ثقافة السرد

مقطع من رواية ذئاب منويَّة

أحمد أبو سليم

كم كان عليَّ أَن أَركض في الزَّمن إلى الوراء كي أُدرك ما فاتني من الحياة؟ أَبو إيَّاد مات، اغتالوه، وأَبو جهاد مات، اغتالوه، وفتح لم تعد فتح، والثَّورة انتهت، وعرفات عاد إلى رام الله واغتالوه هناك بالسُّمِّ، بعد أَن وقَّع اتِّفاق سلام مع العدوِّ، وحماس، الَّتي لا أَعرف من أَين جاءت، أَصبحت قوَّة لا يُستهان بها، وحزب الله الَّذي أَصبح القوَّة الأُولى في لبنان يخوض حرباً شرسة مع “إسرائيل” ولبنان تحرَّر، والإتِّحاد السُّوفييتيُّ سقط، وسقطت معه منظومة الدُّول الاشتراكيَّة..

وأَحزاب اليسار، والعراق أَصبح محتلاً مثل فلسطين، وعلي بابا مات، وأُمِّي ماتت، وآذار ماتت، وإجلال تزوَّجت من أَسعد، أُحاول أَن أَربط الأَشياء بعضها ببعض فأَفشل، كيف انقلب العالم بتلك الطَّريقة المذهلة؟ كيف؟ أَسعد كان مجرَّد رجل مسكين لا حول له ولا قوَّة، لا يعرف إلاّ الطَّريق إلى مسجد الدَّراويش، وإجلال كانت شعلة من نار، أَتذكَّر يوم جاءت مع أَبي طارق إلى بيروت، كيف تتَّصل الأَشياء، والبشر؟ كيف كسرها جعفر حتَّى رضيت بما رضيت به؟
يحدِّثني عن الطَّاعون الَّذي أَكل المخيَّم، عن بقايا البشر…
النَّاس فجأَة هربوا من أَنفسهم، راحوا يتخفُّون خلف الدَّشاديش البيضاء، واللِّحى، ويردِّدون كلاماً لا يعرفون معناه، ويُساقون كقطيع الماعز، كيف انقلبت تحالفات البشر؟ كيف انقلب العالم هكذا فجأَة رأساً على عقب؟ لماذا تغيَّر النَّاس؟ هل هم من تغيَّروا بالفعل، أَم أَنا الَّذي تغيَّرت، وما عدتُ قادراً على التأقلم مع الحياة؟
شيء ما في رأسي يدقُّ كمطرقة حدَّاد لا يعرف التَّعب.
أَتتبَّع آثار الزَّمن في حدقات العيون.
أَسمع في اللَّيل صوت رصاص متقطِّع بعيد….أَخرج، يمسك بي من يدي:
– إلى أَين؟
– سأَستكشف الأَمر فقط.
أَخرج…أَبحث عن بيت رجل خطَّاريٍّ قديماً كان يتاجر في السِّرّ بالسِّلاح، الرَّجل مات، وأَولاده ما زالوا يبيعون السِّلاح….ما دام بسَّام هاجم إدريس، فالحرب إذن ما زالت بيننا مستمرَّة، حرب آذار، غداً حين يعرف إخوتها بعودتي إلى البلاد سيأتون، وعليَّ أَن أَكون جاهزاً، لا، عليَّ أَن أَذهب أَنا إليهم قبل أَن يأتوا…يجب أَن تكون المعركة في أَرضهم، لا أَرضي، في بيوتهم، لا بيتي.
أُعرِّفهم إلى نفسي، بالكاد يتذكَّرونني، أَو يدَّعون ذلك…..أَطلب مسدَّساً…فيبتسم أَحدهم:
– مسدَّس فقط؟
– فقط!
– كم معك من المال؟
– مائة دينار…
– سأُعطيك م 16، ومعها سأُعطيك مسدَّساً هديَّة.
شكرته…
– والذَّخيرة؟
– الطَّلقة بقرشين…
حملتُ السِّلاح، والذَّخيرة، وعدت إلى البيت، أَحسب، حين يصبح ثمن الرَّصاصة أَقلَّ من ثمن رغيف الخبز، عليك أَن تدرك أَنَّ الطوفان قادم لا محالة.. إذ ثمَّة إذن من يدفع الثَّمن الحقيقيَّ للسِّلاح كي نموت به.
حين رأى السِّلاح ارتجف….
لم أُصدِّق أَنَّه حارب في أَفغانستان…
– أَتعرف كيف يعمل؟
أَسأَله….فيظلُّ صامتاً، ثمَّ يمدُّ يده نحو المسدَّس بعد قليل متردِّداً، يلتقطه، يقلِّبه بين يديه، يسدِّد فوَّهته نحوي، أَتساءل في سرِّي إن كان مريض الفصام مجنوناً أَم عاقلاً، وإن كان يعي ما يفعل، وإن كان بوسعه أَن يطلق النَّار عليَّ الآن، ويقتلني.
ترعبني الفكرة.
أَركض في الصَّباح إلى الطَّبيب….أَسأَله أَلف أَلف سؤال، وأَعود مهدوداً.
– ثمَّة حقيقة واحدة فقط بوسعك أَن تصدِّقها: أَنَّه سافر إلى الباكستان لأَنَّ ختم الدُّخول ما زال على جواز سفره، وما عدا ذلك يحتمل الحقيقة، والوهم، أَيُّ شيطان بوسعه أَن يعرف ما الَّذي فعله هناك إدريس، وما الَّذي يتخيَّل أَنَّه فعله؟
سأَتبعه من شارع إلى شارع، من زقاق إلى زقاق…وأُقابل رقيَّة، وأَتعرَّف إلى قصَّة فتحي الَّذي يصرُّ إدريس لسبب لا يدريه أَحد على أَنَّه مبصر، وأَنَّه مات في قلعة جانغي، في أَفغانستان، وجيش الأَولاد الَّذين يتوهَّم أَنَّهم يأتون لزيارته، ويخطِّط معهم لقلب النِّظام، سأَكتشف حجم الوهم المجنون الَّذي يحيط به، وأُجنُّ أَنا أَيضاً.
وهم! وهم! وهم! وهم! وهم! وهم!
يعيش واقعاً من الوهم…وماضياً من الوهم، ومستقبلاً معجوناً بالوهم، الحقيقة وهم، والحرب الَّتي خاضها مرغماً وهم، والسِّلم الآن وهم، والبلاد الَّتي يؤمن بها وهم، وحبُّه لآذار وهم، وهم، والوهم وهم….وهم، وهم، وهم، وهم….لا أَكاد أُصدِّق نفسي، وأَنِّي خرجت من السِّجن، كيف أَصبح الولد هكذا مجبولاً من الوهم؟ كيف؟ من قاد خطاه؟ كيف تُبنى حياة كلُّها، من أَوَّل قطرة فيها إلى آخر قطرة من وهم؟
لست أَدري إن كانت الحقيقة قد أَصبحت وهماً….أَم أَنَّ الوهم هو الَّذي أَصبح الحقيقة الوحيدة في هذا الكون.

*روائي من فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق