ثقافة السرد

مقطعٌ من رواية «زينزيبار، عاصفة البيادق» لعبد القادر ضيف الله

نظر المقدم لساعته السويسرية حينما وصل ملازمه المخفي بوجه رمادي متأخرا للمكتب، و أخذ مكانا في الأريكة المقابلة لطاولة المكتب، دون أن يقول شيئا واضعا رأسه بين ذراعيه. أدرك المقدم من صمت ملازمه أنه قد خسر عميله عزيز. فعلها الديك اللعين إذن! نطقها المقدم دفعة واحدة. تنهد الملازم: لم أستطع إخراجه لأنهم حاصروه في مطعم الفندق ! اللعنة على الديك !

صرخ ضاربا بقبضته سطح الطاولة، وراح واقفا لا أريدكم أن ترتاحوا دقيقة واحدة، خذ معك أرزقي وابحثا عن المكان الذي أخذوا عزيز إليه، عليكم أن تعثروا على أثره قبل أن تبزغ خيوط الفجر، اُطلب من عملاء المراقبة أن يشددوا على مراقبة الديك، ولا تنس أن تطلب من رجلنا في الاستعلامات أن يشوش على الاتصالات الآمنة في محيط حيدرة.

نعم حضرات قالها المخفي بصوت باهت كما لو أنه أحس بذنب كبير جراء خذلانه للمقدم، ولرفيقه عزيز الذي فضل أن يُسلم لهم نفسه بعد مقاومة شديدة في غرفة المطعم حتى يمنح وقتا لرفقائه بالانسحاب من غرفة الرجل الخليجي.

في الوقت الذي التفت المخفي كان المقدم قد خرج من مكتبه متجها نحو القاعدة البحرية جنوب العاصمة حيث كان صوت السيد يرن في رأسه بأن عليه أن يختطف من أصحاب النياشين الموافقة على خطته قبل أن يصل خبر الهجوم الإرهابي على قاعدة طابيا البترولية للإعلام.

دخلت سيارة المقدم القاعدة البحرية، في الوقت الذي وجد أمام البوابة قائد القاعدة وبعض حرسه من الجنود في انتظاره، ترجل المقدم مشيرا لسائقه بالعودة للمقر، ثم خطا بخطواته أمام الباب الحديدي.

قام القائد بتحيته، ثم أشار له كي يرافقه، بعدما توغلا معا داخل القاعدة. نظر المقدم في اتجاه الرواق الذي بدا أمامهم مضاء بمصابيح صغيرة مثل فوانيس الأزقة العتيقة، متحسسا أن الطريق الذي يسلكه قائد القاعدة يأخذه بعيدا عن مكاتب الإدارة التي أخذت مساحة كبيرة من واجهة الأميرالية، لهذا عرف أنه يتجه به إلى الجهة الأخرى المحاذية لجبل البحر، في اللحظة التي ابتعد عن أضواء الفوانيس، رأى ضوء سيارة من نوع أندروفار، ورأى رئيس الديوان ينتظره فيها.

نطق قائد القاعدة في وجه المقدم في اللحظة التي توقف فيها: يمكنني الانصراف الآن، حظ موفق حضرات، هاهو سيادة الرئيس ينتظرك. انحنى المقدم برأسه في اللحظة التي اقترب منه رئيس الديوان محركا رأسه للقائد الذي عاد لحظتها مع الجنديين أدراجهما.

صافح رئيس الديوان المقدم.

مرحبا بك سيادة المقدم، ستقلّنا هذه السيارة حيث يجتمع المجلس في هذه اللحظات.

شكرا سيادة الرئيس، أتمنى أن لا أكون قد تأخرت !

ليس كثيرا رد رئيس الديوان.

كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا حينما توقفت السيارة أمام باب حديدي يدخل على نفق داخل الجبل.
نزل الديك الفرنسي مسرعا من الفندق قبل أن يخرج من جيب سترته هاتفه الخلوي، محركا أصابعه ليتصل برئيسه.

كانت مجيبة الخط في كل مرة تعيد عليه نفس العبارة ” خط مراسلكم مغلق أو خارج مجال التغطية”، يبدل رقما آخر بتوتر فلا يجد أي تغطية، رنات الومض تثير صوتا متقطعا قبل أن تتلاشى في الفراغ، في الوقت الذي كان متجها بسيارة سوداء مرسيدس نحو مقر رئيسه في حيدرة، بعد أن أمر رجاله بأن يقوموا بنقل النادل إلى مكان بعيد. كزز على أسنانه لاعنا خطوط الاتصالات قبل أن يصرخ بجنون في وجه سائقه كي يدعس بقوة على بنزين السيارة ليصل في أسرع وقت. عض على شفتيه محاولا إبعاد صورة وقوعه في الفخ بعد أن بدأت تقُض تفكيره، دون أن يستطيع إبعادها من مخيلته، ولا إبعاد العبارة التي سربها لسيد علاوي في الفندق، متفاخرا بأنهم سيغيرون خارطة الطريق في هذا البلد. قريبا سيأخذ القصر ضربة موجعة في الصحراء. ابتسم علاوي رافعا كأسه مرددا نخب صداقتنا الجديدة.

في اللحظة التي كانت سيارة المرسيدس تقطع الطريق السيَّار بسرعة 160 كلم في الساعة، كان لايزال السيد ساغو في فيلاته بحيدرة منشغلا بلعبته المفضلة، ناظرا نحو صديقته الأمريكية نيكول بعدما طلب من خادمه إغلاق شاشة البلازما التي ظلت تبث عبر جميع القنوات العالمية خبر استيلاء مجموعة إرهابية على مركب بترولي في الصحراء الجزائرية.

نظر إلى السيدة نيكول، ثم حرك بيدقه الأزرق بخطوتين مرددا بانتشاء: أشعر أنني اليوم مخدر بسعادة لا توصف ياصديقتي نيكول.

ضحكت السيدة، إذن يمكنني أن أشاركك إياها !

ولم لا ياعزيزتي، خذي هذا البيدق الأزرق هديتي لك حتى لاتقولي إنني لست كريما!

تنظر إليه السيدة نيكول بابتسامة ماكرة، محركة بيدقها الأبيض خطوتين في نفس اتجاه بيدقه، ثم ردت : ليس هناك أجمل من هدية رجل نابليوني يعرف كيف يخاطب أنثى تشبه جوزيفين. أخذ نفسا من سيجارة كوبية غالية الثمن، قبل أن يبتسم لها مفرجا على أسنانه المتراصة، مضيفا حركة أخرى نحو اليسار، بخطوة ذكية موهما السيدة بأنها قريبة من الشاه. تفطنت لمكره وهي تعدل من جلستها، ثم راحت تناوره بأنوثتها، متسائلة في سرّها : كيف فكّر نابيلون باحتلال العالم، ونسي أن يحتل قلب امرأة مثل جوزيفين، ثم التهمت بيدقه الثاني بحركة حصانها )كود شوفال) .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق