ثقافة السرد

الوشــم

من المجموعة: “الشاعر النمر” * ترجمة: هيام عبد الحميد

جرت هذه الأمور في زمن كانت الفصيلة النبيلة المتمثلة في الانطلاق والانعتاق من القيود ما زالت مزدهرة والصراع الحالي من أجل البقاء لم يعرف بعد. لم تكن وجوه الشباب الأرستقراطيين والسادة البارزين مكفهرة، وفي البلاط تكتسي ثغور وصيفات الشرف والغانيات المترفات بابتسامات مشرقة، وتلقى وظيفة المهرج والمشرف على تنظيم حفلات الشاي تقديرا رفيعا، والحياة يسودها السلام وتملؤها السعادة، وفي المسرح وفي كتابات هذه المرحلة كان الجمال والقوة يصوران كشيئين ملازمين.

كان جمال الجسد في الواقع هو هدف الحياة الرئيسي حيث يقطع الناس شوطا طويلا في تتبعه إلى درجة أنهم يرسمون الوشم على أجسادهم، فترى عليها خطوطا وألوانا متألقة في تناغم كأنما في لون من ألوان الرقص، وعند زيارة أماكن اللهو فإنهم يختارون أحمل محفاتهم رجالا ذوي أجساد رسم الوشم عليها ببراعة في حين تتعلق غانيات يوشيوارا وتاتسومي بالرجال الذين تتباهى أجسادهم برسوم بديعة، ويلجأ المترددون على أوكار القمار من رجال الإطفاء والتجارة بل وحتى الساموراي جميعا إلى الاستعانة بفن صانعي الوشم، وكثيرا ما تنظم معارض الوشم حيث يشيد المشاركون فيها – وهم يتلمسون علامات الوشم على أجساد المشاركين في المعرض – التصميم المبدع لوشم ما في حين ينتقد آخرون عيوب وشم آخر.
كان هناك صانع وشم يافع ذو موهبة رائعة وتصاميم بالغة الرواج حتى أن شهرته كانت تضارع شهرة صانعي الوشم القدامى من العظام من أمثال شاريبون الذي عاش في اساكوسا، وياكوهاي الذي أقام في ماتسوشيما وكونكونجيرو، وكثيرا ما حازت أعماله على جوائز في معارض الوشم حتى أن معظ المعجبين بفنه كانوا يطمحون إلى أن يصبحوا من زبائنه، وبينما كان الفنان داروماكين معروفا برسوماته المتقنة وكاراكوسا جونتا كان سيد وشم الزنجفر، فإن هذا الفنان الذي يدعى سيكيتشي عرف بأصالة تكويناته وسمتها المثيرة.
حقق سيكيتشي من قبل شهرة خاصة كفنان ينتمي إلى مدرسة تويوكوني وكونيسادا وتخصص في الرسوم التي تصور مشاهد أو أحداثا من الحياة اليومية، وحتى عندما هبط إلى صانع الوشم ظل سيكيتشي يحتفظ بالروح الحقة لفنان ذي حساسية مرهفة، كان يتجنب أن ينفذ عملا من أعماله على بشرة أناس لا تروق له أجسادهم أو طبيعتهم الجسدية بشكل عام، والزبائن الذين يتقبلهم ينبغي عليهم أن يوافقوا بشكل مطلق على التصاميم التي يختارها وأيضا على أسعارها التي يحددها، إضافة إلى ذلك كان ينبغي أن يتحملوا لمدة شهر أو شهرين الألم المفرط الذي تسببه الإبر التي يستخدمها في صنع الوشم.
جثمت في أعماق صانع الوشم اليافع هذا عواطف ومسرات ما كانت لتخطر لأحد على بال، وعندما تتسبب وخزات الإ[ر في تورم الجسد وتدفق الدم القرمزي اللون، فإن زبائنه تند عنهم همسات الألم إذ لم يعد بوسعهم تحمل المزيد منه، وكلما زاد أنينهم عَـظم إحساس الفنان الغريب بالسعادة، وقد أسعدته بصفتة خاصة الأشكال القرمزية المعروفة بأنها أكثر ألوان الوشم تسببا في الألم، وعندما يتلقى زبائنه خمسمائة أو ستمائة وخزة ويأخذون بعدها حماما ساخنا لإبراز الألوان فإنهم يسقطون أقرب إلى الموتى عند قدمي سيكيتشي.
وبينما هم منبطحون هناك غير قادرين على الإتيان بأية حركة، يسألهم وعلى وجهه ابتسامة رضا، إذن فهو مؤلم حقا؟
وحين يضطر إلى التعامل مع زبون تنقصه الشجاعة يصر على أسنانه أو يطلق صرخات ألم يقول له: تصورت حقا أنك من أبناء كيوتو، الذين يفترض أن يكونوا شجعان، من فضلك تجمل بالصبر فإن وخزات الإبر مؤلمة على نحو غير مألوف. ويستمر في عمله بلا مبالاة بينما يلقي بنظرة جانبية على وجه الضحية المخضل بالدموع، وإذا كان الأمر على العكس من ذلك وكان زبونه يتحمل الألم المبرح بلا إجفال فيقول له: إنك أكثر شجاعة مما تبدو. ولكن انتظر فما هي إلا لحظات وتصبح عاجزا عن تحمله في صمت مهما حاولت، ويضحك مبديا أسنانه البيضاء.
كان طموح سيكيتشي الكبير لسنوات عديدة مضت، أن يضع تحت إبرته جسدا مصقولا لفتاة جميلة، يحلم بأن يرسم عليه روحه ذاتها إن صح التعبير، وهذه المرأة الخيالية يفترض فيها أن تلبي عدة شروط من حيث الجسم والشخصية معا، فوجه جميل وجسد فاتن لن يحظيا وحدهما برضا سيكيتشي، وعبثا راح يبحث بين الغانيات الشهيرات عن امرأة ترقى إلى مستوى طموحه، ولازمت صورتها باستمرار مخيلته. وبالرغم من انقضاء ثلاث سنوات حتى الآن منذ بدء البحث إلا أن رغبته لم تزد إلا تعاظما.
ذات مساء صيفي وبينما سيكيتشي يتجول في منطقة فوكوجاوا، استرعى انتباهه قدم أنثى باهرة البياض بينما كانت تحتجب خلف ستار محفة، والقدم تستطيع أ، تنقل مختلف التعابير التي يستطيع الوجه أن ينقلها، وبدت تلك القدم لسيكيتشي كواحدة من أندر الجواهر.
فالأصابع ذات الأشكال الرائعة، والأظافر القزحية اللون، والكاحل المستدير، والجلد اللامع كما لو أنه غسل طويلا بالمياه الرائقة لأحد جداول الجبال، كلها قد تجمعت لخلق قدم تبلغ حد الكمال لتثير قلب الرجل وتسحق روحه.
أدرك سيكيتشي للتو أن هذه هي قدم المرأة التي أمضى هذه السنوات العديدة في البحث عنها، فأسرع خلف المحفة بابتهاج على أمل أن يلقي نظرة خاطفة على من فيها، ولكن بعد اللحاق بها عبر عدة شوارع فـَـقـَد أثرها عند أحد المنعطفات، ومنذ ذلك الحين تحول ذلك التوق الغامض إلى عاطفة بالغة الضراوة.
وبعد مضي سنة، وفي صباح أحد الأيام استقبل سيكيتشي زائرة في بيته بمنطقة فوكاجاوا هي فتاة يافعة تحمل إليه رسالة شفهية من إحدى صديقاته، وهي فتاة جيشا من منطقة تاتوسومي، قالت الفتاة على استحياء: ” المعذرة يا سيدي فقد طلبت مني سيدتي أن أحضر إليك هذا المعطف بنفسي وأن أطلب منك التكرم برسم تصميم على بطانته”.
سلمته المعطف النسائي الذي كان مغلفا بورق يحمل صورة الممثل المسرحي ايواي توجاكو، وفي الرسالة أخبرت فتاة الجيشا بأن موفدتها الشابة هي تابعتها التي اختارتها مؤخرا وهي على وشك أن تجعلها تظهر للمرة الأولى كفتاة للجيشا في مطاعم العاصمة، وطلبت منه أن يبذل قصارى جهده لدفع هذه الفتاة قدما في عملها الجديد.
نظر سيكيشي متفحصا إلى الزائرة التي بالرغم من أنها لم تتعد بعد السادسة أو السابعة عشرة من عمرها إلا أن نضوجا غريبا كان ينعكس على محياها في حين أن عينيها تعكسان أحلام كل الرجال المتأنقين والنساء الجميلات الذين عاشوا في المدينة حيث تجمعت كل فضائل ورذائل هذا البلد، تطرقت نظره من ثم إلى قدمي الفتاتين الرقيقتين اللتين تنتعلان قبقابا مغطى بضفائر من القش، سأل سيكيتشي: “هل يمكن أن تكوني أنت الفتاة ذاتها التي كانت تغادر مطعم هيراسي في يونيو الماضي في محفه؟”
أجابت الفتاة وهي تضحك من سؤاله الغريب هذا: “نعم يا سيدي، كنت أنا التي غادرت المطعم، ففي ذلك الوقت كان والدي ما يزال حيا يرزق وقد اعتاد أن يأخذني بين الفينة والأخرى إلى مطعم هيراسي”.
قال سيكيتشي: “كنت في انتظارك منذ خمس سنوات، هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها وجهك، فقد عرفتك من قدميك.. هناك شيء أريدك أن تلقي نظرة عليه، تعالي معي لطفا إلى الداخل ولا تخافي”.
أمسك بيد الفتاة التي بدت مترددة وهو يتحدث ويمضي بها صاعدا إلى الطابق العلوي نحو غرفة تطل على نهر واسع، جلب لوحتين كبيرتين ملفوفتين وبسط إحداهما أمام الفتاة.
كانت لوحة زيتية لـ(موهيشي) الأميرة الأثيرة لدى الإمبراطور الصيني القديم (تشو) القاسي وهي تتكئ بوهن على سلم بينما يستريح طرف ثوبها المطرز الثمين على درجات السلم المفضي إلى البستان. وبدا أن رأسها الصغير أرق من أن يحمل تاجها الثقيل المرصع باللازورد والمرجان، وفي يدها اليمنى تحمل كأسا مائلة قليلا في حين ترقب بطريقة لا تعكس أي شعور بالألم سجينا يوشك أن يقطع رأسه في البستان في الأسفل. وبيدين وقدمين مشدودة إلى وتد وقف يترقب نهايته بعينين مغمضتين ورأس منحني، وتميل اللوحات التي تصور هذا النوع من المشاهد إلى الفجاجة لكن الفنان استطاع بمهارة أن يصور تعابير الأميرة والرجل المحكوم عليه بالموت بحيث تجسد هذه اللوحة الملفوفة عملا فنيا من الطراز الأول.
حدقت الفتاة الشابة لبعض الوقت في تلك اللوحة الغريبة ودونما وعي منها بدأت عيناها في التألق وشفتاها ترتجفان، وتدريجيا أخذ وجهها يشبه وجه الأميرة الصينية اليافعة، قال سيكيتشي لها مبتسما في حبور ومركزا نظره عليها: “إن روحك تنعكس في تلك اللوحة”.
سألت الفتاة وهي تمرر يدها على جبهتها الشاحبة: “لماذا جعلتني أرى صورة مرعبة كهذه؟”
قال سيكيتشي: “إن المرأة المرسومة هنا هي أنت ودمها يتدفق عبر عروقك”.
قام سيكيتشي بعد ذلك بنشر اللوحة الأخرى الملفوفة والتي عنوانها “الضحايا”. في منتصف اللوحة بدت امرأة شابة تتكئ على شجر كرز، وتحدق في مجموعة من جثث الرجال ممدة حول قدميها بينما يعلو وجهها الشاحب تعبير يشي بالكبرياء والرضا، وبين الجثث سرب من الطيور الصغيرة وهي تزقزق بفرح، وبدا من المستحيل تحديد ما إذا كانت اللوحة تمثل حقل معارك أو بستانا ربيعيا.
قال سيكيتشي وهو يشير إلى وجه المرأة اليافعة في الصورة، الذي بدا مرة أخرى شبيها بوجه زائرته: “إن هذه اللوحة ترمز إلى مستقبلك، وهؤلاء الرجال الممددون على الأرض هم أولئك الذين سيفقدون حياتهم بسببك”.
بكت الفتاة وقالت: “آه.. أتوسل إليك أن تبعد تلك اللوحة من أمامي”. وكما لو أنها تحاول الهروب من سحر اللوحة المرعب، أدارت لها ظهرها وألقت بنفسها على حصيرة من القش، هناك استلقت وشفتاها ترتجفان وجسدها كله ينتفض وقالت: “سيدي سأعترف لك.. كما خمنت أنت ففي أعماقي تكمن طبيعة تلك المرأة فأشفق عليّ وأحجب هذه اللوحة عني”.
قال سيكيتشي: “لا تتحدثي كشخص جبان! بل بالعكس ينبغي عليك أن تدرسي اللوحة بحرص أكثر وعندها لن تخافي منها”.
لم تستطع الفتاة أن ترفع رأسها الذي بقي مخفيا في أكمام الكيمونو وظلت منبطحة على الأرض تقول تكرارا: “سيدي دعني أرجع إلى البيت فإنني أخاف أن أكون معك”.
قال سيكيتشي ملحا: “ستبقين هنيهة، فأنا وحدي أملك القدرة على أن أجعل منك امرأة جميلة”.
ومن بين الزجاجات والإبر الموضوعة على الرف اختار قنينة تحوي مخدرا قويا.

تألقت الشمس على صفحة النهر وأخذت أشعتها تنعكس على الأبواب الانزلاقية وعلى وجه الفتاة الغافية كموجات ذهبية. أغلق سيكيتشي الأبواب وجلس بجوارها وللمرة الأولى أصبح بإمكانه أن يتملى جمالها الغريب بشكل كلي وحدث نفسه بأنه يستطيع أن يمضي سنوات جالسا بقربها يحدق في ذلك الوجه الساكن المكتمل.
إلا أن الحافز لأن ينجز رسمه تغلب على رغبته تلك قبل مضي وقت طويل، وبعد أن جلب معدات الوشم من فوق الرف بدأ سيكيتشي يرسم على جسد الفتاة بطرف قلمه الذي أمسك به بين السبابة والإبهام وخنصر يده اليسرى، وبالإبرة التي أمسكها بيده اليمنى أخذ يحز الجلد على امتداد الخطوط المرسومة على جسد الفتاة، وكما زين أهالي منف أرض مصر الطيبة بأبي الهول والأهرامات، أخذ سيكيتشي الآن يزين جلد هذه الفتاة الشابة، وبدا الأمر كما لو أن روح مصانع الوشم ذاتها تندرج في هذا التصميم، فكل قطرة قرمزية اللون تحقن كانت كقطرة من دم تتخلل جسد الفتاة.
غاب عنه تماما الشعور بمرور الوقت، حلت الظهيرة وانقضت وارتحل اليوم الربيعي الهادئ تدريجيا مقتربا من نهايته. أخذت يد سيكيتشي التي لا تعرف الكلل تتابع عملها دون أن توقظ الفتاة من غفوتها. والآن بدأ القمر في السماء ساكبا سناه الحالم على أسطح الضفة الأخرى للنهر، لم يكن نصف الوشم قد اكتمل بعد أن أوقف سيكيتشي عمله لإشعال المصباح وعاود الجلوس وتناول الإبرة.
والآن أصبحت كل وخزة إبرة تقتضي مجهودا مضنيا، وأخذ الفنان يطلق تنهيدة كما لو أن قلبه يشعر بكل وخزة منها، وشيئا فشيئا أخذ شكل عنكبوت ضخم يبدو للعيان، وبدخول توهج الفجر إلى الغرفة، كان هذا الكائن ذو المظهر الوحشي قد نشر قوائمه الثماني على ظهر الفتاة.
أوشكت الليلة الربيعية على الانقضاء، وكان بمقدور المرء سماع ضربات المجاذيف بينما المراكب تقطع النهر جيئة وذهابا في النهر، وفوق مراكب صيد السمك التي انتفخت أشرعتها بنسيم الصباح تراجع الغمام مبتعدا، وفي النهاية حمل سيكيتشي نفسه على تنحية إبرته، ووقف جانبا وراح يتفحص أنثى العنكبوت الضخمة التي رسمها على ظهر الفتاة، وبينما مضى يحدق فيها أدرك أنه عبـّر في عمله هذا عن جوهر حياته بأسرها، والآن وقد اكتمل هذا العمل استشعر الفنان فراغا كبيرا.
دمدم سيكيتشي: “لقد سكبت روحي كلها في هذا الوشم لأمنحك الجمال، ومن الآن فصاعدا لن تكون هناك امرأة في اليابان تستطيع منافستك ولن تعرفي الخوف أبدا، منذ الآن فإن كل الرجال.. كل الرجال سيكونون ضحاياك”.
هل سمعت هي كلماته؟ انطلق أنين من بين شفتيها وتحركت أطرافها وتدريجيا أخذت تسترد وعيها وكلما تنفست بعمق وهي منبطحة هناك أخذت قوائم العنكبوت تتحرك على ظهرها مثلما قوائم كائن حقيقي.
قال سيكيتشي: “لا بد أنك تتألمين، ذلك لأن العنكبوت تعانق جسدك بإحكام”.
فتحت عينيها قليلا، في البداية كان بؤبؤاها خاليين من أي تعبير ثم شرعت في التألق ببريق يماثل سنا القمر المنعكس على محيا سيكيتشي.
قالت: “سيدي دعني أر الوشم الذي نقشته على ظهري، ولئن كنت قد وهبتني روحك فما من شك في أنني أصبحت جميلة”.
كانت تتحدث كما أنها تحلم وفي صوتها نبرة جديدة من الثقة والقوة.
أجابها سيكيتشي: “لا بد أن تأخذي حماما أولا حتى تبرز ألوان الوشم” وأضاف بصوت يكسوه قلق غير مألوف: “سيكون ذلك مؤلما جدا لكن تجملي بالصبر والشجاعة”.
قالت الفتاة: “سأتحمل أي شيء من أجل أن أصبح جميلة”.
تبعت سيكيتشي أسفل السلم إلى الحمام وبينما هي تضع قدمها في الماء الذي انبعث منه البخار، أخذت عيناها تتألقان بالألم.
أخذت تئن: “آه.. آه.. لشد ما هو مؤلم! سيدي اتركني وحدي وانتظرني في الطابق العلوي سألحق بك بعد الانتهاء من الاستحمام، فلست أريد لرجل أن يراني وأنا أعاني”.
وعندما خرجت من الحمام لم تعد تمتلك القوة الكافية لتجفيف نفسها.. فدفعت عنها بعيدا يد سيكيتشي اللتين امتدتا لمساعدتها وسقطعت على الأرض. تمددت وهي تئن وشعرها يتهدل على الأرض وعكست المرآة خلفها أطراف قائمتين من قوائم العنكبوت فبدتا متقزحتي اللون كعرق اللؤلؤ.
صعد سيكيتشي إلى الطابق العلوي لينتظرها هناك، وعندما لحقت به كانت ترتدي ملابسها بعناية في حين مشطت شعرها المبلل وأزاحته على كتفيها. لم تعد شفتاها الرقيقتان وحاجباها الأقرنان تفصح عن مصابها، في حين كان في عينيها وميض هادئ وهي تحدق إلى النهر في الخارج، ورغم صباها إلا أنها كانت لها ملامح امرأة قضت سنوات في دور شرب الشاي واكتسبت السيطرة على قلوب الرجال.
كان سيكيتشي قد أصيب بالذهول وهو يرى كل هذا التغيير على الفتاة التي بدت رعديدة في اليوم السابق. ذهب إلى الرف وأحضر اللوحتين اللتين كان قد بسطهما أمامها بالأمس.
قال: “إنني أهبك هاتين اللوحتين وأيضا بالطبع الوشم، هي لك فلتأخذيها معك”.
أجابت: “سيدي، إن قلبي الآن متحرر من كل خوف، وأنت.. أنت ستكون ضحيتي الأولى”.
رمقته بنظرة ثاقبة كحد سيف شحذ لتوه، كانت كنظرة الأميرة الصينية وكنظرة المرأة الأخرى التي تتكئ على شجرة الكرز محاطة بعصافير مغردة وأجساد ميتة، توهج شعور بالانتصار داخل سيكيتشي. قال لها: “دعيني ألقي نظرة على وشمك.. أريني وشمك!”
في صمت أحنت الفتاة رأسها، كشفت عن الوشم، سقطت أشعة الشمس على ظهر الفتاة وبدا وميضها الذهبي وكأنه يضرم نارا في العنكبوت.

 

*صدرت عن المجمع الثقافي- أبوظبي.
الوشم إحـدى أشهر القصص القصيرة اليابانية حتى اليوم، الصادرة عام 1910 للكاتب الياباني (جونيتشيرو تانيزاكي).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق