ثقافة المقال

الروائي الساذج والحساس

أسامة حبشى

صدر عن دار الجمل كتاب “الروائى الساذج والحساس” لأورهان باموك بترجمة ميادة خليل، والكتاب برغم أنه أشبه بمحاضرات أكاديمية إلا أنه يطرح موضوعا مهما وشيقا وحساسا سواء على مستوى الكتابة الروائية نفسها أوعلى مستوى تلقيها من قبل القارئ، ويتناول السؤال الشائك ألا وهو ماذا يجرى فى عقولنا عندما نقرأ الروايات؟ وكيف أن تلك الكلمات المرصوصة بجانب بعضها البعض تتحول لصور ذهنية؟ ومن هو القارئ الحساس والقارئ الساذج؟ وفيما يفكر الكاتب نفسه أثناء فعل الكتابة؟

وكيف يخطط لعمله وأين هو القارئ منه لحظة الفعل الكتابى نفسه؟ وكيف يختار محور الرواية وموضوعها وعلى أية أسس تتبلور فكرته؟ ومن هو الروائى الحساس والروائى الساذج؟

إننا عندما نقرأ رواية لا نواجه أى شيء حقيقى كما نشاهد لوحة على سبيل المثال، ونحن من ننقل عالم الرواية إلى الوجود من خلال تحويل الكلمات لصور ذهنية وتوظيف مخيلتنا، فكل قارئ يتصور الرواية عبر تصوره الخاص وعبر تذكره لتلك الرواية من خلال طريقته الخاصة، والروائى الذى يثق بمخيلة القارئ سيكتفى بمجرد وصف وتعريف الصور التى تشكل أهمية الرواية بالكلمات، وهناك من المؤكد المخيلة النشطة والمخيلة الكسولة كحال الروائى نفسه أيضا، وهذه العلاقة المتبادلة الأدوار هى محو الكاتبة كفعل ومحور التلقى من قبل القارئ بذات الوقت على السواء وكأنهما خطان متوازيان.

والكتاب يربط مابين المتاحف وزوارها وبين القراء سواء فى الدوافع أو التفاخر أو الرغبات تلك التى تحدد عقلية القارئ التى تمثل أهم التحديات للروائى نفسه.
إن محور الرواية الأدبية وتعريفه وأهميته يتطرق له باموك قائلا” إن الرواية الأدبية هى كيان من الصعب توضيح معناه أو اختصاره تماما مثل معنى الحياة..إن التفكير فى معنى الحياة لا ينفع عندما نحاول تحديد محور الرواية التى نقرأها بغرض البحث تحديدا عن محور الكاتب الشخصى أو عن محور العالم، وأننا عندما نقرأ رواية أدبية ، عمل يكون فيه المحور واضحا، واحدة من دوافعنا الرئيسية هى الحاجة إلى التفكير فى المحور وتحديد كم هو قريب من وجهة نظرنا عن الوجود”.. وهناك روائيون يتخذون قرارا واضحا منذ البداية بشأن المحور، ويحاولون الاستمرار دون أى تنازلات، وهذه طريقة أصعب من كتابة رواية دون تخطيط دقيق أو مع أخذ المحور بعين الاعتبار وخصوصا خلال كتابة مدخل الرواية، ويستشهد المؤلف بتولستوى الذى كتب مرات عدة فصول روايته الأشهر الحرب والسلام والجانب الفضولى فى هذا الجهد كان هو المحور لتلك الرواية، وتولستوى كان يتحرك من وجهة نظر تخص دور الفرد فى التاريخ كما شرح هو ذاته فى مقال بعد صدور الرواية ولكن هذا المحور ذاته قد يراه قراء اليوم لاغ ، فهم قد يرون المحور فى اهتمام الشخصيات بالتفاصيل اليومية للحياة والنظرة الواضحة الشاملة التى تربط شخوص مختلفة على حد سواء.
أورهان باموك
إن القارئ الساذج هو الذى يقرأ النص دائما على أنه سيرة ذاتية أو على أنه نوع من الوقائع المقنعة من تجارب واقعية.. والقارئ الحساس هو القارئ المتأمل.
والهدف الرئيس من فن الرواية هو إعطاء وصف دقيق للحياة كما يراه باموك، والناس ليس لديهم كل هذه الشخصيات التى نجد وصفها فى الروايات وخاصة فى روايات القرن التاسع عشر والعشرين على حد قول المؤلف.. وهذا الهدف ينبغى أن يتناقض مع ما نعرفه عن حياتنا اليومية، وباموك يعلن أن الدافع لديه لكتابة رواية ينحصر فى حرصه على أن يرى كلمات بعض المواضيع من أجل استكشاف جانبا من الحياة لم يصور من قبل على الإطلاق، وأن يكون أول من وضع فى الكلمات مشاعر وأفكار وظروف الناس الذين يعيشون معه فى نفس الكون وقد مروا بنفس التجارب، ويتطرق لضرورة بذل الجهد للاندماج مع الشخصيات التى نكتب عنها سواء تشبهنا أم لا، وهذه العملية الاندماجية قد تكون طفولية ولكنها ليست ساذجة على الإطلاق وهنا يمكننا التعرف على الروائى الحساس والروائى الساذج.

يربط المؤلف ما بين الكاتب والقارئ وبين الحرية بغرض الذهاب بعيدا إلى خارج حدود ذاتك لكى ترى كل شيء وكل شخص ولكى تندمج مع أكبر عدد ممكن من الشخوص وبغرض تجاوز وجهة نظرك الشخصية حول الأمور وكأن الأمر هو تبادل الأدوار فإن كنت مكان الآخرين لتمكنت من صنع نسخة أخرى منك، نسخة معقدة وممتازة.
ولا يغفل باموك الزمن وعلاقته بالرواية كمحدد لإطار الرواية ويتناول بالتفصيل الزمن المجرد ويؤكد أن القارئ أحيانا يحتاج لمساعدة الروائى فى هذا الأمر.
وختاما إن كتاب الروائى الساذج والحساس يعتبر تجربة ثرية للكتاب والقراء على حد سواء لأنه يفكك تلك العلاقة الشائكة وأيضا به أسفل السطور بعض النصائح أو التوصيات التى هى مفيدة بالفعل للكتاب أنفسهم، أنه أشبه بمشرط يشرح به باموك تطور فعل الكتابة لدى الكاتب أثناء الفعل نفسه وأيضا يضع القارئ على عتبة القراءة الصحيحة الذكية الغير سهلة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق