حوارات المجلة

الدكتورة آمنة بلعلى للمجلة الثقافية الجزائرية

أجرى الحوار: الدكتور سالم بن رزيق بن عوض*

المجلة الثقافية الجزائرية: بداية نرحب بالأستاذة الدكتورة الكريمة / آمنة بلعلى ونشكرها على التفضل بقبول دعوة الحوار. يرغب قراء المجلة الثقافية  في أخذ لمحة مختصرة من السيرة الذاتية الكريمة:

 الدكتورة آمنة بلعلى: أشكر المجلة الثقافية الجزائرية على هذه الدعوة والاستضافة، وعلى هذه الفسحة الحوارية التي أتمنى أن أفيد بها بما يليق بأهداف هذه المجلة، أنا باحثة جزائرية، أم لطبيبتين، أستاذة المناهج النقدية المعاصرة بجامعة مولود معمري تيزي وزو، تمنيت أن أكون طبيبة، أو متخصصة في الفلسفة، لكن وجدت نفسي في مجال اللغة والأدب، سعيدة بهذا المصير العلمي الذي فتح لي آفاقا للبحث والتمتع بما أقرأه من نصوص شعرية وسردية، وما أجده في النقد من وشائج قربى بينه وبين الفلسفة ومعارف أخرى.

النظام التعليمي لم يعد يسعى إلى تكوين الطلبة بقدر ما يهدف إلى تمكينهم من شهادات لا تسمح لهم بإيجاد وظيفة

المجلة الثقافية الجزائرية : أستاذة الأدب والنقد الدكتورة الكريمة / آمنة بلعلى والرحلة الطويلة الممتعة من التعليم والتعلم إلى التدريس في الجامعة وأستاذة التعليم العالي قسم اللّغة العربية بجامعة مولود معمري/ تيزي وزو، أستاذة النقد والسيميائيات، مديرة مخبر تحليل الخطاب في نفس الجامعة ما دور الأهل في الرحلة التعليمية؟ وما أهمية هذا التخصص اليوم للشباب ؟ وهل هناك إقبال وطلب من الطلاب والطالبات ؟

 الدكتورة آمنة بلعلّى: نشأت في مرحلة ما بعد الاستقلال كان التعليم حينها مكسبا يشبه مكسب الحصول على الاستقلال وعلى الرغم من الظروف الاجتماعية الصعبة إلا أن والدي رحمه الله كان له دور كبير في تعليمنا والحرص على مواصلة الدراسة، وخاصة بالنسبة لي كفتاة، حين كنا ينبغي أن نقطع في المرحلة المتوسطة كل يوم مسافة خمس عشرة كيلو متر في سيارات جماعية من قريتنا إلى مدينة برج بوعريرج، وفي غالب الأحيان لا نتناول وجبة الغذاء، ولكن رغم ذلك ظلت الدراسة مطلبنا، إلى أن تحصلت على الباكالوريا وكنت الفتاة الأولى في العائلة، وشاءت الظروف أن أنتقل إلى جامعة باتنة لأدرس الأدب العربي، يوم كان لهذا التخصص شأن كبير بالنسبة لطلبة يحبون  الأدب واللغة العربية، ويتبارون في الحصول على أفضل النتائج، لأنهم اختاروا اللغة والأدب ، ولم يدخلوه صدفة، أو إرغاما، وهو الأمر الذي لا نجده اليوم للأسف حيث يوجه أصحاب أضعف المعدلات في الباكالوريا وهم عادة لا يمتلكون معدلا لائقا في اللغة العربية، فيجدون أنفسهم في مجال لا يدخل في دائرة اهتماماتهم، ويجد الأساتذة طلبة لا يميزون بين الفعل والفاعل، وهو ما نلاحظ نتائجه في هذا التردي الذي وصلت إليه الدراسة في أقسام اللغة العربية وآدابها،إضافة إلى تغير النظام التعليمي ذاته الذي لم يعد يسعى إلى تكوين الطلبة بقدر ما يهدف إلى تمكينهم من شهادات لا تسمح لهم بإيجاد وظيفة.

زوجي الدكتور صالح بلعيد الذي كان دافعا قويا لي للكتابة والنشر

المجلة الثقافية الجزائرية : التدريس في الجامعة والمشاركة في التعليم والتنمية الاجتماعية والثقافية والمحاضرات والكتابة و التأليف هذه الرحلة الممتعة وما صاحبها من تحديات وصعوبات ماذا قدمت للدكتورة آمنة بلعلى ؟وما أهم الإنجازات والإصدارات التي صدرت ؟ وكيف تتلقى أستاذة النقد النقد من الأسرة والجامعة في الإصدارات والمؤلفات ؟

الدكتورة آمنة بلعلي: دخلت إلى الجامعة بنفس الشغف الذي كنت أحمله في الثانوية بحبي للدراسة على الرغم من أنني كنت أتمنى أن أسجل في الفلسفة ولكن وجدت الفلسفة في تخصص الأدب أيضا، وقادني ذلك الشغف لكي أكون منذ البداية من المتفوقين في جامعة باتنة ، ثم انتقلت إلى جامعة الجزائر وأستمر بنفس التفوق لأكون الأولى في دفعتي وأجتاز مسابقة الماجستير بتفوق أيضا، وأناقش في السنة الثانية من التسجيل، وكان يحدوني إلى هذا التفوق عاملان أولهما ذلك الشغف وثانيهما أولئك الأساتذة الذين أخذت عنهم من الجزائريين والعرب وخاصة العراقيين الذين كان لهم فضل كبير في أن فتحوا لنا آفاقا لا تزال آثارها إلى الآن وأذكر هنا أستاذي الذي أشرف علي في اللسانس والماجستير وجزء من الدكتوراه قبل أن يغادر الجزائر وهو الدكتور محمد حسين الأعرجي طيب الله ثراه. وكذا كبار الأساتذة الجزائريين كعبد الله الركيببي وأبو العيد دودو ومحمد ناصر وعبد الله العشي والأخضر جمعي وغيرهم ممن أثروا فينا بعلمهم وأخلاقهم. وشيء طبيعي أن يكون ما كتبته له علاقة وطيدة بتوجيهاتهم سواء فيما كتبته عن الشعر العربي المعاصر وعن رواده أو عن التصوف الإسلامي، أو بعد ذلك من خلال كتب أخرى كالمتخيل في الرواية الجزائرية وأسئلة المنهجية وسيمياء الأنساق وخطاب الأنساق ، بل حتى ترجمتي لرواية القديس أوغسطين في الجزائر من الفرنسية إلى العربية، كانت أثرا من آثار الأساتذة الذين غرفت من علمهم الغزير. أما النقد الذي تحدثت عنه فلا يكاد يرى ، فالأسرة لها انشغالاتها عدا زوجي الدكتور صالح بلعيد الذي كان دافعا قويا لي للكتابة والنشر، وما عدا ذلك فالجامعة الجزائرية تستقبل ما يكتبه أساتذة كأنه لا حدث، وهذا نتيجة التردي الذي نلاحظه في عدم الاهتمام بالبحث العلمي بالطريقة التي ينبغي أن تكون عليها الجامعة.

المنهج السيميائي شأنه شأن المناهج المحايثة والتي تركز على شكل النص وطريقة تشكل المعنى فيه، يضمن للنص بأن يقرأ باحترام

المجلة الثقافية الجزائرية : عرف المنهج السيميائي في العقود الأخيرة من القرن العشرين تحولات عدة في التعاطي مع الخطاب الشعري الحديث على وجه الخصوص، و هذا ما أثار العديد من الإشكالات في كيفية مقاربة النص الأدبي مقاربة واعية على مستوى الأدوات الإجرائية، أو على مستوى التأويل واستنطاق النص بشكل لا يفسد من دلالة المعاني الحقيقية للبنى العميقة، ومن هنا كان نقد «سيمياء الأنساق: تشكلات المعنى في الخطابات التراثية» و«تحليل الخطاب الصوفي في ضوء المناهج المعاصرة» من القضايا النقدية الهامة التي تناولتها بعمق وتأني ودراسة ، في ظل المنهج السيميائي الممارس في التحليل كيف ترى الدكتورة الحركة النقدية في الجزائر وفي العالم العربي ؟ وكيف يمكن مقاربة هذا المنهج مع منتجات الحضارة الغربية والعقل العربي المحب للشعر والنثر على حد سواء ؟

الأستاذة الدكتورة آمنة بلعلى: المنهج السيميائي هو جزء من المناهج الجديدة التي وردت إلينا مع حركة تلقي المناهج الغربية التي انبهرنا بها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ثم واكبنا هذه المناهج في تدريسنا لها ، وفي التعامل معها سواء في تحليل النصوص للطلبة أو في تعاملنا معها في تجربتنا البحثية، وتكمن أهمية هذه المناهج في كونها أمدتنا بالآليات العلمية والمنهجية لمقاربة النصوص وفهمها بطريقة مغايرة عن التي كنا تعلمناها في الثانوي حيث كنا نعاين النصوص الشعرية معاينة شكلية أو سياقية، لننهي المعاينة بالحدث عما أراده الشاعر، وعن صدق عاطفته. والمنهج السيميائي شأنه شأن المناهج المحايثة والتي تركز على شكل النص وطريقة تشكل المعنى فيه، يضمن للنص بأن يقرأ باحترام، وأن يتعامل معه القارئ كما هو ولا يسقط عليه أشياء من خارجه ليرغمه على قولها، كما أنها تعلم القارئ بأن يستعمل طاقاته الفكرية في البحث وتقصي طريقة تواجد الكلمات مع بعضها البعض، وكيف تبنى وما هي التشاكلات التي تقيمها وشبكة الصور،، الأمر الذي يجعل هذا القارئ يبذل جهدا مضاعفا في فهم العلامات اللغوية وطريقة تشكلها، وفهم المعاني المرتبطة بهذه الطريقة أو تلك في التشكيل، ومن ثم القيام بعمليات تأويلية لاكتشاف دلالات والوقوف عند المقاصد والأنساق المضمرة التي وجهت عملية إنتاج النصوص، وهذا هو الجديد في السيميائيات التي نراها تغير من آلياتها في كل مرة ومع كل نص ومن هنا نفهم عدم وجود منهج سيميائي بعينه ماعدا السيميائيات السردية التي حدث فيها أيضا نوع من التطور بدءا من توظيفها في الكشف عن العواطف والأحاسيس وغيرها من الأنظمة العالمية الأخرى التي تنشأ في العالم ومن حولنا وخاصة مع تطور التكنولوجيات الجديدة وما تسفر عنه الثقافة السائلة من أنظمة جديدة وشفرات وعلامات تتعقد يوما بعد يوم. فالسيميائيات كعلم عام للعلاءات تراجع تنفسها باستمرار بما يقتضيه هذا التطور الكبير، ولذلك آلياتها تتغير وتتطور، ونراها تلتقي اليوم مع مناهج أخرى بل تسهم في مناهج البحوث المرفية والدراسات الثقافية والتداوليات وغيرها.

من هنا جاءت أهمية النظر في الدور الذي لعبته الرموز الدينية في القصيدة العربية المعاصرة

المجلة الثقافية الجزائرية: «أبجدية القراءة النقدية» و «مشروع البعث والانكسار في الشّعر العربي المعاصر»«أثر الرمز في بنية القصيدة المُعاصرة» كل تلك الكتب وغيرها كانت تدعو وتسير على التأطير والتأصيل للمنهج الأدبي السيميائي في الدراسة للنصوص الشعرية والقصصية والروائية وصُنع الرؤية النقدية العميقة … كيف طورت الدكتورة آمنة بلعلى من أدواتها النقدية كي تستطيع التفاعل مع المنتجات الأدبية للشعراء والروائيين وأصحاب القصة؟

الدكتورة آمنة بلعلى: هذه الكتب في الحقيقة هي مشروع واحد، يتعلق بالبحث في كيفية تعامل شعراء الحداثة الشعرية العربية مع التراث الديني، بنصوصه ونماذجه بدءا من منظر الحداثة أدونيس إلى السياب وعبد الصبور وخليل حاوي، وماهي الطرق التي أعادت هؤلاء الشعراء إلى التراث الديني ، والظروف السوسيو ثقافية التي وجهت اهتمامهم للتفاعل مع النصوص الدينية، للتعبير عن مقاصد معينة، في فترة تعتبر من أهم المراحل في الثقافة العربية، حيث شهدنا نشأة حركة الشعر الحر، وحركات التحرر العربي، وتنامي الأمل في الخلاص والانبعاث من جديد لكن ما لبث هذا الحلم أن انحسر مع بداية الستينيات لتكون نكبة 1967 نقطة تحول أخرى، سمحت لهؤلاء الشعراء باستثناء السياب الذي توفي قبلها بأن يراجعوا أحلامهم ويسائلوا تاريخا بأكمله فأعادوا قراءته ليبحثوا عن الأسباب التي جعلت العرب ينتقلون من نكسة إلى أخرى، ومن هنا جاءت أهمية النظر في الدور الذي لعبته الرموز الدينية في القصيدة العربية المعاصرة.  وفي فترة لاحقة وجدت أن هذه التحولات كان لها الأثر نفسه على الروائيين الذين توجهوا بعد النكبة إلى الرجوع أيضا إلى التراث كالتاريخ والتصوف لاستثماره في تأثيث عوالمهم السردية. ولعل هذا ما سمح لي بتطوير آلياتي النقدية فانتقلت من دراسة الشعر واستلهام الأسلوبية والتناص إلى علم السرد الذي قادني إلى الاهتمام بالرواية فيما بعد.

أكدت أن النص الشعري غير قابل للإجتزاء ولا للتعامل الشكلي

المجلة الثقافية الجزائرية : «خطاب الأنساق: الشعر العربي في مطلع الألفية الثالثة- 2014» البحث الذي حاز على المركز الثالث وجائزة نادي الباحة الأدبي في المملكة العربية السعودية … يقوم الكتاب على الانتقال من خطاب النسق الأحادي إلى خطاب مركب متعدد هو خطاب الأنساق الذي يفرض على الإنسان العربي والشاعر العربي الانخراط في معرفة مركبة يفرضها النموذج العولمي، لذلك عمدت الباحثة على تطبيقه على الشعر العربي المعاصر وذلك من خلال عدد من القضايا.. أولاً : نبارك للأستاذة الدكتورة / آمنة بلعلى على فوزها بجائزة المركز الثالث وتكريمها من قبل نادي الباحة الأدبي منطقة الباحة في المملكة العربية السعودية . ثانياً: عرضتْ الدكتورة في الفصل الأول من الكتاب إلى كيفية تعاطي النقد العربي مع الشعر العربي وطارحة البديل الذي ترتضيه وضعية الثقافة الجديدة وعرضت فيه نموذجين لتلقي الشعر هما الأستاذ عبدالله العشي من الجزائر،والدكتور عبدالمحسن القحطاني من السعودية فأين تقف بقية النماذج ؟ وكيف يمكن فتح آفاق واسعة وجديدة للنقد الأدبي ؟

الدكتورة آمنة بلعلى: في كتاب خطاب الأنساق تعرضت إلى نماذج مختلفة ، وقد ذكرت على سبيل التمثيل عبد الله العشي من الجزائر وعبد المحسن القحطاني من السعودية، لأنني عبرت من خلال تحليل نص مديح الاسم للعشي عن دور التأويل كبديل للدراسات المحايثة، وأكدت أن النص الشعري غير قابل للإجتزاء ولا للتعامل الشكلي الذي يفرغه من طاقاته الجمالية، ومن شعريته، وأما حديثي عن القحطاني فقد أوردته في إطار الحديث عن القضية نفسها والمتمثلة في أن التعامل مع النصوص الشعرية والولوج إلييها من داخلها وليس من المناهج، هو الذي يمكننا من فهمها ومعرفة القوانين التي تحكمها، ولذلك قد نصل إلى النتائج نفسها التي نجد أصحاب النظريات والمناهج قد توصلوا إليها وهذا ما وجدته فعلا لدى القحطاني الذي يلتقي مع طروحات كثير من النقاد الغربيين ، على الرغم من أنه انطلق من معاينة الشعر السعودي وليس من المناهج المعاصرة. وهناك نماذج أخر ى يمكن أن تعالج في سياقات أخرى ولذلك فهذان النموذجان وغيرهما من النماذج الأخرى الموجودة في الكتاب من شعراء وشاعرات العرب تستجيب إلى الهدف الأساس من الكتاب وهو طبيعة الشعر العربي في مطلع الألفية الثالثة لا غير.

الهايكو، شكل شعري ياباني، كان ولا يزال تعبيرا عن دهشة الياباني أمام عناصر الطبيعة التي لا ينتبه إليها

المجلة الثقافية الجزائرية: في دراسة (الأدب الرقمي وما يعرف بالهايكو) ماذا نعني بهذين المصطلحين النقديين؟ وما الأدوات التي يجب أن تتوفر لدى القارئ أو الناقد حتي يحسن الفهم والوعي بالهايكو؟ وما حقيقة الهايكو العربي؟ ومن رواد هذا النسق؟ وما تقييمكم للتجربة العربية فيه؟ وما مدى صحة المقولة: «إذا قرأتم هايكو ولم تصل لكم أي عاطفة على الإطلاق، لا تلوموا أنفسكم، ولا الشاعر، بل المترجم». ؟

الدكتورة آمنة بلعلى: الأمر يستدعي أن نفصل بين المصطلحين، فالأدب الرقمي مصطلح ارتبط بشكل جديد من كتابة الأدب في الغرب، فرضته ثورة التكنولوجيا، على بعض الكتاب الذي أنتجوا نصوصا فرضتها مسايرتهم لاستراتيجيات الحاسوب والبرامج الأنترنت، وكتب فيه نصوص وتنظيرات حاول بعضها النظر إلى هذا النوع من التخييل على أنه امتداد للأدب الغربي، على الرغم من اخلاف الحامل المادي الذي هو الحاسوب والتقنية والرقمية، ويبدو هذا الأمر طبيعيا لديهم لأنهم ينتجون التكنولوجيا وهي التي تخلق هذا التعامل الجديد معها، ولذا يبدو استجابة لحاجاتهم وظروفهم السوسيوثقافية، الأمر الذي لا نجده لدينا نحن العرب ، بحيث لا زلنا نسعى إلى التقليد، وكان الأدب الرقمي عندنا هو جزء من هذا التقليد، ولذلك نلاحظ وعلى الرغم من الرواج الذي نراه في المدة الأخيرة من خلال الاهتمام به لدى طلاب الدراسات العليا، إلا أنه يبقى ظاهرة في طور التشكل والتجريب ولم يصبح ظاهرة عامة تسمح لنا بالتنظير لها ومعاينتها في كليتها وفي الركام الذي تحققه في الوطن العربي ككل وليس في بلد دون آخر، وأعتقد أننا سننتظر وقتا أطول لكي يفرض نفسه مثلما فرضت الرواية والشعر الحر نفسيهما في الثقافة العربية. أما الهايكو، فهو كما يدل عليه اسمه شكل شعري ياباني، كان ولا يزال تعبيرا عن دهشة الياباني أمام عناصر الطبيعة التي لا ينتبه إليها وهو أيضا في تطور وتغير من حيث الموضوعات التي أصبح الياباني يندهش أمامها اليوم والتي لم تعد الطبيعة فقط، وقد تم استيراده إلى الثقافة العربية بدءا من تسعينات القرن الماضي لدى محمد الأسعد من فلسطين وعذاب الركابي من العراق ثم عاشور فني من الجزائر، وكلهم عبروا عن أهمية هذا الشكل الجديد في إثراء الثقافة الشعرية العربية المعاصرة مع فرق واحد، وهو أن محمد الأسعد دعا إلى ضرورة الالتزام بشكله وقوانينه كما وجدت لدى اليابانيين في حين يرى الركابي وفنيّ أننا نمتلك في ثقافتنا ما يشبه هذا الشكل، ولذلك أقرا بأحقية كتابة هايكو سمّاه الركابي “هايكو عربي”. ولكن يبقى هذا النوع من الشعر أيضا مثل الأدب الرقمي نوعا من التجريب الذي يقع على هامش القصيدة والأدب العربي، وعلينا أن ننتظر لكي يشكل طاهرة قبل أن نحكم على أهميته.

المتخيل  يرتبط ارتباطا وثيقا بضرورات الذائقة الأدبية

المجلة الثقافية الجزائرية : كِتاب «المُتخيّل في الرّواية الجزائرية» جاء إجابة عن هاجس دفعني إلى مُناقشة قضايا تتعلّق بالرّواية الجزائرية من خِلال جوهر العمل الإبداعي فيها ألاّ وهو المُتخيّل الّذي يمكن أن أختصره في عبارة بسيطة هي الخصائص التي تجعل من الرّواية عَملا إبداعيا وتُضيف قيمةً للمشهد الثقافي، وإذا كان هناك من فضلٍ في هذا الكِتاب فأعتقد أنّه يتمثّل في إثارة بعض الأسئلة التي تُطرح عند كلّ حديث عن الرّواية الجزائرية ( د. آمنة بلعلى ) ….يقول آلان روب غرييه :
إن” الرواية الجديدة هي كتابة غرضها تغيير نظام الكتابة السردية٬ باعتبارها نظامًا بنيويا تأويليًا كذلك٬ أي البحث عن صيغة جديدة لكتابة العالم واﻹنسان” ويرى ميشال بوتور إنه “في وقتنا الحاضر، لا وجود لشكل أدبي يتمتَّع بالقوّة التي تتمتَّع بها الرواية، إذ إننا نستطيع أن نربط بها، بطريقة دقيقة كلّ الدقّة، بالعاطفة أو بالعقل ، ولا شك في أن تعبير “الرواية العربية الجديدة يحيلنا مباشرة إلى مقولة “الرواية الفرنسية الجديدة” ما مدى التناص ما بين الرؤية للرواية العربية الجزائرية والرؤية للرواية العالمية
وهل الصورة الروائية اليوم تصور واقع الناس الحالي أو تقترب منه ؟

الدكتورة آمنة بلعلى: المتخيل كما أوضحت يرتبط ارتباطا وثيقا بضرورات الذائقة الأدبية حتى وإن كان نابعا من طريقة تمثل الروائي للواقع، و كثيرا ما نجد الرواية والأدب بصفة عامة يعكس ظروف مرحلة معينة، وتحولات المجتمع السوسيو ثقافية، ولذلك تبقى مسألة تقسيم الأعصر الأدبية صالحة وكذا تاريخ الأدب حتى وإن كان هناك من يرى بأن الرواية ليست انعكاسا للواقع وقد يعبر الروائي عن قضايا لا علاقة لها بالمرحلة التي وجد فيها وهذا الأمر صحيح لدى البعض ممن يعتقدون بالتجريب الشكلي، ولا يؤمنون بوظيفة الرواية، وهمهم الوحيد هو كيف يقلدون هذا الروائي العالمي ويتفاعلون مع نصوص كتبت أساسا لتعبر عن حاجات نفسية واجتماعية وذائقة وحساسية معينة، وعلى الرغم من أن التناص طاهرة مرتبطة بعملية الإبداع ولا يوجد نص دون أن يكون محملا بآثار نصوص سابقة أو متزامنة معه، فإن تعمد روائيين لاختيار نصوص دون أخرى يدخل في صميم الرؤية التي انطلقوا منها والمقاصد التي أرادوا إبرازها، والرواية الجزائرية شأنها شأن الرواية العربية نشأت تأثرا بالثقافة الغربية ، وتلبست بلبوساتها الشكلية وتناص أصحابها مع الروايات العالمي، ولكنها كانت ولا تزال تتعاطى مادتها وموضوعاتها من هموم المثقف العربي في علاقته بمجتمعاته وقضاياه الثقافية والسياسية والاجتماعية وحتى المصيرية، وأعتقد أن الرواية العربية قد كانت ولا تزال لسان حال الشعوب العربية في نكساتها وصراعاتها اليومية وفي مجابهاتها للهيمنة السياسية التي لا تزال تكبح التحولات الحقيقية نحو التحرر والتغيير في العالم العربي.

الصراع بين الشعر والنثر قد حسم في الثقافة العربية

المجلة الثقافية الجزائرية: الاهتمام بالنقد والتخصص فيه لا شك أنه يصنع تصوراً خاصاً ورأياً مختلفاً عن ما يُدرس من المناهج والمدارس النقدية فكيف ترى أستاذة الأدب والنقد هذه المدارس الأدبية المختلفة والمتباينة في نماذج الأدب العربي المعاصر ؟وكيف ترى القصيدة في الشعر العربي اليوم وهل الصراع بين محبي الشعر والنثر ( القصة والرواية ) ما زال قائماً ؟ وما مدى تأثر المتلقي بالأجناس الأدبية المختلفة ؟ وهل هناك مقاربات بين الشعر العربي بين الأقطار كما تحدثتي عن مقارنة ومقاربة بين الشعر الجزائري والشعر السعودي ؟ وهل نستطيع القول أن لدينا : مدرسة أو منهج نقدي عربي خاص بنا ندرس النصوص الأدبية بناءً عليه وهو ملزم للجميع ؟

 الدكتورة آمنة بلعلى: يبدو أن أمر الصراع بين الشعر والنثر قد حسم في الثقافة العربية كما حسم الأمر أيضا في الصراع بين القديم والحديث ، لأن هناك واقع اقتضى من المبدعين العرب أن يهتموا بالرؤى لا بالأشكال، والدليل عودة القصيدة العمودية اليوم وفي شكل حداثي لا نكاد نفرق بينها وبين القصيدة الحرة أو النثرية إلى في كونها تحمل رؤية شعرية هي الرؤية المجازية للكون، أما دور القارئ ، فليس مرتبطا بانتشار هذا الجنس الأدبي أو ذاك بقدر ما هو مرتبط بواقع وبموجهات تروج لهذا الجنس كما هو الحال في قضية الجوائز الخاصة بالرواية والتي ساهمت في ارتحال كثير من الشعراء إلى كتابة الرواية، وهو أمر مرتبط بوسائل الإعلام أيضا وبطبيعة السوق الذي يظهر فيه الشعر أو الرواية ومدى صمود الكتاب والنصوص، وصمود الذائقة أيضا، وهذا أمر طبيعي ففي كل عصر نجد هيمنة لجنس أدبي على آخر دون أن يعني ذلك وجود صراع حقيقي، كما قد يتعايش أكثر من جنس دون أي إشكال، فالأدب إذن مرتبط بالثقافة وهي التي تسمح للأجناس الأدبية بالانتشار، أو التقهقر، كما أن المؤسسة السياسية تلعب دورا كبيرا في الترويج لمبدعين وأجناس على حساب أخرى. ولذلك نجد النقد اليوم يهتم بالأدب من مختلف الأقطار العربية جزائرية أو سعدية أو عراقية وخاصة أمام وسائل التواصل التي سمحت للمبدعين بالترويج لأدبهم وتسهيل عملية اقتناء نصوصهم. على الرغم من أننا للأسف لم نستطع أن ننشئ مدرسة ولا منهجا نقديا يستجيب لهذا الكم الهائل من النصوص التي تكتب في الوطن العربي.

المجلة الثقافية الجزائرية : من خلال المشاركات المختلفة والإصدارات الأدبية هل الشعر و النثر والنقد اليوم بخير؟وهل استطاعت المرأة الشاعرة والناثرة والناقدة أن تنقل الصورة كاملة لبنات جنسها وتتعايش مع همومهن وآمالهن؟ وهل لكم دراسات أو بحوث في المرأة الشاعرة والقاصة ؟

الدكتورة آمنة بلعلى: نعم كتبت عن شعر النساء وعن رواياتهم ولكن ليس من منظور ما يقال عنه إنه أدب نسوي، لأنني لا أومن إلى بصفة الأدبية، دون اعتبار من يكتب رجلا كان أو امرأة إلا في حدود ضيقة جدا كنت قد حاولت إبرازها يوما حين تحدثت عما يمكن تسميته التصور الأنثوي في إبداع النساء لكن تراجعت عنه لاعتبارات تتناقض مع مفهوم الأدب ذاته، وخشية أن يوقعني البحث في الخصوصيات في شراك الحركات النسوية التي أعتقد أنها يفضل أن تحيّد قضية الإبداع من مطالبها الاجتماعية، أو الجندرية، لأنني أعتقد أن الإبداع لا جنس له، فهو تعبير عن رؤية كلية تتجاوز الخصوصية والتجزيئية التي قد توقعنا فيها الحركة النسوية وهي تسرب مطالبها إلى الأدب والنقد.

المجلة الثقافية الجزائرية : تنوع وسائل التواصل الاجتماعي وسهولتها في إيصال الفكرة والقصيدة والمقالة وأثرها على المتلقي كيف ترى ذلك الدكتورة ؟ وهل ساهمت في صناعات متلقي جديد ووسعة دائرة التأثير ؟

الدكتورة آمنة بلعلى: لا شك أن التكنولوجيات الجديدة بوسائطها المختلفة وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا كبيرا في تحرير الأدب والنقد من الرقابة التي كان يعانيها خاصة مع الأنظمة الشمولية، فسمحت لكثير من الكتاب بأن يتواصلوا مع قرائهم رغم بعد المسافة ، ومنحت القراء من مختلف الحساسيات والإيديولوجيات واللغات أن يطلعوا على نصوص، لم يحلموا أبدا بالاطلاع عليها أو التعرف على أصحابها، وهذا هو الجانب الإيجابي لوسائل التواصل الإجتماعي التي أوصل نصوصا جيدة كثيرة إلى القراء، لكن ساهمت أيضا في إيصال نصوص رديئة، والمؤسف أنها نجحت في إقناع كثير من القراء أنها نصوص جيدة، لاعتبارات شخصية وإيديولوجية ولعدم وجدود قارئ نخبوي وناقد حقيقي يستطيع أن يمارس وظيفته الموكلة إليه أصلا والمتعلقة بتقييم هذا النص أو ذاك وإبداء الرأي بكل حرية، مثلما كان يحدث في الكتب، فالشللية والجهوية والعنصرية والقطرية ساهمت سلبا في ظل هذه الوسائل في الترويج لأدب لا علاقة له بالأدب.

المجلة الثقافية الجزائرية: يعيش العالم اليوم جائحة (كوفيد 19) كورونا وقد تركت أثراً كبيراً في سكان الأرض ..فهل لها من إيجابيات على الحركة الأدبية والنقدية ؟ وكذلك هل لها آثار إيجابية على المجتمعات؟ والمنتجات الثقافية ؟ وكيف ترين المستقبل بعد الجائحة ؟

الدكتورة آمنة بلعلى: الجائحة حدث غير عادي، فرض نفسه، وله آثاره السلبية اجتماعيا واقتصاديا كما يعلم الجميع، وسيكون له دون شك أثر على الأدب والنقد، وهذا ما كان يحدث في العالم مع كل الجوائح والحروب والمجاعات والنكبات التي حدث في العالم، ولذلك يبدو طبيعيا أن الحجر الصحي الذي فرض على الأدباء سيوجه حتما طرائق التعبير وموضوعات الكتاب، وهو ما بأنا نلاحظ نتائجه فيما كتبه مثلا واسيني الأعرج، مع متتبعي وسائل التواصل الإجتماعي أثمر عن رواية رمادة،وهذا يعني أن الأحداث مهما كانت درجة وطأتها على الكتاب ، فإنها ستسفر بالضرورة عن رؤية مغايرة في الإبداع إن لم تكن ي الشكل ستكون في الموضوع. أما عن المستقبل، فيمكن التبؤ به من خلال الآثار النفسية والاجتماعية والسياسية والدولية التي يعيشها العالم اليوم، وبما أن أزمة كورونا لم تنته بعد، وهي قابلة للتحول إلى شيء آخر، فمن المؤكد أيضا أن يكون لها تأثرات على الأدب والنقد والفلسفة والفن بصفة عامة.

المجلة الثقافية الجزائرية : ما الطموحات والمشاريع التى تعمل عليها الدكتورة هذه الأيام في مجال التخصص والأدب والنقد …وسوف ترى النور قريباً ؟

الدكتورة آمنة بلعلى: لدي مشاريع لم تكتمل، أحدها متعلق بالأدب الرقمي، الواقع والرهانات والثاني مرتبط بتحولات القصيدة العربية المعاصرة والآخر بالرواية العربية، أتمنى أن يوفقني الله في إتمامها.

المجلة الثقافية الجزائرية : ونحن نصل إلى نهاية الحوار، نرغب في كلمة ختامية لكم .
الأستاذة الدكتورة آمنة بلعلى : شكرا لكم على هذه المحاورة على الرغم من أن الأسئلة المتعددة في السؤال الواحد لم تسمح لي بالتركيز على ظاهرة محددة المعالم ، ولكن أتمنى أنني أبديت وجهة نظر عامة فيما طرحته من أسئلة تعبر فعلا عن شغف كبير بقضايا الأدب والنقد في وطننا العربي .

 
*شاعر سعودي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “الدكتورة آمنة بلعلى للمجلة الثقافية الجزائرية”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الرحلة الممتعة في السيرة الذاتية الكريمة للأديبة الأستاذة الدكتورة آمنة بلعلى
    رحلة ممتعة حقيقة هذه الشخصية العظيمة والبسيطة في نفس الوقت المرأة المليئة بالنظرة النقدية الجمالية والتي لا أظنني أشبع من كلامها عندما أسمعها وأشاهدها تتحدث في الأدب وعن الأدب والنقد والمدارس النقدية وتقديم وعرض تخصصها في السميائيات والحركة النقدية في عوالم الحداثة وما بعدها .
    نحن حقيقة أمام كنز ثمين وخزانة علم وامرأة من عالم خاص ونوع فريد تحمل العلم والفهم والعمق والأسلوب الرصين والحجة الظاهرة والطرح البديع إنها الأكاديمية الممتعة والمبدعة والأستاذة الدكتورة آمنة بلعلى.
    شكرا شكرا لكم د. آمنة بلعلى على كل ما تقدمينه للطلاب والطالبات والناس والحركة الثقافية الجزائرية العربية. وشكرا لكم على هذه المقابلة الفارهة في جمالها ومعانيها .
    شكرا شكرا للمجلة الثقافية الجزائرية الإلكترونية على نشرها هذا الحوار الجميل والذي يعد وثيقة علمية وشهادة حضور .
    محبكم وأخوكم أبوعبدالرحمن
    الشاعر السعودي الدكتور
    سالم بن رزيق بن عوض.

  2. سلام من الرحمن موصول
    شكرا لكم علي هذا الحوار القيم والشيق والمفيد صحبة الباحثة الدكتورة الناقدة المتميزة آمنة بلعلي . لفت انتباهي عمق واصالة الناقدة الأكاديمية والتي تتجلي في اهتماماتها البحثية ومواكبتها للحركة النقدية .منذ كتابها الأول الصادر عن ديوان المطبوعات الجامعية ابجدية القراءة النقدية وتحليل الخطاب الصوفي
    الي اصداراتها الاخيرة المنصبة حول النقد الثقافي واشكالاته المتعددة
    شكرا للمجلة الثقافية علي هذا الحوار وغيره من الحوارات التي دأبت علي تقديمها للقراء.والتي تعبر بحق عن الاهنمام الكبير بالثقافة والمثقفين
    شكرا للأستاذة آمنة بلعلي علي جهودها ومساهماتها الطيبه في الدراسات الادبية علي المستوي العربي.والنقد الاكاديمي في الجزائر
    💐🙏.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق