ثقافة المقال

راهن ثقافة الطفل في الجزائر

بقلم: بشير خلف*
لمّا نتكلّم عن ثقافة الطفل في أيّ مجتمع، لا بُدّ من طرْح هذه الأسئلة بدْءا:
ـ ما نوْع الثقافة السائدة في المجتمع؟
ـ هل هناك إجْماعٌ حول هذه الثقافة من أغلب مكوّنات المجتمع؟
ـ ما هي الوسائل التي يستخدمها المجتمع في تثقيف أبنائه؟

ـ ما الموارد المرصودة لذلك ؟ قيمتها ؟ كيفية إنفاقها؟
ـ أية وسائل تثقيفية بغضّ النظر عن مضمونها، تجذب الطفل أكثر؟ وبالتالي تؤثّر في قيمه، وسلوكه، ومفاهيمه، ونفسيته، وباختصار في شخصيته ككل؟
إن إجابة علمية دقيقة تحتاج إلى أرقام وإلى إحصاءات لمعرفة مدى تقبّل الطفل واستجابته لوسيلة من وسائل التثقيف. ويمكن أن تتغير النتائج تبعا لتغيّر المجتمعات والبيئات… فمن البديهي ألاّ يكون الكتابُ الأكثرَ إسهاما في تثقيف الطفل، إذا كانت نسبة الأمية مرتفعة مثلا. وهناك مَنْ يرى أن عزوف الكبار عن القراءة في مجتمعنا العربي مردّه بالدرجة الأولى، إلى أنّ عملية تنمية الميول القرائية لم تتم أثناء الطفولة.
إن الأرقام والإحصاءات والتحاليل المعمّقة التي تستند إلى الواقع تنعدم في بلادنا ما عدا التي يُـصْدرها بين الحين والآخر المجلس الاقتصادي والاجتماعي كما أشرنا سابقا والتي تركّز على وضعية العمالة أو مستوى الفقر لدى الطفولة بالجزائر. ونظرا لانعدام هذه الدراسات، كيف ينتج المجتمع الجزائري ثقافة الأطفال ؟
في أغلب بلدان العالم فضلاً عن الهيئات والمؤسسات في المجتمع المدني التي تهتمّ بالطفل، من حيث تلبية حاجاته البيولوجية والنفسية والاجتماعية والمعرفية بدرجة أكبر ؛ فإن هناك هيئات ومؤسسات رسمية وظيفتها الأساسية العمل على تثقيف الطفل وتمكينه من استعمال وسائل التثقيف ، ومساعدته على التفتح والاتصال مع مكوّنات المجتمع ، ومساعدته على الترفيه حتى يتمتع بطفولته من ناحية ، وينعم بحياته الحاضرة ، ويُعدُّ للمستقبل في آنٍ واحدٍ . إن مسؤولية تنشئة الطفل في أغلب هذه المجتمعات وكما أسلفنا فضلا عن مؤسسات المجتمع المدني تتقاسمها العديد من الوزارات والهيئات الرسمية. ولا تنعدم في هذه الدول مديرية خاصة تابعة لوزارة الثقافة تهتم بثقافة الطفل.

طفولة محرومة من الوهج الثقافي !!
الطفولة ببلادنا محرومة من التغذية الثقافية رغْم حاجتها الملحّة لذلك، ورغم إجماع كل المفكرين وعلماء النفس والتربية على أن صلاح الأمم وإصلاحها يبدأ من الطفولة التي هي أساس شخصية الإنسان . إن أيّ تفريط أو تهاون في ذلك يؤدّي إلى انضمام أفراد غير أسوياء ، يشكلون خطرا على أنفسهم وعلى المجتمع في مرحلة فتوّتهم أوّلا ثمّ خطرا حقيقيا على مجتمعهم فيما بعد .. وواقع مجتمعنا في راهنيته يؤيد قولنا هذه . الجريمة المنظّمة والغير المنظّمة تجتاحنا اليوم في عقْر دارنا وما خلا منها موقعٌ من هذا الوطن ..أبطالها وبكلّ أسفٍ ومرارةٍ أبناؤنا مراهقين ، شبابا هم نتاج تربيتنا وثمرات تثقيفنا .
الطفولة إنْ لم نلتفتْ إليها بجدٍّ وبوعْي أخلاقي وديني، وحضاري أيضا فإنها ستضيع منّا نهائيا ولا أخالنا متجنّين على واقعنا إذا قلنا أنها بدأت في الانفلات منّا . وقد نبّهنا إلى ذلك رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم إلى ذلك بقوله الخالد : ” يُولدُ المولود على الفطرة فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصّرانه .”
نحن نُحْسِنُ التأسّف على المآل الذي نرى فيه الميئات من فتياننا وفتياتنا وننسى أن ” الطفل أرضٌ نزرع فيها ما نشاء ، وورقة بيضاء نكتب فيها ما نشاء ، وإن مسؤولية الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي كبيرة جدّا في تنشئة طفل اليوم ..رجل الغد . وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
وينشأُ ناشئ الفتيان منّا على ما كان عوّده أبـــوهُ
ورغم وعْي أغلب البلدان في عصرنا الحاضر لمكانة الطفل في بناء الأسرة من حيث هي الخلية الأساسية في كل مجتمع ، وأن سلامة المجتمع تبدأ بسلامة الطفل ..هذه السلامة تستند إلى التربية الصحيحة والتنشئة المتينة المرتكِزة على الهوية والأصالة من ناحية والمعاصرة من ناحية أخرى . في بلادنا لا تتعدّى هذه التنشئة ما تقوم به الأسرة والمدرسة .لا توجد ببلادنا هيئات ومؤسسات قد تؤدّي نفس الدور أو حتى القليل منه ..
ثقافة الطفل موازاة مع ما تقوم به المؤسستان السابقتان ما زال يشوبها التردّد إنْ لم نقل التجاهل وازدراء الإنسان الجزائري لمنْ أقلّ منه حتى ولو كان من صُلْبه ..هذا الازدراء والتجاهل يغلب الاتفاق عليه ويُمارسُ عمليا في كل المؤسسات التي تتولّى مهمّة التربية والتنشئة بدءا بالأسرة إلى أعّلى مؤسسة في المجتمع .وكأن الجميع اتفقوا على تطبيق ذلك المثل الجزائري : ” شبّع وطبّع ” ومعناه أطعمِ الطفلَ حتّى يشبع ، ثم أبْعدْه عنك حتّى لا يُقْلقك ويزعجك وتنعم بهدوءك وراحتك ، نلاحظ هذا لدى الكثير من العائلات الجزائرية أثناء القيلولة ، وأثناء تناول مائدة الإفطار في شهر رمضان ، ووجود ضيف في المنزل .
ووصل الأمر في هذا المجال أيضا بالعديد من الأُسر إلى ترقّب الدخول المدرسي بفارغ الصبر ..حيث المدرسة ستخفّف عنهم عناء تواجد الأبناء في البيت ، المهمّ التخلّص حتّى ولو برمي هؤلاء الأطفال في الشارع الذي لا يرحم ؛ وكأن دوْر الوالدين في هذه الحالات يقتصر على التغذية الجسمية ويتكفّل الشارع بالباقي من رعاية وتكوين متمثّلٍ في رصيد لغوي وألفاظ جديدة يوميا من قرناء مختلفي اللسان والسلوك وهي في مجملها نشازٌ وتتنافى وما نريده للطفولة. لا نبالغ إذا قلنا هذا البعض من حال الطفولة عندنا ، سيّما في أيام العطل الأسبوعية وفي العطل المدرسية قصيرها وطويلها . واقعٌ مؤسف للطفولة نلاحظه في أحيائنا وشوارعنا وأزقّتنا ، تشابهت الصور في المدينة والقرية.
إنْ قلنا بأن الطفل الجزائري في السبعينيات والثمانينيات كان محظوظا وهو يجد بين يديه مجلاّت طفولية يستقي منها المعارف ، ويوسّع مداركه مُضافة للكتاب المدرسي وشبه المدرسي والموسوعات الأدبية والمعرفية المختلفة بأسعار في متناول الجميع يوم أن كانت الدولة تدعّم الكتاب ، وكان الشعار المرفوع يومذاك : القراءة للجميع ..إجراءات أعطت ثمارها ؛ من تلكم المجلاّت :
مجلة ” أمقيدش ” وهي مجلّة مصوّرة عامة صدرت عن الشركة الوطنية للنشر . واسم ” أمقيدش ” هو شخصية شعبية أسطورية معروفة في بعض مناطق الجزائر تتميّز بصفات شبيهة بشخصية ـ جحا ـ في الأدب العربي . هذه المجلة تنوعت بين المناسبات الوطنية الدينية ، ورسائل الأصدقاء ، وبين القصة المصورة و التسلية والترفيه وصفحة للنصائح ، وركن من أعلام العرب ،وغيرها من الأركان القارّة والمتغيّرة .برزت المجلة في النصف الأخير من عقد السبعينيات وتُعتبر من أهمّ المجلات الوطنية الطفولية نظرا لعمرها الطويل من ناحية وانتشارها في أوساط الأطفال والشباب . عدد صفحاتها كان يتراوح بين 16 إلى 20 صفحة .
مجلة ” طارق ” أصدر ها المتحف الوطني للمجاهد ، وهي مجلة مصوّرة كانت تصدر مرّة كل شهرين ، وأغلب مواضيعها تهتمّ بتاريخ الجزائر ومعارك شعبها ضدّ الاحتلال ، مع بعض الأبواب الخفيفة كالنُّكت والقصص الفكاهية والمغامرات المصوّرة .
عدد صفحاتها كان 42 صفحة .
مجلة ” ابتسم ” أصدرتْها وزارة الريّ واستصلاح الأراضي وحماية البيئة سنة 1977 ، وهي مجلّة شهرية مصوّرة كانت تسعى إلى توعية الأطفال والشباب والمواطنين بمشاكل البيئة ، وتوجيههم نحو احترام الطبيعة ومعاملة الحيوانات بلُطْفٍ ومحبّة ، شعارها ” ابتسمْ ..تبتسمْ لك الطبيعة ” صفحاتها 24 صفحة .مجلة متخصّصة في موضوع الطبيعة والبيئة ، وكانت تستعمل القصص الجميلة المزيّنة بالرسوم الكاريكاتورية والألوان لتبليغ توجيهاتها ورغباتها في حماية البيئة والمحافظة على الطبيعة من مغامرات الإنسان الجهول .
مجلة ” الشبل ” أصدرها قسم الكشّافة بالاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية . اهتمّت بمجال الكشافة من قانون الكشاف وفنّيات الاكتشاف ، والتربية الأخلاقية والعلمية ..ومماّ كانت تتميّز به عن غيرها من المجلاّت الطفولية أن مواضيعها من إنتاج العناصر الكشفية أنفسهم .
مجلة ” جريدتي ” كانت تصدرها الشركة الوطنية للنشر والتوزيع بعد أنْ كانت أحدثت قسما خاصّا بأدب الأطفال ، وهي تُعتبر أرْقى من مجلة ” أمقيدش” بشكلها ومحتواها وخاصة بنوعية الأطفال القُرّاء الذين تتوجّه إليهم ، وهم الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 و16 سنة .
مجلة ” رياض ” تاسّـست سنة 1984 ضمن منشورات مجلة ( الوحدة ) اللسان الرسمي لاتحاد الشبيبة الجزائرية ..توقفت عن الصدور لفترة امتدّت ما بين 1987 وأبريل 1992 لتلبس حُلّة جديدة حيث اعتنت كثيرا بالجانب التثقيفي للطفل ، كما أن التعاون بينها وبين قرّائها الصغار أسفر عن اقتراح مجموعة من الأركان الجديدة تناسبت مع ملكاتهم الفكرية وحاجاتهم الحياتية وأذواقهم . ثم إن أغلب صفحاتها وُظّفت للثقافة والمعارف المخصّصة لعلم الطفولة في شكل حكايات ، ونوادر ، وطرائف …فضلا عن المراسلات والتعارف والاستفسارات والقصص التي يبدعها الأطفال بأنفسهم.وهناك مجلات أخرى كانت تصدر في حُلل تراوحت بين القوة والضعف وبدورها ما فتئت أن توقّفت عن الصدور مثل مجلة ” الشاطر الصغير ” ، مجلة ” المثقف “، مجلة ” السندباد “، لكن هذه الدوريات لم تحافظ على استمرارها لعدّة أسباب من بينها التكلفة المرتفعة ، وسوء التوزيع ، وعدم دعْم أيّ هيئة رسمية لها كوزارة الثقافة أو وزارة التربية لهذه المبادرات ..وبالنسبة للكُتّاب الذين التفتوا للكتابة للطفل فهم كُتّابٌ شعراء وقصّاصون معروفون سعوْا بجدّ وبإخلاصٍ إلى إثراء مكتبة الطفل .. لكن في كل الحالات كانت مبادرات فردية ليس إلاّ ، وطالما أنها حُرمت من التشجيع المادي والمعنوي ، واحتضان الاِنتاج وتوزيعه على نطاق واسع كي يصل طفل الجزائر في كلّ مكان ؛ فإن تلك المبادرات توقّفت .
في تلك المرحلة أيضا كانت سوق الكتاب ببلادنا عامرة بكتاب الطفل الذي كان يصل من البلدان العربية المعروفة بحركية الكتاب والمجلة وطبعهما ونشرهما كلبنان، ومصر، والعراق بصفة خاصة الذي كانت النشريات والمجلاّت والكتب ، خاصة كتب الأطفال منه تتدفّق إلى كل البلاد العربية ومنها الجزائر .
في الجزائر الآن لا تصدر ولا مجلّة مختصة في ثقافة الطفل ..ما عدا تلكم المجلات التي تظهر بين الحين والآخر في المؤسسات التعليمية ، صدورها واستمرارها كما هو معروف مرهونٌ بإمكانات المؤسسة ، وعادة ما تركّز على مواضيع ذات علاقة بالمنهاج التعليمي ، فلا تدخل ضمن المجلة التثقيفية العامة . وبالرغم من ذلك فإن أهمّيتها تأخذها من أنها وسيلة تربوية ناجعة لتعويد التلاميذ على الكتابة بصفة عامة ، وعلى المحاولات الإبداعية في الأجناس الأدبية بصورة خاصة ، ومطالعة الكتب ، وتتبع النشاطات الثقافية داخل المؤسسة التربوية وفي المؤسسات الأخرى المجاورة ..وفوق كل ذلك فالمجلة المدرسية وسيلة فعّالة للنقاش الفكري والأدبي ، وتبادل الأفكار والآراء والتجارب بين التلاميذ والطلاّب ، ونافذة على الآخر .
في الإعلام المكتوب لا تزال صحيفة ” الأحرار ” اليومية تصدر ملحقها الأسبوعي ” الأحرار الصغار ” وهو ملحقٌ أسبوعي يصدر كل يوم إثنين ، يتضمن قصصا أدبية وتاريخية مصوّرة وأركانا للتسلية والترفيه .
لا توجد ببلادنا وزارة أفردت هيئة أو مديرية لثقافة الطفل، لا وزارة الثقافة التي من واجبها ذلك ، ولا وزارة الشؤون الدينية التي من واجبها تخصيص مديرية تهتمّ بتهذيب الطفل وتربيته التربية الروحية في إطار العناية بكتاب الله .. ما عدا وزرة الشبيبة والرياضة التي خصصت هيئات متخصصة لتوجيه الأحداث والمعالجة النفسية لجنوح الفتيان والفتيات ..كما أن وزارة التربية خصصت مديرية هي ” مديرية الأنشطة الثقافية والرياضية والنشاط الاجتماعي ” من مهامها الحثّ والتوجيه على النشاط الثقافي والرياضي ، ونشر المطالعة ، والتشجيع على المنافسات العلمية والفكرية، والمهرجانات الوطنية في الأنشودة المدرسية، وكذا المسرحية المدرسية ، وتنظيم المسابقات في الرسم ..كل هذا في المؤسسات التعليمية . بطبيعة الحال هذه الأنشطة الثقافية والرياضية في كل صورها مرهونة بمدى وعْي مسؤولي التربية والتعليم المحليين من جهة ، وبالدعم المالي المتوفّر وبكفاءة الإطارات ومدى تحمّسهم لهذه النشاطات التي غالبا ما يُنظر لها على أنها نشاطات تربوية ثانوية غير أساسية ، فهي مكمّلة فقط ..وبالتالي نتائجها التثقيفية غير مؤكّدة في جميع الحالات .
مصادر التثقيف للطفل الجزائري راهنا تنحصر في دوْر الأسرة ، المدرسة ، الكشافة ( في إطارٍ ضيّقٍ ) ، بعض الجمعيات المهتمة بالطفــولة ( إطار محدود )، أدب الطفل ، الموسوعات المعرفية والعلمية ، الوسائط التثقيفية الحديثة المرتبطة بعالم المعلوماتية وهي ليست في متناول كل الأطفال .. ثمّ المجتمع وما يمور به من تناقضات وصراعات أفقية وعمودية .
ومن الجدير بالذكر أن نضيف إلى هذه الوسائل وسيلة تثقيفية هامّة جدّا ، غير أنها ليست في متناول كل أطفال الجزائر بسبب محدودية النُّـسخ المرسلة إلى بلادنا من ناحية ، وعدم توزيعها لكل الولايات ..تواجدها محصور في بعض المدن الكبرى ، ومن يحرص على اقتنائها باستمرار وجلْبها من هذه المدن ، أو من بلدٍ شقيق مجاور عليه أن يدفـع السعر مضاعفا .. إنها مجلة ( العربي الصغير ) من دولة الكويت ، وكذلك مجلة ( المزمار )، ومجلة ( ماجد) من دولة الإمارات
الطفل في بلادنا ..هل له الحقّ في الثقافة ؟
إننا متأخرون، بل متقاعسون في العمل الواعي المستند إلى التخطيط المرحلي في وضْع اللبنات المتينة لتثقيف أبنائنا الثقافة التي تُكوّنهم ، وتصونهم ، وتحميهم ، وترفع مستواهم المعرفي ..لقد رسخ لدى أغلبنا أن ما تقوم به المؤسسة التعليمية هو الكلّ في الكل .
” ورغم الوعْي المتأخر بما لثقافة الطفل من أهمّية قصوى في بناء شخصيته وإعداده لمواجهة تحدّيات الحياة، وتنشئته بشكل إيجابي سليم، فإن التوجّه إلى الاهتمام بثقافة الطفل ما زال يشوبه التردّد حينا والضعف أحيانا. إنْ هي إلاّ مبادراتٌ محتشمة تجد صداها في إنشاء وزارة الثقافة لجائزة سنوية في أدب الأطفال مؤخرا لتشجيع الكُتّـاب على ذلك أو في صميم اهتمامات بعض المسارح المحترفة والفرق الهاوية بإنتاج عروضٍ للأطفال ، وقد نجد مثل هذا الاهتمام على شكل مبادرات فردية في بعض المؤسسات التربوية أو المراكز الثقافية ودُور الشباب، أو في صميم اهتمامات بعض الجمعيات الثقافية أو في بعض الحصص والبرامج الإعلامية ، أقلّ ما يُقال عنها أنها قليلة لا تُلبّي حاجيات الأطفال وكثيرا ما نجدها هزيلة تتميّز بالارتجالية وفقدان الاحترافية في ظلّ غياب المتخصّصين والأكاديميين .
وإذا كان الزمن اليوم للعوْلمة التي حوّلت العالم إلى قرية صغيرة ، بل عمارة واحدة ، من حقّنا أن نتساءل عن موقع الطفل الجزائري في طوابق هذه العمارة ؟ ..بماذا سلّحنا أطفالنا من إنتاج ثقافي يمكّنهم من مواجهة تحدّيات العصر ؟ وإنّ هذا السؤال ينسحب على الكتاب والمجلّة والحصص التلفزيونية ، والإذاعية ، والأناشيد ، كما ينسحب على العروض المسرحية الموجّهة للأطفال . ”
يبدو لي أنّ حظّ الطفل الجزائري من وسائل التثقيف والتعليم ، وظروف التنشئة واهتمام الأسرة بذلك سيّما في التعليم خلال السبعينيات والثمانينيات كان أحسن بكثير ..كما تجلّى ذلك أيضا في البرامج الإذاعية والتلفزية ، والمجلّة الموجّهة له خصّيصا وتنوّع كتب أدب الأطفال
في اعتقادي الشخصي واعتمادا على الخبرة والمعايشة الميدانية في قطاع التربية لفترة تقارب الأربعَ عقود ، أن التثقيف الأول للطفل الجزائري مصدره الأسرة ..الأسرة بكل قيمها ومستواها المعيشي والثقافي ، ومكانتها ، وسُلّمها الاعتباري في المجتمع ..
إن الأسرة الجزائرية وإنْ تغيّر ظاهرها الخارجي نتيجة المعاصرة ، إلاّ أن الباطن لا يزال تتغلّب عليه السلطة الأبوية من ناحية، والنظرة إلى المرأة والطفل نظرة دونية ..وبالتالي فكل تنشئة وتثقيف مساره عموديٌّ وليس أفقيا.
وبالرغم من ذلك فالثقافة التي تُنقل عبْر مؤسسة الأسرة لها الحظّ الأوفر في الاستمرار والرسوخ في دمْغ الشخصية ..ومهما قيل في ضخامة دور الأسرة أو ضآلته ، وفي حجْم أهميتها في التنشئة والتثقيف ، فلا بدّ من الإقرار بأن للأسرة دورا تتفاوت حدّته وفعاليته ..وقضية التثقيف والتهذيب مرتبطة بمشاكل مثل : الأمية ، والفقر ، وافتقار الأسرة الجزائرية للثقافة النفسية وللدراية بأحوال الطفل ومراحل نموّه ، وحتىّ وإن توفّرت هذه لدى البعض القليل من الأُسر ، فلا يُنتفع بها واقعيا في تربية الأطفال وتثقيفهم لكوْن الوالديْن غالبا ما يكونان عامليْن وغائبيْن طوال النهار ، فيُوكل الأطفال إلى غيرهما وتكون النتيجة عكسيا ..ممّا يؤدّي في النهاية إلى أن تلعب الأسرة دورا مُسيئا للطفل ولِطاقته ، ومعوّقا لقدراته الخلاّقة المبدعة .

*أديب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق