ثقافة المقال

أمام الكعبة بعد صلاة الصبح

الدكتور المهندس عبد يونس لافي

اليومُ هو الاربعاءُ الموافقُ السابعَ من الشهر الثالثِ عام 2018، وانا
أجلس في مكانٍ مرتفعٍ من أرضِ المسجدِ الحرام. لا تفصِلُني عن الكعبةِ إلاّ مسافةٌ قصيرةٌ يملأها فضاء. اسْتغرَقْتُ كالعادةِ في ابْتهالٍ مازجَهُ قليلٌ من بكاء، والبكاءُ عندي دواء.

ها همُ الناسُ يطوفونَ حولَ الكعبةِ موجاتٍ، والمشهدُ لا يمكن أن يُترجمَ إلى كلمات. لربما كان ما تاهَ على شَفَتَيَّ من دَنْدَناتٍ، فاق في وقعه ما أستطيعُ أن أصِفَهُ في كلمات.

تجدُني أُدوِّنُ في تلفوني ما اسْتطعتُ سبيلاً، وكلما هدأتُ من البكاءِ قليلا. كنت أُخفي الذي اكتُبُ لكي لا يراني احدٌ، إذ أنَّ ما اكتُبُ لا يعدو ان يكونَ ما أشعُرُ به في تلك اللحظات، ومشاعري خاصَّةٌ بي. لقد شكَّلتْ هذه الدموعُ سيولاً فوق شاشةِ التلفون!

لم يكن بكائي لأني اجدُ في مشهدِ الكعبةِ والناسُ بطوفونَ حولَهُ ما يدعو للبكاءِ حَسْبُ، فالكثيرُ يبكي امام الكعبةِ وإنْ كان البكاءُ درجاتٍ، لكن بكائي كان اسْتمراراً لبكاءٍ بدأ عند صلاةِ الصبح.

في صلاةِ الصبحِ، كان المكانُ مُزدحِماً، حاولتُ أن أدُسَّ نفسي لأجدَ مكاناً على الارضِ خارجَ حدودِ سَجّادِ الحرمِ البديع. كان بجانبي رجلٌ يجلس على كرسي. وضعتُ حقيبتي الصغيرةَ امام الكرسي، فأشارَ إليَّ حالاً برفعِها، قلتُ له: مهلاً انا فاعلٌ ذلك فلا تستعجلْ. جلستُ وقبل ان استقِرَّ في مكاني، سحبْتُها ووضعْتُها امامي. ساوَرَني شعورٌ أنَّ الرجلَ غيرُ مرتاحٍ أن يرى احداً بجانبه، فبدأت اقلِّبُ النظرَ عَلّي أجدُ مكاناً آخراً، وفعلاً وجدت ضالتي، مكاناً تركَهُ احدُهم فقلت: حمداً لله سأكونُ في حِلٍّ مما أنا فيه.

بدأتِ الصلاةُ وإذا بذاتِ الشخصِ يدفعُني، على حينِ غِرَّةٍ، من الخلفِ لأتقدَّمَ فتقدَّمْت. كظمْت امْتِعاضي، فأنا في مكانٍ لا يليقُ فيه الغضبُ وإن اسْتُغْضِبْت. وحين فرغتُ من الصلاة، تقدَّمتُ اليه وقلت له بأدبٍ هامِساً: كأنَّك تريدُ المسجدَ كلَّه لك! لم يٌجِبْ، ورجعت إلى مكاني فسبَّحْتُ وحمدْتُ واسْتغفْرت. هنا رحتُ ابكي؛ صلاةٌ غيرُ عاديَّةٍ في مكانٍ غيرِ عاديٍّ، أضِفْ ـ إن شِئْتَ ـ موقفَ الرجلِ الذي أثارَما أثارَمن شجن. كنت متأَلِّماً إذْ لم أكن لأطمحَ ان يُشابَ خشوعي بشائبةٍ، في هذا الوقت وفي هذا المكان.

بدأ الرجلُ يَنْغَزُ في ظهري، لم التفتْ إليه ورحتُ مسْتغْرِقاً في البكاء الذي لم أستطعْ إخفاءَه. خرجتُ وإذا به يقفُ تارِكاً كرْسيَّه يطلبُ العفوَ مني، فلما راۤني ابكي، بدأ يبكي هو الآخر .

بدا لي أنَّهُ شيخُ مصري حيث قال في المصرية العامية: ( يا ابْني إحْنَة جينا نِكسَبْ الذنوب وِلاّ نِمحيها”؟)، وبدأ يعانقني، وانا ابكي ثم راح يُقبِّلني من رأسي وكتفي ويبكي. لا اشك اننا اثرنا انتباه الآخرين. رجلان يقفان بين المصلين ويستمران في البكاء! انه مشهد لا شك غريب.

هل تريدُ بعد هذا أنْ أُخبِرَكَ لماذا كنت أبكي وانا اجلس قبالةَ الكعبة؟ الحياة ياابْنَ عمي مدرسةُ نتعلمُ منها ما لا نتعلمُهُ من الكتب، فلْنَتَعَلَّمْ!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق