ثقافة المقال

الطابوهات اللغوية.. من يفتح صندوق الشّر؟

رشيد فيلالي
تزخر الدّراسات الغربية في علم الاجتماع اللغوي ببحوث تُعالج قضية الطابوهات والتي تناولها الدارسون بتوسّع وعمق كبيرين، لاسيما منها الصّادرة باللغة الإنجليزية. وفي هذا الصّدد أحبّ أن أشير إلى مسألة مهمّة تتعلق بالمصطلح نفسه (الطابو، taboo). هذا المصطلح المتفرّد، والذي شاع استعماله في جميع اللغات العالمية، كونه يجمع بين ما هو محرّم وممنوع ومقدّس ضمن كلمة واحدة، وهو أمر نادر الحدوث ومثير في الوقت ذاته.

من المعروف الآن بأن هذا المصطلح الذي ورد أول مرة في أسفار الرحالة الإنجليزي (كوك) مصدره لغة يتحدّث بها سكان جزر بولينيزيا، الواقعة في المحيط الهادي، وفي الوقت الراهن هناك شبه إجماع على أن هذا المصطلح أصله.. “عربي! “. وهو مشتق من كلمة “توبة” وفعل تاب، يتوب، ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالكلمة التركية التي تعني السّجل العقاري!

وشخصيا فوجئت بهذا الاكتشاف الغريب الذي لم أعثر له على أثر في الكتب العربية حتى الآن، وذلك بعد إطلاعي على دراسات في هذا المجال للغويين غربيين وليسوا عربا أصلا، ويمكن الرجوع إليها، وهي للباحثين: الأنثروبولوجي واللغوي دونالد ماكدونالد(Donald McDonald) والمستشرق جون جوزيف مارسيل(Jean-Joseph Marcel)والشّاعر والكاتب الفرانكو ألماني ألبيرت فون شاميسو(Adelbert von Chamisso) والرحالة و المكتشف البريطاني صمويل مارسدن(Samuel Marsden) وغيرهم كثير..

وكلهم يجمعون على أن المصطلح أصله سامي وتحديدا عربي، ويقابله في العربية “توبة” كما قلنا..

أنتقل الآن إلى لبّ الموضوع وهو الكلمات التي انزاحت من دلالة إلى دلالة أخرى، أو أن اشتراكها لفظيًا ونطقًا مع كلمات نابية وفاحشة، حسب الوصف المستعمل عادّة، جعل منها كلمات منبوذة وممنوعة ومحرّمة من الاستعمال العام، حوّلها إلى الطابوهات بحيث يتحرّج كلّ من يستعملها أمام الآخرين.

وفي هذا السياق أوضح أساتذة من الجامعات البريطانية على أن الطّلاب العرب يخجلون من نطق عدد مهم من الكلمات العربية والإنجليزية، لا لشيء سوى لكونها لها إيحاءات جنسية على غرار كلمة “فكروني” والتعبير الإنجليزي “قبلني”(kiss me) وعبارة “الحروف الأربعة”(المقصود بها كلمة Fuck)وغيرها من الكلمات التي تبدو في الظّاهر بريئة وحيادية لكنها بسبب طبيعة تلفظها صارت منبوذة ويتجنب استعمالها.

ومعروف أن السّبب وراء شيوع هذه الظّاهرة هو ما يصطلح عليه الآن بالمشترك اللفظي(Homonyme)(تعدد المعنى لكلمة واحدة فيما المترادف synonyme هو تعدد الكلمات لمعنى واحد ) والتي تكثر في الإنجليزية إلى درجة أن هناك إحصائية تشير إلى وجود ما بين 1600 إلى 2000 مشترك لفظي في لغة شكسبير (وفي الفرنسية أكثر من ذلك!)..
ولماذا نذهب بعيدًا وفي اللهجة الجزائرية نُصادف أرقاما وكلمات عادية جدا أصبحت في الوقت الرّاهن من الطابوهات تتضمن دلالات جنسية مختلفة، على غرار صفر0 ورقم 106 و69 وكلمات مثل فرخ وقوّاد وعلوش وزنقة وخردة إلخ.. وهذا ما يؤكد على أن الكلمات ما هي سوى أثواب يتلبسها المعنى فتتغيّر حتى من النقيض إلى النقيض(كلمة “حرفيا”الإنجليزية literally كانت تعني “مجازيا” أي “غير حرفي” non-literal في القرن الثامن عشر)، وكلمة bad سيء كانت تستعمل في الساكسونية القديمة بمعنى “جيد” bat) كما نجد في الفرنسية مثلا كلمة(embrasser) تعني حاليا “قبَّل” لكن أصل هذه الكلمة كما تدل على ذلك بوضوح تركيبتها كان يعني “احتضن” و”أخذ بين ذراعيه”، وحتى كلمة قُبلة(baiser un) الفرنسية انزاحت دلاليا لتعني اليوم في سياقات معينة ممارسة الجنس، والطريف أن عنوان الفيلم الفرنسي المثير(Baise-moi) الذي نزل إلى قاعات السينما عام 2000 والمقصود به “قبلني” تم ترجمته ترجمة غريبة إلى الإنجليزية وهي..”اغتصبني، Raipe Me!”.

وكم من كلمة تحوّلت من مستوى العادية إلى نابية في العديد من اللغات، وفي الدراسة الرائعة التي تحمل عنوان(Etymythology and Taboo)التي أعدها الأستاذ لورونس هورن من جامعة يال الأمريكية، تفاصيل مثيرة جدا حول هذه الظاهرة اللسانية في اللغة الإنجليزية والإنجليزية الأمريكية، منها الأمثلة الشهيرة حول تحول كلمات مثل ass الحمار وcock الديك وconey الأرنب، والذيل(في اللاتينية) penis (الذي اشتق منه اسم المضاد الحيوي بنيسيلين على اسم فطر له نوع من الشعيرات و اسم الريشة Pinceau الذيل في الألمانية Schwanz أخذ نفس المسار).

تحولت هذه الكلمات كل~ها إلى معان جنسية تخص الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة ويتحرج من التلفظ بها الجميع، وكل هذا في الحقيقة يرجع إلى عقلية المتكلمين بهذه اللغة وقوة الاستعمال التي تفرض سطوتها في المجتمع، إذ أن الكلمة أي كلمة إذا أجرينا حفريات دلالية عليها نكتشف العجب العجاب.

ألا ترون أن أشهر القواميس الفرنسية (لاروس)في القرن السابع عشر كان يعرف كلمة “المرأة، femme” هكذا: “كائن من جنس أنثى خلق لإمتاع الرجل!” لكن هذا التعريف لو يستعمل اليوم سوف تقوم القيامة على صاحبه من كلّ الجبهات، وهذا ما يعني تطور العقلية الفرنسية ورؤيتها للمرأة وتعاملها معها.

والشيء نفسه عن الكلمة اليونانية التي اشتقت منها كلمة الجمباز “ألعاب القوى” والتي أصلها(gymnos) التي تعني(عاري، nu!).

من هنا، نعرف أننا كثيرًا ما نخضع لقوة الاستعمال والعادة وننساق وراء ذلك دون شعور منا، رغم كوننا نقوم باستعمالات لغوية خاطئة، وهذه الظّاهرة عالمية ولا تقتصر علينا فقط، خذ مثلا كلمة “جوفنتوس” اسم الفريق الإيطالي الشهير تعني باللاتينية “الشباب” لكننا نطلق عليها اسم السيدة العجوز و”اليوفي”، الذي تعتبر تسمية خاطئة متأثرة بالإنجليزية، كما نجد – عندنا هذه المرة – في مواقف السيارات والفنادق والمساحات المفتوحة لافتات تكتب فيها بالخط العريض كلمة “حضيرة” مع أن الاستعمال الصحيح هو”حظيرة”. وكذا توظيف بعض المتحدثين وفيهم المتعلمون المقولة المعروفة “مجبر أخاكَ لا بطل” مع أن الأصح هو القول”مجبر أخوك لا بطل” بالرفع، وكذا استعمال كلمة مَنطِقة(zone)بفتح الميم وكسر حرف الطاء رغم أن الأصح هو كسر الميم وفتح حرف الطاء، على اعتبار أن أصل الكلمة هو “الحزام” وهو نفس المدلول في اللغة الفرنسية والإنجليزية، مثلما أوضح ذلك العالم اللغوي إبراهيم أنيس، لكن الاستعمال الراهن(فتح الميم وكسر حرف الطاء) تم قبوله من طرف مجامع اللغة العربية تجاوزا.. فتأمّل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق