ثقافة المقال

لا نصيحة في الحب.. لكنها التجربة

محمد منصور

في القصيدة شبه الأخيرة “إلى شاعر شاب”، من الديوان الأخير “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، يؤكد محمود درويش على أنه لا مجال للنصيحة في أمرين، بينهما الكثير من أوجه الشبه، وهما: الشعر والحب ومع الشاعر الكبير، نقرأ هذه القصيدة، إيمانًا منا بأن القصيدة لا تنتهي، حتى وإن انتهت مسيرة الشاعر الإبداعية بالرحيل عن عالمنا، فإن القصيدة حاضرة بحضور القراء، ومتعددة بتعدد ثقافاتهم واهتماماتهم.

كما أن قصائد الشعراء الكبار لن تنتهي، ما دام في الكون رمقٌ من حياة، إذ أن هذه القصائد ستكون طريقًا يجتذب الكثير من الشعراء الشباب، ومن خلال قراءتها والتوحد معها والتعلق بها، ستصيبهم لعنة الشعر. وكأن مسيرة الإبداع الشعري -منذ بدء الخليقة وحتى نهاية العالم- عبارة عن سلسلة مكونة من حلقات من القصائد المتعددة بتعدد الشعراء.​

ولكن درويش في قصيدته “إلى شاعر شاب”، يرسل بلغة واضحة -خالية من الغموض الشفيف الذي هو سمة هامة من سمات اللغة الشعرية، وبجمل تليغرافية قصيرة حادة الألفاظ- عدة رسائل للشعراء الشباب، ما يجعلنا للوهلة الأولى نضعها في خانة النصائح، وأظن أنا -ويظن كثيرون غيري- أن الإبداع هو المجال الإنساني الوحيد الذي يقوم على الاكتشاف والتجارب، لا على الخبرات والوصايا والإرشادات. غير أننامن خلال قراءة القصيدة نرى أن درويش -وهو الشاعر الكبير- قد خدعنا بنصائحه التي لم تكن نصائح، قدر ما كانت بوارق شعرية مشحونة بالحكمة ونقيضها في آن.​ ويتضح ذلك منذ بداية القصيدة التي من المفترض أنها توجيهات للشعراء الشباب، حيث تبدأ بقول درويش: لا تصدق خلاصاتنا، وانسها/ وابتدئ من كلامك أنت. كأنك/ أول من يكتب الشعر/ أو آخر الشعراء!

إذن، كان من الممكن أن يكون عنوان القصيدة “رسالة إلى شاعر شاب”، ثم تم حذف كلمة “رسالة” حين اتضح لـ”درويش” أنه لا يملك الحق في توجيه الشعراء الشباب وإرشادهم، وأن النصائح لا وجود لها في عالم الإبداع.
كما أن القصيدة تقول من حيث تكتب الصمت، وتنفي من حيث تريد أن تثبت، ولا تَهدي إلا إلى الغواية. وكما أنه لا حقيقة في الشعر، فلا شعر في الحقيقة. إذ أن غياب الحقيقة قد يكون السبب الأهم في استثارة الخيال، ولو ظهرت الحقيقة واضحة ناصعة البياض لا شائبة فيها ولا تناقض، فإن الحاجة إلى الإبداع ستنتفي.

يقول درويش: الحقيقة بيضاء، فاكتب عليها/ بحبر الغراب.
والحقيقة سوداء، فاكتب عليها/ بضوء السراب!​
إذن ما هي وظيفة الشعر؟ هل تستطيع القصيدة أن تغير العالم في ظل غياب الحقيقة، أو بمعنى أدق انعدامها؟ وهل تغير القصيدة العالم أم العالم هو الذي يغير القصيدة؟
كل هذه الأسئلة تراود أذهان قراء الشعر ومبدعيه على السواء، لكنهم في النهاية يكتشفون أن القصيدة لا تملك إلا أن تواسي قراءها بقليل من الخيال، وتحررهم من وطأة الواقع ببعض من الاستعارات والكنايات، تلك الاستعارات التي تصيبهم بمتعة ناعمة كالحرير، يفيقون منها كما يصحون من حلم جميل؛ كلهم أسى على مفارقته، وكونه مجرد حلم لا يسمن ولا يغني من جوع إلى الحقيقة.

ومن هنا يتضح لنا -نحن الشعراء والقراء على السواء- أن “القصيدة في الزمن الصعب -ليست إلا- زهر جميل على مقبرة”، بحسب تعبير درويش.
ولكن إذا كانت “لا جدوى النصيحة” و”غياب الحقيقة” سمتين أساسيتين من سمات القصيدة الجيدة، فلماذا توجه درويش بقصيدته إلى شاعر شاب، وغالبية الأسطر الشعرية تبدأ بفعل الأمر أو بالجمل الاسمية! والمعروف لدى الكثيرين أن “فعل الأمر” يمنع تعدد الدلالات وتنوعها، فهو يقدم المعاني واضحة في غير حاجة إلى تأويل، والكثيرون يعرفون أيضًا أن الجملة الاسمية خطر على الشعر، لأنها توقف من حدة الدراما وتمنع الصورمن التدفق والجريان، وتجعل الصورة الشعرية باهتة في عقول القراء، كما أن الجملة الاسمية تستخدم -في الغالب- للتعريف، وليس مطلوبًا من الشاعر أن يقدم للقراء معارف أو معلومات أو ينحت المفاهيم.​

للإجابة على هذه الأسئلة، علينا أولا أن نقرأ ما كتبه درويش في هذه القصيدة: شُذَّ شُذَّ بكل قواك عن القاعدة/ لا تضع نجمتين على لفظة واحدة/ وضع الهامشي إلى جانب الجوهري/ لتكتمل النشوة الصاعدة!
درويش ينصح الشاعر الشاب بالخروج على القاعدة وتجاوزها، لكنه لا يقول له كيفية الخروج ولا طريقة التجاوز، إنه يلقي بالشاعر في الحيرة من حيث نظن أنه يدله على الطريق، ويكبله من يديه وقدميه ويرمي به في البحر، ثم يأمره بالسباحة وإنقاذ نفسه من الغرق.
درويش يأمر الشاعر الشاب بأن يضع الهامشي إلى جانب الجوهري، ولكن كيف! لا يوضح ولا يفسر، لنجد أن لغة القصيدة -رغم كثافة أفعال الأمر والجمل الاسمية- توحي ولا تعلل، وتجرد ولا تجسد، لنشعر أمام القصيدة وكأننا أمام عرافة تقرأ طالعنا بهمهمة لا نفهم معناها، ولكننا

مع ذلك نشعر بنشوة الاستماع إليها تصعد بنا إلى السماء. فنكتشف مع درويش أنه “لا نصيحة في الحب، لكنها التجربة/ لا نصيحة في الشعر، لكنها الموهبة!”، ثم يلقي علينا السلام، ويرحل عنا في هدوء، تاركًا في نفوسنا زوابع من الحنين إلى الجمال والمغامرة والاكتشاف.

“إلى شاعر شاب”

لا تصدق خلاصاتنا وانسها
وابتدئ من كلامك أنت. كأنك
أول من يكتب الشعر
أو آخر الشعراء!

إن قرأت لنا، فلكي لا تكون امتدادًا
لأهوائنا
بل لتصحيح أخطائنا في كتاب الشقاء!

لا تسل أحدًا: من أنا؟
أنت تعرف أمك
أما أبوك فأنت!

الحقيقة بيضاء، فاكتب عليها
بحبر الغراب.
والحقيقة سوداء، فاكتب عليها
بضوء السراب!

إن أردت مبارزة النسر
حلِّق معه.
إن عشقت فتاة، فكن أنت
لا هي
من يشتهي مصرعه!

الحياة أقل حياة
ولكننا لا نفكر بالأمر
حرصًا على العاطفة.
إن أطلت التأمل في وردةٍ
لن تزحزحك العاطفة!

أنت مثلي ولكن هاويتي واضحة.
ولك الطرق اللانهائية السرِّ
نازلة صاعدة.
قد نسمي نضوب الفتوة نضج المهارة
أو حكمةً
إنها حكمةٌ، دون ريب،
ولكنها حكمة اللاغنائية الباردة!

ألف عصفورة في يد
لا تعادل عصفورة واحدة
ترتدي الشجرة!
القصيدة في الزمن الصعب
زهر جميل على مقبرة!

المثال عسير المنال،
فكن أنت أنت وغيرك
خلف حدود الصدى.
للحماسة وقت انتهاء بعيد المدى
فتحمس تحمس لقلبك واتبعه
قبل بلوغ الهدى!

لا تقل للحبية: أنتِ أنا
وأنا أنتِ،
قل عكس ذلك: ضيفانِ نحنُ
على غيمة شاردة.
شُذَّ شُذَّ بكل قواك عن القاعدة
لا تضع نجمتين على لفظة واحدة
وضع الهامشي إلى جانب الجوهري
لتكتمل النشوة الصاعدة!

لا تصدق صواب تعاليمنا
لا تصدق سوى أثر القافلة.
الخلاصة مثل الرصاصة في قلب شاعرها
حكمة قاتلة!

كن قويا كثور إذا ما غضبت
ضعيفًا كنوّار لوز إذا ما عشقت
ولا شيء لا شيء
حين نفسك في غرفة مغلقة!
الطريق طويل كليل امرئ القيس:
سهل ومرتفعات، ونهر ومنخفظات
على قدر حلمك تمشي
وتتبعك الزنبقة
أو المشنقة!

لا أخاف عليك من الواجبات
أخاف عليك من الراقصات على قبر أولادهن
أخاف عليك من الكاميرات الخفيات
في سرر المطربات..

لن تخيب ظني،
إذا ما ابتعدت عن الآخرين وعني
فما ليس يشبهني أجملُ
الوصي الوحيد عليك من الآن: مستقبل مهمل!

لا تفكر وأنت تذوب أسىً
كدموع الشموع، بمن سيراك
ويمشي على ضوء حدسك،
فكر بنفسك: هل هذه كلها؟
القصيدوة ناقصة، والفراشات تكملها!

لا نصيحة في الحب، لكنها التجربة
لا نصيحة في الشعر، لكنها الموهبة

وأخيرًا: عليك السلام!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق