قراءات ودراسات

غادة السمان في روايتها السيرية تبحث عن أمها دمشق

د. ماجدة حمود
شكلت دمشق محور رواية غادة السمان السيرية، التي ظهر الجزء الأول منها (1997) وهي بعنوان “الرواية المستحيلة فسيفساء دمشقية” أما الجزء الثاني فقد ظهر (2015) بعنوان مؤثر “يا دمشق وداعا: فسيفساء التمرد” يلاحظ المتلقي منذ الكلمة الأولى في روايتها، أن مدينة دمشق مهبط روحها، قد احتلت أعماقها؛ لهذا شكلت جزءا من البنية الجمالية للعنوان:

“…فسيفساء دمشقية” “يا دمشق وداعا…” مثلما شكلت مقولة التمرد لبنة أساسية لشخصية بطلتها (زين) التي تتماهى مع صوت المؤلفة، وبذلك عايشنا فضاء مكانيا مدهشا تربّت فيه غادة السمان، فترك بصمته في روحها وحروفها.
بدت دمشق، حين جعلتها فضاء لروايتها، تعويضا للكاتبة عن مكان حُرمت منه، إذ لم تستطع (بيروت) مدينة الحرية، التي شُغفت بها البطلة (زين) ولا (باريس) المدينة التي تقيم بها غادة السمان أن تنسياها فردوسها المفقود، لهذا خصّت دمشق (في الجزء الثاني) بهذا الإهداء المؤثر “أهدي إلى مدينتي الأم دمشق…التي غادرتها ولم تغادرني…” إذ مازال الحنين إليها يقهرها، إلى درجة يبدو فقد مدينتها معادلا لفقد أمها.
استطاعت الكاتبة في روايتها بجزئيها أن تعيد للمتلقي روح دمشق في الخمسنيات حتى بداية الستينيات؛ مما أتاح له أن يتنقّل معها في أحيائها القديمة، خاصة تلك التي تقع خلف الجامع الأموي، مثلما استطاعت أن تنقله إلى أحيائها الجديدة، كما استطاع أن يصغي معها إلى الأغاني التي كانت تصدح في شوارعها، والأمثال الشعبية، التي تدور على ألسنة سكانها، حتى باتت هذه الرواية السيرية رسالة حنين إلى هذه المدينة، ليس فقط إلى أمكنتها ولغتها، بل إلى روائحها أيضا، إذ يشمّ المتلقي عبق ياسمينها، وقد تحول إلى عطر البطلة (زين) المفضّل، ففي لحظة ضعف إثر عملية إجهاض، وقد أحسّت بالضعف والوحدة، تضع قطرات منه على عنقها، فـ”يقوّيها كأنه رائحة أرواح أجدادها”(ص37) الذين جعلوا من دمشق “مدينة سبقت الدنيا كلها إلى سجل المدن التاريخية المأهولة باستمرار”(ص115) فهي من أقدم المدن، التي مازالت تجمع العراقة بالجمال، وتجعل التاريخ ابنا للحاضر.
وقد أبرزت الكاتبة في الجزء الأول عبر مشاهد عدة عراقة البيت الشامي، إذ يعايش المتلقي تفاصيله الهندسية (الغرف، الإيوان، أرض الديار، البحرة…) وقد عانقت الإنسان والنبات والحيوان.
يتسع حنين الكاتبة للبيت حتى يصبح حنينا للوطن، إذ من يهجر البيت الشامي، ينتابه إحساس أنه هجر أحب الناس إليه على حد قول جدة (زين).
يبدو البيت للمتلقي إنسانا يحس بساكنيه، يشاركهم آلامهم، فحين تموت (هند أم البطلة زين) “نسمع صوت الفسقية الرخامية تبكي، الماء الذي ينفجر فيها، يسيل على الجدران…أقواس الإيوان الثلاثة تبكي…”(الرواية المستحيلة ص35)
تتيح لنا الكاتبة أن نعايش في هذا البيت تفاصيل جمالية مدهشة، إذ تجتمع فيها الطبيعة بأشجارها وزهورها وطيورها بالفن المعماري الإسلامي، الذي يعنى بالزخرفة النباتية الدقيقة، وبذلك تمتزج فيه الناحية الوظيفية بالجمالية.
إذاً ليس غريبا أن يمنح هذا البيت ساكنيه من البشر والحيوان الشعور بالأمن والفرح، حتى بدا مدهشا حضور الأفعى السامة، التي تعيش في مطبخه منذ آلاف السنين؛ لهذا تسمى (الألفية) وكأن هذا الاسم مشتق من الألفة، فهي تألف الناس ويألفونها، حتى إنهم حين يرونها يخاطبونها بهدوء “سيري يا مباركة”
يتبدى، هنا، الموروث الشعبي، وقد أضفت عليه مخيلة الكاتبة نوعا من الأسطورة “فإذا هاجم أحد البيت أو الشام تصير [الحية] سريعة الحركة وشرسة، تلسع الأعداء…”
كما أحيت الكاتبة في الذهن عادات دمشقية تكاد تندثر اليوم (السيران، الذهاب إلى حمام السوق…) فأتاحت لنا التعرّف على مشاهد الطبيعة في دمشق، قبل أن تنتهك خضرتها، كما أرّخت الكاتبة لبداية الاعتداء على نهر بردى وتلوّثه بالسموم الكيماوية.
يسجل لغادة السمان أنها قدّمت البيت الشامي في إطاره الطبيعي (الحي) والحضاري، مما يتيح للمتلقي معايشة تلاحم سكانه، فيلمس بنفسه روحا أخوية تجمعهم، رغم اختلاف انتمائهم الديني والجغرافي، فكأن الكاتبة تنبه المتلقي إلى ما يبني الحضارة، خاصة أنه يعاني اليوم من هجمة فكر طارئ على حياته ينفي الآخر، ويسعى إلى تدميره.
ويلاحظ في الجزء الثاني من الرواية أن التغيّر بدأ يعتري هذا البيت، لذلك حين ودّعته (زين) قبل رحيلها، لاحظت تشوّهه، إذ لم تجد فيه شيئا مما كانت تحبه “الأحواض شبه ذاوية، لم يعد ثمة من يغازل الأزهار لتزدهر…أولاد العم والخالات والجيران والأصدقاء يتشاجرون …أنت شيوعي كافر…قومي سوري…برجوازي خائن”(ص154) وبذلك تغيّر البيت بتغير ساكنيه،لم يعد موئلا للحب الذي حُرم منه الجميع حتى النبات، وبات الخلاف الفكري مدعاة للصراع بين الأقارب والأصدقاء، لهذا لم تسمح الكاتبة لبطلتها بترك دمشق إلى بيروت، إلا بعد أن أصبحت أكثر شراسة، وأكثر تشوّها.
رغم ذلك يغلب الحنين الكاتبة، فتوحي لـ(زين) وهي تتأمل منظرها من أعالي قاسيون بصورة تنبض بحنان الأمومة ورقتها، فهي “مثل أم تداعب طفلها الممدد أمامها” وما يدهش المتلقي في هذه الصورة اجتماع الرقة بالعطاء وبالبراءة، وتحول دمشق إلى أم، تعوّض يتم الكاتبة، الذي عاشته منذ طفولتها، وقد صاحبها هذا الإحساس الجميل، رغم مرّ السنين، موحيا لها (بالأبدية) وبذلك يصبح الفضاء الدمشقي نقيضا للإنسان الزائل؛ فيتعلم المتلقي عبر هذه الإيحاءات قيمة المكان الأصيل، الذي يجسد روحا قوية، يلوذ بها المرء لحظة ضعفه.
تحضر دمشق بصفتها مدينة عظيمة قادرة على طرد هموم البطلة وتحويلها إلى (حبة رمل على شاطئها الشاسع) وتلح أمومة دمشق على مخيلة الكاتبة مرة أخرى، فنسمعها تقول: (وتغمر الطمأنينة قلبي على الرغم من كل شيء) ففي حضرة مدينة دمشق تتلاشى الهموم والمخاوف، مثلما تتلاشى في حضن الأم، لهذا تستطيع البطلة أن تواجه العالم كله بكل أثقال بؤسه.
وما يلفت نظر المتلقي أن الكاتبة حين أرادت أن تخبره عن حجمها إزاء عظمة مدينتها، اختارت أن تكون (حبة رمل) رغبةً في الذوبان في أرض وطنها، لكنها اختارت، في مشهد آخر، أن تكون صخرة من جبل قاسيون، يلهمها الشجاعة والقوة، كأن مخيلة الكاتبة لا تريد لروحها وحروفها أن تبرح الفضاء الدمشقي، بعد أن فارقته بجسدها؛ لهذا شكّل هذا الجبل هوية بطلتها (زين) ومنحها الصمود أمام المحن التي تحيط بها: “أنا صخرة في قاسيون” مما يوحي للمتلقي بأن قوتها مستمدة من عراقة مدينتها وصلابتها التاريخية في وجه المحن.
رغم الحفاوة البيروتية التي استُقبلت بها (زين/ غادة السمان) في الوسط الأدبي، حاصرتها مشاعر الغربة، وأضناها الشوق إلى مدينتها، التي أصدر فيها رجل المخابرات (ناهي) أمرا بمنعها دخول بلدها، بعد أن اتهمها بأنها جاسوسة لألمانيا، إذ فشل في مقايضة ورقة السماح لها بالسفر بالحصول على جسدها، بناء على ذلك اختارت له هذا الاسم، الذي يوحي بكونه آمرا ناهيا!
لعل أكثر المشاهد تأثيرا في النفس وقوف البطلة على حدود مدينتها، حين توفي والدها في بيروت، فلم تستطع مرافقة جثمانه لدفنه في دمشق، بعد أن تحولت إلى سجن كبير، وباتت الحدود سورا، يقف سدا في وجهها فتصرخ: “افتحي ياماما” ولا من مستجيب “افتح يا وطني” “افتح يا سمسم” ما هذا السور بلا نافذة وبلا باب وبلا شرفة لحوار!…” ص197
تلح على مخيلة الكاتبة مرة أخرى صورة دمشق الأم عبر عبارة (افتحي ياماما) فيحس المتلقي مدى فداحة فقد مدينتها، فهي تعادل فداحة فقد الأم؛ لهذا خاطبتها بهذه العبارة؛ لتلحقها بأمر صريح “افتح يا وطني” ثم تلحقها بأمر، يوحي بأن مدينتها مكافئة لعالم السحر والدهشة “افتح يا سمسم”.
لن تجيب مدينتها على رجائها، وإنما صوت ذاك الذي دمّرها وأراد تدمير البطلة (زين) بإذلالها (اركعي وادخلي زحفا على ركبتيك …) فتردّ عليه متحدية (لا..لن أركع. سأترك الشوق يقتلني ولن أركع) إنها ترفض الركوع وهي تكرر هذا الرفض مرتين، مما يوحي بتمردها وإصرارها على أن تعيش بكرامتها مفضّلة الموت على التنازل عنها (أريد أن أدخل المدينة مرفوعة الرأس)
يتماهى، هنا، صوت الكاتبة بصوت البطلة (زين) “لن يذلني أحد بعد اليوم…سأظل وحيدة ومشردة، وحين سيعيدون تابوتي إلى الوطن لدفني. سأشترط أن يحمل في جنازتي عموديا لا أفقيا، ورأسي يتجه صوت سماء جبل قاسيون لا صوب التراب…”
يعايش المتلقي تمرد خيال الكاتبة عما هو مألوف، ليبرز مدى تعلقها بمدينتها، فقد وصّت البطلة (زين) أن يحمل تابوتها (عموديا) أي بطريقة تتيح لها رؤية جبل قاسيون، كما يلاحظ أنها منحت بطلتها قدرات استثنائية، صحيح أنها خضعت لقانون الموت، لكنها تجاوزت مواصفاته، وامتلكت قدرات مدهشة، تعلن انتماءها للمكان، الذي حُرمت منه في حياتها، ولا تريد أن تُحرم منه في مماتها، فهي تريد أن ترى الجبل الذي شكّل روحها الصلبة.
يفاجأ، هنا، المتلقي بتدخل صوت الكاتبة؛ ليبعد الموت عن بطلتها في الغربة، معلنا: “أتمنى لو أعود قبل ذلك بقليل، على قدمي، وإن كنت أعرف أن ذلك شبه مستحيل لمتمردة مثلي لا تعرف كيف تغلق فم صدقها ولا كيف تحشو حنجرتها بالغنائم بدلا من أناشيد كبريائها”ص197
يلاحظ المتلقي أن الكاتبة تركت باب العودة إلى مدينتها مواربا، إذ أعلنت أن ذلك (شبه مستحيل) ولم تعلن استحالته تماما! وقد استطاعت أن تبيّن السبب ما تحمله البطلة من صفات التمرد على الفساد والقهر، فهي ترفض الترويض، ما يهمها هو قول الحقيقة، ومواجهة الظلم، إنها، على نقيض كثير ممن يدّعون الثقافة، ويلهثون وراء ذهب السلطان، فيدوسون على كل القيم.
تعود الكاتبة لفكرة العودة فتشترط على الوطن “أن يتسع للجميع…حتى لمن ينتقد ناهي في الصحف ، في المصانع، وداخل جدران المقاهي ذات الآذان…المزروعة حتى في جدران أرواحنا وفي رئاتنا، وفي شرايين مخاوفنا…أقرع الأسوار اللامرئية لدمشق تحت المطر وأنا أنتحب تمردي، وأصرخ بوطني أنت علمتني رفض الذل على طول تاريخك مع الفاتحين، فلماذا تريد أن تذلّني الآن؟”(ص198)
إنها تحلم بالعودة إلى وطن يفتح صدره للجميع، خاصة لأولئك الذين ينتقدون الفساد، وكل من يسهم في تدمّيره، فيزرعون ثقافة الخوف ونفي الآخر المختلف؛ ولا شك أن مثل هذا النقد يعيد بناءه من جديد.
لقد آلم غادة السمان هذا التشويه الذي يعتري مدينتها، دون أن يمحو صورتها الجميلة من مخيلتها؛ لهذا جعلتها تبدو من أعلى جبل قاسيون مدينة التناقضات “وديعة كقطة وشرسة كنمر…” إذ باتت تجمع الرقة والحضارة بالشراسة والقهر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق