد د. خلدون الشمعة من أعلام حركة النقد الادبي العربي المعاصر، قد لمع اسمه عربياً منذ السبعينات مع ثلاثيته في النقد العربي الحديث “الشمس والعنقاء-دراسات في المنهج والنظرية والتطبيق”، و”النقد والحرية”، و”المنهج والمصطلح” وتعتبر هذه المؤلفات من بين أحجار الزاوية في النقد الأدبي العربي الحديث، وتعد من بين أبرز المراجع لدارسي الأدب.

ولد في دمشق، وتخرج من جامعتها، وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة لندن. وقد عرفته الحياة الثقافية العربية صوتا نقديا صاحب رؤية حداثية متقدمة في زمن شاع فيه النقد الأيديولوجي، وهو ما كان من بين أسباب صدامه مع البنية الثقافية المتخلفة في ظل نظام الحزب الواحد، وهجرته للإقامة في لندن منذ أواخر السبعينات. كتبه الأخيرة: “المختلف والمؤتلف: تمثيلات المركز الغربي والهامش العربي وشيطنة الآخر”، و”الحداثية وما بعدها: نظرية الحداثة –من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي” (بالإنكليزية). أسهم في تأسيس مجلات أدبية وثقافية. وهو عضو هيئة تحرير مجلة “الجديد” اللندنية واحد كتابها الأساسيين. وعضو المكتب التنفيذي لرابطة الكتاب السوريين وأحد مؤسسي الرابطة.

مؤخراً صدر للناقد د. خلدون الشمعة كتاب جديد ضم مختارات من شعر نوري الجراح ومقدمة نقدية تحت عنوان “رسائل أوديسيوس”. وفي هذه المقدمة يشرح الناقد الأساس الذي استند عليه في اختيار القصائد، والجديد النقدي الذي خلص إليه من قراءته لتجربة الشاعر، يشير إلى أن نوري الجراح أدخل على اللشعر العربي، في أعماله المنشورة خلال العقدين الأخيرين على وجه الخصوص، جنساً أدبياً جديداً كل الجدة، أطلق عليه الناقد مصطلح “الملحمة النقيض”.

في هذه المناسبة التقينا بالناقد خلدون الشمعة في حوار مخصص للقراء الجزائريين، وهو قلما تحدث إلى الصحافة، تركز حول الشعرية العربية الحديثة من خلال تجربة شعرية عربية بارزة، أولاها في “رسائل أوديسيوس” عناية استثنائية عكست طبيعة نظرته على هذه التجربة، وكذلك رؤيته الحديثة للشعر.

تسمية الشعر ظلت تدور في مرحلة التحرر من الأسر

– بداية، وقبل أن ندخل في صلب الموضوعات المتعلقة بالمختارات من شعر نوري الجراح التي أعددتها وقدمت لها نقدياً تحت عنوان “رسائل اوديسيوس”، أود أن أطرح سؤالاً مفتاحياً، استبعدت في مقدمتك بصورة جازمة أن ينطبق مصطلح “قصيدة النثر” على قصيدة الجراح التي وصفتها بأنها متحررة من الصيغ المتفق عليها لقصيدة النثر. واعتبرت أن من الخفة بمكان ربط هذه القصيدة بالمصطلح المذكور، علما أن جل النقاد الذين تناولوا تجربة الشاعر أدرجوا قصيدته تحت هذا المصطلح. هل لك أن تجلي لنا وللقراء هذه المسألة؟

خلدون الشمعة: سؤالك عن تسمية الشعر العربي وتحولات هذه التسمية بين الشعر والنثر يستعيد في ذاكرتي سيرورة الأسماء التي رصدها صموئيل المعلم (موريه) وهو يهودي عراقي درس الشعر العربي في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن خلال الأعوام (1800-1970) وخرج من الدراسة بقائمة طويلة من الأسماء تتضمن الشعر المنثور وقصيدة النثر والشعر المهموس. هذه القائمة اعتقد شخصياً أنها لا تتضمن أسماء بل صفات. وفي تقديري أن ذلك يعود إلى أنها حصيلة للتحديق في الشعر العربي من خلال تحولات الشعرية العربية المرصودة بقراءة محكمة في مدونة نصوص الشعرية نفسها. وهذا يقدم رصدا للشعرية العربية قبل التحول إلى غائية مقصودة لذاتها، غائية هي أقرب إلى النظرية المستمدة من نموذج محدد منها إلى واقع النصوص. نازك الملائكة تحدثت عن (الشعر الحر) ولكنها لم تكن تعني الشعر الحر بقدر ما عنت الشعر المتحرر من قيود مسبقة الصنع. وبين هذا وذاك فارقٌ لا يحتاج تأكيده إلى ترديد أو ترتيل.

آية ذلك أن تسمية الشعر ظلت تدور في مرحلة التحرر من الأسر، إذا صح التعبير، ظلت تسمية تدشن الصفة على حساب اسم مستقر. الصفة تتبع الموصوف وأما الاسم فهو حصيلة الاصطلاح أو ربما التأثر بنموذج مجلوب عماده مثاقفة الهامش العربي مع المركز الغربي. ومن المفارقات أن “قصيدة النثر” اسم اقترح على سبيل الانتقاص من التجربة قبل أن يصبح ترجمة حرفية لمصطلح Free verse بالإنكليزية وverse libre بالفرنسية. وكما أسلفت فإن قصيدة النثر اسم أطلق بالعربية على سبيل التصحيح. مصدر التصحيح جبرا إبراهيم جبرا (الحرية والطوفان) و(الرحلة الثامنة) وربما كان يمثل بذلك أهم خروج على تعريف الشعر العربي الحديث، وذلك بالاقتداء بنموذج محدد للحداثة (قصيدة النثر)، كان قد عززه، كما هو معروف، بترجمة فصل “أدونيس” من كتاب “الغصن الذهبي” للأنثروبولوجي السير جيمس فريزر، ليس فقط باعتباره مفتاح الولوج إلى مطاوي الأرض اليباب لإليوت، بل ربما لشرعنة أو تسويغ انفتاح الشعر العربي على الشعر الأنغلو سكسوني. وهذه الشرعنة وجدت محمولها المعرفي في الثقافة المشتركة السورية الهلينية ألم يعلم قدموس أخته يوروبا الكتابة؟

مشروع المثاقفة شهد تحول الصفة إلى اسم محدد المكونات. شكسبير يتساءل في “روميو وجولييت”:

“ماذا يكمن في الإسم؟” ويجيب:

“في ما ندعوه بالوردة.. بأي اسم آخر ندعو الوردة التي تضوع رائحتها حلاوة؟”.

نوري الجراح

الملحمة النقيض

الملحمة كجنس أدبي تمثل الاحتفاء بالبطولة

د. خلدون الشمعة، هناك خلاصة نقدية شديدة التركيز. تقول فيها حرفيا: “إن أيقونية تجربة نوري الجراح لا تكمن في أنه أدخل تأويله الشخصي على الشعر الملحمي فحسب، بل وفي أنه تمكن في “لا حرب في طروادة: كلمات هوميروس الأخيرة” على وجه التحديد، (…) من أن يُدخل جنسياً أدبياً جديداً كل الجدّة، على الشعر العربي، وأعني به “الملحمة النقيض” mock- epic وهو، كما أسلفت، جنس أدبي معروف في الأدب الإنكليزي، لا يُقَلِّد ولا يُحاكي بل يسخر من البطولة نفسها في مواجهة المأساة”.
السؤال من شقين: أولا هل لك ان تشرح لنا بشيء من التفصيل الكيفية التي تجلى فيها حضور هذا الجنس الذي لم يكن موجودا في القصيدة العربية، وما هي العناصر التي تجعلنا نتعرف عليه في الشعر (من خلال تجربة الشاعر الجراح). وما هي الاسباب في نظرك التي استدعى عدم ظهور هذا الجنس الادبي في الشعر العربي من قبل إن عند الشعراء التموزيينن او عند آخرين غيرهم من استلهموا في زمن لاحق، بشكل او بآخر، الادب الملحمي.

خلدون الشمعة: إذا كانت القصيدة من القصد، ومعنى القصد امتلاكها لغائية محددة فإن إشارتي إلى تحرر قصيدة نوري الجراح من الصيغ المتفق عليها لقصيدة النثر، واعتباري أن من الخفة بمكان ربط هذه القصيدة بالمصطلح المذكور، وذلك خلافا للنقاد الذين تناولوا تجربة الشاعر وأدرجوها تحت هذا المصطلح، هذه الإشارة يمكن البرهنة على صحتها بالمقارنة التالية بين قصيدتين مغايرتين: قصيدة نثر لجبرا إبراهيم جبرا عنوانها “إلى سقراط” اخترتها عمداً من ديوانه “لوعة الشمس” 1980 لأنه صانع الحركة التموزية، وقصيدة نوري الجراح “رسائل أوديسيوس” الممثلة لما دعوته بـ”القصيدة الحرة” التي تدشن جنساً أدبياً جديداً بالعربية هو “الملحمة النقيض” Mock-epic.

يقول جبرا إبراهيم جبرا في قصيدة “إلى سقراط”:

لماذا سقوك السم يا سقراط؟

نستعيد السؤال وإن كنا

نعرف القصة كلها، ونعرف كيف أنك

قضيت الأيام قبل الموت بالحديث إلى تلاميذك

تواسيهم عن فقدانك المزمع

(كان السم مشيئة الآلهة)

وكيف أنك في وحدتك سليت نفسك

بنظم خرافات أيسوب من جديد

(كأن في الحكمة قضاء على السم)

وكيف أنك في اللحظة الأخيرة

لم تنس حتى طقس اسكلابيوس

فأوصيت بتقديم ديك إليه

(كأن السم يقتضي براءة الذمة)

وهذا كان أكثر بكثير

مما يطيقه حاكموك،

ولا هم كانوا يطيقون

روائع الشك التي رحت تبذرها

في أرض أثينا، مهددا بها

يقيناتهم الهزيلة.

على التسآل جازوك بالسم،

فلم تتساءل أنت.

رفعت كأس الشيكران إلى شفتيك

ولما جرعتها، قتلتهم جميعاً

من يذكر اليوم أسماء الذين حاكموك؟”

ويقول نوري الجراح في “رسائل أوديسيوس”:

” مَنْ جاء بيتي ساعَةَ لمْ أكنْ ورأى الدمَ في السَّتائر

مَنْ لمَسَ الباب، مَنْ طافَ في الغُرَفِ

من نَظَرَ سريري؟

أنا لستُ أوديسيوس حتى يكون لي معجبون

قرؤوا قصتي، وجاؤوا يعزّونني

لا

ولستُ أوديسيوس

لتكون لي أختٌ

تُطرِّزُ

على الماكِنة

شالاً، أو قميصاً

لشقيقها الغائب.

لستُ أوديسيوس

لامرأة ماتت ودُفِنَتْ تحت السلَّم

لستُ أوديسيوس

لأمٍ.

لستُ أوديسيوس

لابنٍ.

لستُ أوديسيوس

لأختٍ.

أنا لستُ أوديسيوس

وهؤلاء الذين صُرِعوا وتَخَبَّطوا في فِناء منزلي

صَرَعَهُمُ القَدَرُ.

مَنْ جاءَ بيتي في عَرَبَةٍ

مَنْ جاءَ خِفيةً

وعندما لمْ أكُنْ

مَنْ فَتَحَ الخزائنَ وقَرأَ رسائلي التي أرسلتُها لنفسي

أنا

أوديسيوس

المَيْتُ في باخرة.”

بالمقارنة بين القصيدتين يتعزز الاختلاف بين قصدين، بين غائيتين. جبرا إبراهيم جبرا مترجم مختارات من ديوان “أوراق العشب” لوالت ويتمان يرى في قصيدة النثر مضمونا حداثياً يملي الشكل ويمكن القول ربما بشيء من الحيطة والحذر أن الشكل عنده لا يملي المضمون (الفصل هنا افتراضي وليس واقعياً).

في “أغنية نفسي” يقول ويتمان:

إني أحتفل بنفسي، وأتغنى بنفسي

وكل ما أدعيه أنا عليك أنت أن تدعيه

لان كل ذرة تنتمي إلي تنتمي إليك أنت ايضاً

إني أتسكع وأدعو الروح مني،

وأتكىء واتسكع على راحتي متأملاً ورقة من حشائش الصيف ولساني، وكل قطرة من دمي، من خلق هذه التربة، هذا الهواء

وقد ولدت هنا من أبوين ولدا هنا كذلك من أبوين ولدا هنا،

وها أنا، في السابعة والثلاثين من عمري، في تمام العافية، أبدأ القول،

مؤملاً أن لا أتوقف حتى الموت”.

لا شك أن القول هنا أوتوبيوغرافي المنزع، قول سيرة ذاتية بامتياز، قول مرجعي لقصيدة النثر لدى توفيق صايغ أحد أبرز شعراء الحركة التموزية في ديوانه “ثلاثون قصيدة”:

مزقت جواز السفر

إذ رأيت رسمه فيه معي،

بدلت اسمي إذ انتحله

أرخيت لحيتي

ضربت في وجهي الوشمَ، وفي بلد غريب،

تمددت مرتاحاً وابتسمت،

وانتصب في وجهي وقهقه

معي حين أرى

وحين لا أرى

كحردبة معي…

إلى أين أيها الشبح الملازمي

الذي رأيته ينتظرني بهدوء

بين طيات المياه”.

مقابل هذا النموذج اخترت قصيدة نوري الجراح “رسائل أوديسيوس” لانها كما أسلفت تقدم للقارىء صورة مصغرة عن “الملحمة النقيض” التي ازعم أنها أدخلت جنساً أدبياً جديدا على الأدب العربي. غائية “الملحمة النقيض” لا تلتقي مع غائية المرحلة التموزية، وربما يجيب ذلك على السؤال حول مشكلية عدم ظهورها حتى لدى الشعراء التموزيين. فالملحمة كجنس أدبي تمثل الاحتفاء بالبطولة. ولكن نفيها أو محاكاتها يجيلنا إلى جنس أدبي آخر، جنس أدبي معروف في الأدب الإنكليزي، ويمكن للقارىء المهتم أن يطلع على تفاصيله في كتاب ulrich Broich الصادر في عام 1990 تحت عنوان Eighteenth Century Mock Heroic Poem هذا الكتاب عبارة عن دليل يتعقب نماذج متنوعة من الأعمال التي تحاكي الملحمة ليس للسخرية من البطولة والنيل منها، بل لهجائها. وفي قصيدة نوري الجراح التي أشرت إليها نموذج بارع جدا من هذا الجنس الدرامي المنزع، نموذج هو بمثابة تعرية للمحمول المعرفي للمقتلة السورية وما أسفرت عنه من دمار وقتل ونفي وتشريد وتهجير. فكأن ما حدث في الملحمة الهوميرية، ملحمة الأبطال بأقنعتهم الخرافية لم يحدث قط. واقع المقتلة السورية هو الذي حدث.

د. خلدون الشمعة

ذلك الخصام يدل على الانقلاب على فكرة البطولة ذات الطنين البلاغي

شعرية الكينونة

تصف شعرية الشاعر في المقدمة في بـ (شعرية الكينونة) بما هي خصام مع الذات. ولهذا فإنها تتجلى في الانفتاح على أفق شعري مغاير بالضرورة.” تتحدث هنا عن الترددات التي تركتها فيك موضوعات نوري الجراح وشعريته، التي تتحرك على قوس بين افقين تتجلى فيهما من جهة عالمية ابن عربي ومن جهة أخرى المركزية الأوروبية التي يحيل عليها هيغل هل يمكن أن يكون هذا مدخلا أو علامة على ما أطلقت عليه مصطلح “الحداثة الثالثة؟ نريد من حضرتك أن تتوقف عند فكرة الخصام مع الذات؟.

خلدون الشمعة: في ما يتعلق بشعرية الخصام مع الذات، أشير إلى أن ذلك الخصام يدل على الانقلاب على فكرة البطولة ذات الطنين البلاغي. وربما كان التأثر لدى رواد الحداثة بقصيدة إليوت “أغنية العاشق بروفروك” دليلا على نزول الشاعر العربي من عليائه إلى أرض الواقع والكف من ثم عن تمثيل دور البطل حامل قناع البطولة في العلاقات العاطفية والجنسية. بل إن ارتباط ظهور القناع لدى الشعراء التموزيين ربما يمثل ما دعاه يونغ بـ”تجربة الذات التي تمثل هزيمة الأنا”.

شعور الهامش في مواجهة المركز، لم يكن يقبل بتسمية الأشياء بأسمائها

لا حركة انشقاقية

أعود واقتطف مرة أخرى من مقدمتك. تقول: (“لعل مفهوم ابن عربي في التشريق والتغريب يذكر بنفسه مجدداً في قصيدة “قارب إلى ليسبوس”.) وتشير إلى أن الشاعر في “استعادته لتراث حضاري مشترك”، إنما ” يفتح الهامش على المركز، والمركز على الهامش”، في سيرورة إرث ميثولوجي متوسطي متصل ومتواصل. هل يمكننا القول أن الشعرية العربية تدخل من خلال الانتباهة المتأخرة للإرث الحضاري المتوسطي للسوريين طوراً جديد؟ وهل علينا أن نبتهج بهذا أم نقطب قليلاً بينما نحن نلمح تقهقر الرابطة العربية الكبيرة ألا نخشى هنا من أننا نشجع ميل انشقاقي داخل الثقافة الشعرية العربية، أم ترى غير ذلك؟

خلدون الشمعة: أما أن نبتهج أو نقطب قليلا لدخول الشعرية العربية انتباهة متأخرة للإرث الحضاري المتوسطي للسوريين، فإن الجواب عن هذا التساؤل لا يكمن في حركة انشقاقية في الأدب العربي كما لا يكمن في التغريب. وأحب أن أذكر هنا بأن كلمة عصرنة هي الكلمة التي شاعت بدءاً من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، الفترة الزمنية التي حدثت خلالها الرحلات التي قام بها عرب إلى أوروبا، رحالة وجدت أن كتاباتهم ربما كانت تشكل بعض ملامح مخيال جمعي عربي نشأ تحت وطأة الشعور بهيمنة النزعة المركزية الأوروبية.

هذا الشعور بتلك الهيمنة، شعور الهامش في مواجهة المركز، لم يكن يقبل بتسمية الأشياء بأسمائها.. لم يكن ليعترف أن المحمول المعرفي للعصرنة هو نفسه المحمول المعرفي للغربنة.

وهكذا صار القول بالعصرنة بدلاً من الغربنة، وبالتالي مواجهة تبعات المعنى الحقيقي للعلاقة مع الآخر، ضرباً من خداع الذات العربية لنفسها.

أما عن الميل الانشقاقي الذي تطرحه في سؤالك الميل الذي يبدو أن الاحتفاء اليوم بالجذر المتوسطي للحضارة يثيره، فدعني أذكرك بأن الحضارة العربية الإسلامية كانت دائماً حضارة تعددية وأعني بالتعددية نقض مفهوم اختزال الجماعات والدول بمخيالها الطائفي والقبلي والإثني، وتحجيم أبعاد هويتها الثقافية والتاريخية الممثلة لها، وهو مفهوم قد طفر ويطفر بنا على صعيد العالم العربي من حق الاختلاف إلى حق الانتحار. الكلام على تجربة دار الحكمة واحتفائها بالتعددية الثقافية والدور الذي لعبته وتلعبه اللغة العربية في صهر أمشاج الحضارة العربية الإسلامية لم يعد يكفي في الوقت الراهن. هناك عناصر كثيرة أخرى يوفرها نقض واحدية النزعة المركزية الأوروبية في ضوء الدراسات الحديثة. هذه النزعة مازالت تطرح على أساس تكريس مفهوم النقائية التي تتنكر لأي مفهوم يتصل بفكرة انفتاح الثقافات واحدها على الآخر، وهو فضاء اسمه المثاقفة، فضاء متوتر يتعايش فيه الضدان تعايش الحب والكراهية Ambivalence ويختزله جاك بيرك بقوله “إن العرب يريدون أن لا يشابهوا الآخرين وألا يختلفوا عنهم أيضاً.”.

ويذكرنا بورخيس بأن ابن رشد كان قد كرس نفسه لدراسة أرسطو وأن الحضارة الغربية فقدت كتاب “الشعريات” لارسطو لتكتشفه مجددا من خلال الفلاسفة العرب. كما يشير بورخيس إلى أن ابن رشد لم يعرف المسرح فالحظر المفروض في الإسلام على التصوير حال دونه ودون فرصة مشاهدة عرض مسرحي. ولهذا يتخيل بورخيس الفيلسوف العربي وقد تملكته الحيرة إزاء كلمتين مستعصيتين على الفهم والإدراك، هما “التراجيديا” و”الكوميديا”.

ولا ريب أن الإشكالية المترتبة على الترجمة تتجلى تحديداً في حقيقة كون شعريات أرسطو عبارة عن تركيب مركب ومعقد لهاتين الكلمتين أو للكلمة الأولى منهما على الأقل.

نص بورخيس هذا يقتطف امبرتو ايكو منه حادثتين متضمنتين. الأولى يبدو فيها ابن رشد في لحظة فوجىء خلالها ببعض الأصوات المتصاعدة من الطابق السفلي من منزله. إذ كانت هناك مجموعة من الأطفال الذين كانوا يلعبون. وقد سمع أحدهم يصيح: “أنا المؤذن”.

أخذ بعض الأطفال يتسلقون أكتاف بعضهم في محاولة للتظاهر بأنهم قاموا ببناء مئذنة. وأما بقية الأطفال فقد قاموا بتمثيل دور المؤمنين “المصلين”.

يلقي ابن رشد نظرة على المشهد قبل أن يعود إلى كتابه محاولا بصعوبة شديدة اكتشاف معنى كلمة كوميديا.

في الحادثة الثانية التي يتخيلها بورخيس يقف ابن رشد وبصحبته مقريء يدعى “فرج” يتحدثان على تاجر اسمه أبو القاسم عاد لتوه من السفر إلى بلد قصي. كان أبو القاسم يقص عليهما قصة غريبة عن بيت خشبي رآه في الصين، بيت فيه صالة كبيرة مليئة بالشرفات والكراسي حيث تجمع حشد كبير من الناس يحدقون في منصة عليها خمسة عشر أو عشرون شخصاً يضعون على وجوههم أقنعة مدهونة بطلاء ويمتطون صهوات جياد ولكن دون جياد، ويتبارزون ولكن دون سيوف، ويموتون ولكن دون موت. لم يكونوا مجانين كما أوضح أبو القاسم، وإنما كانوا يمثلون أو يقدمون عرضاً لقصة. ويبدو أن ابن رشد كان عاجزاً عن فهم ما كان أبو القاسم يحاول إيضاحه، يقول له: ” تخيل أن شخصاً ما كان يعرض قصة بدلاً من أن يرويها. يسأل فرج: “هل كانوا يتحدثون؟” يجيب أبو القاسم: “أجل كانوا يتحدثون”.

يقول فرج: “في تلك الحالة لم يكن هؤلاء بحاجة على عدد كبير من الأشخاص إن راوياً واحداً يكفي لرواية كل شيء.. وحى لو كانت القصة شديدة التعقيد”.

يوافقه ابن رشد على رأيه. وفي نهاية القصة يقرر أن كلمتي “تراجيديا” و”كوميديا” يمثلان ضرباً من ضروب المديح.

في هاتين الحادثتين اللتين يرويهما بورخيس احتك ابن رشد بتجربة المسرح مرتين ولكنه عجز عن فهمه. إلا أن المفارقة التي يشير إليها امبيرتو إيكو هي ان الفيلسوف العربي كان يمتلك إطارا نظريا جاهزاً يؤهله لتعريف المسرح. وأما الحضارة الغربية في القرون الوسطى فكانت على النقيض من ذلك. لقد امتلكت تجربة العرض المسرحي، ولكنها لم تكن تملك الشبكة النظرية والعملية القادرة على استيعابها وتعيين حدودها النقدية.

أخشى أن التجريب قد وصل إلى مرحلة “الإرهاق الجمالي”.

إرهاق جمالي

لدي سؤال أود أن اطرحه عليك كناقد مؤسس في حركة الحداثة العربية، يتعلق بواقع الشعر العربي اليوم، هل يمكننا القول أن التجريب في القصيدة اعربية وصل إلى نهاياته؟

خلدون الشمعة: بإزاء المضمون العام لسؤالك حول التجريب في الشعرية العربية، نعم، أخشى أن التجريب قد وصل فعلا إلى ما يمكنني أن أدعوه بمرحلة “الإرهاق الجمالي”.

إن لغة الشاعر هي التي تكتبه

اللغة تكتب الشاعر

في مقدمتك لـ “رسائل أوديسيوس” تحدثت عن نقطة إشكالية تتعلق بماهية الشعر وجوهره وعلاقة الشاعر باللغة: تقول أن لغة الشاعر تكتبه وليس يكتبها. هل هذا من باب ربط الشعر بالإلهام؟ ما المقصود؟

خلدون الشمعة: هذه الإشارة أوردتها عن قناعة عميقة بطبيعة علاقة الشاعر باللغة، وهي تأكيد، مني، لقول هايدغر إن لغة الشاعر هي التي تكتبه، بكل تأكيد. هذه مسالة تقع في صلب تفكير هايدغر بالشعر ولغة الشاعر. وأنا أتبنى هذه الفكرة، ولقد وجدت لها انعكاسا فعلياً في نصوص شعرية عربية، والأمر هنا ينسحب بجلاء على علاقة نوري الجراح بشعره.

سبب تراجع حركة نقد الشعر يعود في تقديري إلى قَبْلية Priority النظرية

تراجع النقد

هل تظن ان الاتهام الموجه لحركة النقد الشعري العربي بالكسل والتقهقر هو اتهام صحيح؟ وما هي ملاحظاتك الشخصية كناقد بصدد أسباب تراجع حركة نقد الشعر داخل الثقافة العربية؟

خلدون الشمعة: في نظري أن الملاحظة، ولا اقول الاتهام صحيحة، ولعل سبب تراجع حركة نقد الشعر يعود، من بين أسباب أخرى، يعود في تقديري إلى قَبْلية Priority النظرية وتقديمها لدى كثيرين من النقاد العرب ليصلوا او لا يصلوا تماماً إلى النص الشعري الموضوع على المحك النقدي. وما أدعو له شرحته مطولا في كتابي “الشمس والعنقاء” قبل عقود. قراءة النص على النحو الذي يلتزم به الناقد وبمحموله المعرفي ضرورياً ويتعين أن تستند على قراءة محكمة Close-Reading للنص. أقول مجدداً إن هذه القراءة هي التي يتعين أن تستحضر النظرية المناسبة التي تستجيب للنص، لا أن تجر النظرية النص إلى فضاء لا علاقة له بها.

العبرة الآن هي للتفوق في المشترك بين الثقافات

العبرة للتفوق

لدي سؤال وارجو أن تحتملني فهو ليس سؤالي الشخصي ولا سؤال ذائقتي الشخصية: ألا نخشى مع هذا الميل في التركيز على أساطير وميثولوجيات المتوسط أن نكرس نوعا من التغريب المركب في الشعرية العربية الحديثة، بحيث يبتعد القاريء أكثر فأكثر عن الشعر الحديث بينما هو يقف غريبا أمام موضوعات هذا الشعر وأقنعته التي تبدو غريبة على ثقافة القاريء العربي؟

خلدون الشمعة: لابد أن أشير هنا إلى أن الشعر الحديث وبخاصة ما اصطلح على تسميته بـ”قصيدة النثر” يكاد في ضوء فتح المركز على الهامش والهامش على المركز بفعل الترجمة، يكاد يصبح متماثلاً إلى حد كبير. والعبرة الآن هي للتفوق في المشترك بين الثقافات، التفوق في المتصل بلا نهاية Continuum لا في المنفصل Intermittent بين الثقافات.

محيي الدين ابن العربي (1164-1240) كتب هذه الأبيات التي صدرت بها كتابي النقدي الاجد “المختلف والمؤتلف”:

رأى البرق شرقيا فحن إلى الشرق

ولو لاح غربيا لحن إلى الغرب

فإن غرامي بالروق ولمحها

وليس غرامي بالأماكن والترب“.

أزعم أن هذه الصوفية المنتمية إلى الجغرافيا الخيالية قد قوضت حتمية ارتباط الفكر بالجغرافيا قبل زهاء الألف عام، وهي تحيلني إلى مدونة إدوارد سعيد وإلى ما يدعوه بـ”النزعة الدنيوية” World Liness وهي نزعة تحيل بدورها على ما دعاه بـ”الحاجة لنقد يستجيب لسيرورة المجتمع”. والسؤال الآن: هل تعولم المجتمع العربي أم لم يتعولم؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق