ثقافة السرد

حنين المكان بوصلته شمالية

إيما فرنان*
كلما استيقظت بي صبابة الحلم وجدتني بهذا المكان.. مقهى غير بعيد عن ساحة «Place d’Italie»، في باريس. يروق لي هذا المقهى، يحترم خصوصية مرتديه.. طاولاته صغيرة متراصّة بشكل عفوي، قريبة من بعضها لدرجة أنّك تسمع وشوشات العشّاق واعترافاتهم.. يُلامس الحشا ذاك الجوّ الذي تتردّد فيه موسيقى هادئة.

حاولت استبيان اسم المغني الذي كان يعزف عن البيانو لكنني لم أعرفه.. ثقافتي حول المغنيين تبدو محدودة. مدينة باردة، باهتة أضواؤها بالنّهار، عكس ليلها الصّاخب، تشعرك في لحظات ما بالمنفى! كيف يمكن أن نفسّر أو نعرف المنفى؟ هل كلّ حياتنا منفى؟ وهل يمكننا أن نقف على إحدى المحطّات ننتظر أحدًا؟ ما أعرفه أنه أشبه بكثير من ذاك الأرق الذي يُطاردنا بعد منتصف الليل. يتغلغل كصهيل نشوة تلامس خيوطها جسد امرأة عارية من همهمات الهوى على شفتيها. تسرق منها حقيبتها على حافة تلك المحطة وتضيع منها كل الاتجاهات وكأن المنفى والضّياع تآمرا عليها.

صديق كتب لي يقول:

»ماذا سيكون شعورك لو أنك ستكتشفين يومًا صدفة أنك بطلة رواية؟».

لم أفكر لحظتها في استطراد كَمَّ الأجوبة التي تزاحمت بعد أن أسندت ظهري لوسادتي.. أجوبة دست سُم نشازها برئتي، تسترق شرودي لتتزاحم على أطراف شفاتي بلغة واحدة: كلّ الروايات تكتبنا وتكتب مآسينا وأفراحنا، وتنزلق على واقعنا، تعريه وتنشره مثلما ننشر غسيلنا على الحبال. وأخرى تُدلك أجسادًا تورّمت من فرط الشّحوم والتّخمة.

أن تكتبني رواية، فهو محض صدف ولكن أن تسردني تلك الرواية بتفاصيل مملّة ومجنونة.. فذاك أمر يستحق الاستفهام! هل يمكن أن يّحَدِث الخيال الكاتب بما ينطبق عن الواقع؟

قد يكون ذلك، فيكتب شغفي، جنوني ويسرد أسراري ويعريني أمام قارىء مهووس بلغة الجسد. لا يهمّه من الفصول غير مشهد إيروتيكي، يُمارس بعده طقوسه في الحمام أو في زاوية معزولة.

أحلامنا كلّها تتشابه وأحاديثنا الداخلية كلّها مسروقة من مدينة فاضلة، إلا تلك التي تحمل صورة عصا رقيقة من خيزران يجلد بها أولئك الذين ينفخون دخان سجائرهم في وجه عاهرة منبوذة بجنح الظّلام. ويرفعون شعار الطّهر، في اليوم الموالي فيُقيمون محاكما لشباب مغضوب عليه في مجتمعات كلّ شيء فيها عيب ومحظور.

كلّ شيء حضر في رأسي الصّغير في تلك الدقائق.. كلّ شيء.. قرأته في رواية ما.. أنت.. أنا.. حديثنا.. مرحنا معا في لحظات مجنونة.. صعقاتك الكهربائية لي.. صراحتك.. إنزعاجي منها.. تذمّري من طريقة تفكيرك.. إعجابي وإكباري لك في حبّك لوالدتك..

كلّ شيء كان حاضرًا إلا تهجّد جسدك الحقيقي.. جمرة كنت أقبض بها على كفّي، تنتقل لتسكن بين ضلوعي.

مرّ بذاكرتي شريط ذكريات، أأجده في رواية ما!.. رحلاتي التي لا تنتهي وأنا أسحب حقيبتي من مطار لآخر.. كانت متعة في بداية الأمر أن أكتشف الشرق الأوسط الغارق في وحل »نعم سيدي« وخليج العالم العربي، المدفون في بيع الذّمم بالدولار، أن أكتشف أوروبا بكلّ أطرافها المترامية من شرقها لغربها أو أن أقف على جسر الضّباب لأحاول أن أقترب من بجع ألف الإنسان المسالم هناك.. أن أنتظر في محطة قطار أو في مطار لساعات ولساعات، ثم أحمل حقيبة الذكريات وأعود من حيث جئت.
أجبت عن الكثير من تلك الأسئلة بقناعة »العاقلة والناضجة« على رأي والدتي.. ألا يُقال أن المرأة حين تبلغ الأربعين تصير ناضجة؟! لم أبلغها بعد ولكنني كنت كذلك قبل الثلاثين. كما يقول «الحاج العنقا»: «ما قراونيش شيوخ المدارس ولكن قراني الجوع والحفا..».

يصفونني بالعاقلة.. أنصف الآخرين في كلّ شيء ولا أنصف نفسي، أمدّ يدي لكلّ شخص أراه يحتاجها ولا أمدها ليدي.. هل تمدّ إحدى شخوص رواية ما يدها لي؟

كان بودي أن أكتب لك شيئاً مغايرًا وأنا أجلس إلى طاولتي في هذا المقهى، كأن أصف لك عاشقين قبالتي يتبادلان القبل من حين لآخر ويهمس في أذنها من حين لآخر!

لم يشدّني الفضول إلى ما كان يهمس لها به، وأنا أعلم أنك لن تفوت الفرصة لتعلّق بروحك المرحة كأن تسألني:»برأيك ماذا قال لها؟».

رأيت وجهك أمامي وأنت تُداعب بنات أفكاري وتبتسم بابتسامة عريضة على محياك.. ابتلعت خجلي ورحت بصعوبة أشاغبك..

حسنًا، أتوقّع أن يقول لها أريدك الآن وأشتهيك، أو يقول لها ما لون ملابسك الداخلية.. وإن رفع من منسوب الحديث سيقول لها أنني أتذوقّك الآن كنبيذ معتّق يدغدغ شفتاي.. أو يذهب أكثر من ذلك ليبدي لها رغبته في أن يحتسي عصيره المفضّل على بطنها وهو يطوف بزهر خصرها..

رأيتك تنفرط ضحكًا.. وضحكت معك في استحياء أن أكون تجرّأت على قول ما قلت.

كل هذه الوشوشات ممكنة في تلك اللحظة. لم أأبه لما كان يدار حولي بقدر ما شدّني كيف كانت تتوسّد شفاه ذاك العاشق مسمع حبيبته كلهفة فيض ينحدر غيمه ليأجج ثورتها، فتدّس حمحمة وهي تلامس بشرة وجهه في سخاء العاشقة. تنثر في خلاياه وتتسرب رعشة زنبق في أوصاله.

هل كلّ الحكايات تسرد ما يهم الإنسان، هل تفتش في ثنايا المجتمعات التي انفلتت منها رقابة الذات.. هناك نوع من النّساء لا تهتم لتفاصيل الجنس كجنس بقدر ما يعتق مشاعرها حقل ناهض من شقائق النعمان تُزرع على خديها في لحظة وهج, وهكذا إحساس لا يفهمه إلا من يرقص تائهًا على ضفتي حبيبته وقد ضمخ صدره زيت أخضر جناه من عيني من يريدها سيدة الكون، أمه، فمن يحتفي بأمه من المؤكد أنه سيحتفي بامرأته.

أردت أن أحدّثك عن أشياء أخر غير عاشقين زرعا عطرهما في المكان.. أردت أن أحدثك عن الحلم وعن الإرادة في زمن عاهر: الغدر فيه فضيلة وتهشيم العظام وتحطيم الأحلام آنتصارا.. الكل يتآمر على النجاح والتفوق والتألق.. ولا شيء في هذه الجزائر غير ذلك الانهيار القيمي والخلقي الكبيرين اللذان أصبحا طوفانا يجرف كل ما يجد في طريقه.

أردت أن أحدّثك عن كيف يمكن أن نُطّعم أنفسنا ضد هذه الفيروسات لنكسب مناعة قوية.. أردت أن أمنحك عدوى ما أملك من عزيمة ومن حياة ومن أمل، فأنت تستحقه.. هذا الذي ينحني ليقبّل قدما والدته، لا يستحق إلا أن يكبر في عيون العالم.. لا يستحق إلا أن يقبل جبينه.. ولا يستحق إلا أن يتغلغل في النفس كبخور في معبد صلاة قدسية.

ألم أقل لك أن ضوء المكان يمنحنا حنينا بوصلته شمالية دائما؟!

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق