قراءات ودراسات

موت الكلاسيكيات: لماذا يندثر الأدب؟

بقلم: جوزيف لوزي – ترجمة: تغريد احجول
لماذا تستمر بعض كلاسيكيّات الأدب بإدهاش القارئ بينما يبقي البعض الآخر على الأرفف يجمع الغبار؟ تفوق جيوسيبي فيردي (مؤلف موسيقي إيطالي) في مدحه لرواية المخطوبون (1827) لألساندرو مانزوني حيث قال بأنها كانت بمثابة “هدية للإنسانية.” هذا الكم من المديح لم يحدث حتى في عصرنا الحالي الذي يتصف بالمديح المبالغ به للكتب..

لم يكن فيردي هو الوحيد الذي مدح الرواية، فقد مدحها الكثيرون، لكنه تفوق بمدحه على الجميع، كون مازوني يحتل المرتبة الثانية بعد دانتي في التاريخ الأدبي الإيطالي.

نظيرا مازوني؛ غوته وستندال احتفلا بعبقريته، بينما قال الناقد جورج لوكاس أن “المخطوبون” كانت لوحة عالمية كاملة لايطاليا لدرجة أنها أرهقت موضوع الرواية التاريخية. رواية مازوني متواجدة بقوة ومنتشرة في جميع أرجاء إيطاليا، وقد علّق أمبيرتو إيكو بقوله: “كل الإيطاليين تقريبًا يكرهونها لأنهم أجبروا على قراءتها في المدرسة.”

في عام 1860، عيّن مازوني عضوًا في مجلس الشيوخ من قبل الحكومة الإيطالية. كما كرّس فيردي عمله الموسيقي “قدّاس الموتى” لمازوني في ذكري وفاته الأولى.

إذا لماذا يهتم قلة من الناس خارج إيطاليا بأعمال مازوني، أو بالأحرى لماذا يهتمون أكثر بكثير بكتب أخرى كتبت في نفس الفترة تقريبًا وتتمحور حول نفس موضوع؟

فمثلًا؛ كتاب كارلو كولودي هو أحد أكثر الكتب مبيعًا على الإطلاق، إذ يحكي قصة دمية تحلم بأن تصبح فتى حقيقي.

أظهرت الباحثة سوزان ستيوارت شتاينبرغ أن بينوكيو، في نضاله لتأكيد فرديته ضد الرغبات المسيطرة للعالم الخارجي، مثل الطفل الإيطالي النموذجي في الدولة التي شكلت حديثًا: ظهر الكتاب لأول مرة بعد عشرين عامًا من التوحيد.

هذا يتشابه مع مازوني في روايته “المخطوبون”، التي تحكي بدورها قصة شخصيتين فقيرتين إيطاليتين تقليديتين، هما رينزو ولوتشيا اللذان يعانيان لكي يتزوجا ويبنيا حياة كريمة معًا في ظل عدم المساواة بين الطبقات الاجتماعية، الاحتلال الأجنبي وسيطرة الكنيسة.

لكن هنا يصل التشابه إلى نهايته: رواية مازوني تروّج الإيمان المسيحي الذي تتم مكافأة أتباعه المستسلمين لحكمة الرب. في قصة كولودي، بالإضافة إلى استكشاف محنة الإيطاليين في أمتهم حديثة الولادة، يفسر كيف يتعلم الأطفال شق طريقهم في مجتمع الكبار.

إرث مازوني قويّ جدًا في إيطاليا، لدرجة أن كتابه سيبقى يُقرأ دائمًا هناك. لكن يختلف الحال خارج إيطاليا؛ فالقراء الفضوليون للمعرفة عن دمية كولودي المنحوسة ذاتهم من المرجح ألا يغيروا رأيهم أبدًا بعالم مازوني المسيحي البحت.

هذا التباين بين كتاب كلاسيكي دائم الشهرة وآخر بالكاد يُقرأ؛ يبيّن أن المفتاح لديمومة شهرة العمل هو المصطلح الخطير: العالمية. لكننا نتحفظ ببعض الشكوك تجاه هذا المصطلح، لأن الكلمة تؤول إلى تعزيز مجموعة ما على حساب الأخرى، ما يفترض أن ينطبق على كل شيء في كثير من الأحيان لا ينطبق إلا على مجموعة معينة، تستمر في الحديث عن الآخرين.

مع هذا ما زالت تلعب عناصر وتجارب معيّنة دورًا أساسيًا في حياتنا: الوقوع في الحب، السعي وراء حلم ما، والانتقال أيضًا؛ مثلما انتقل بينوكيو من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة.

الكتب الكلاسيكية التي تبقى تُقرَأ هي الكتب التي تظل مواقفها ومواضيعها ذات صلة مع مرور الوقت؛ تلك هي المعجزة التفسيرية التي تتميز بالشفافية التي تجعلنا نشعر كما لو أن القصص والقصائد و المسرحيات كتبت لنا.

كتب بيرسي بيش شيلي مدافعًا عن الشعر، أن الأدب العظيم هو”نافورة تفيض للأبد بماء الحكمة والبهجة، وبعد أن يرهق شخص واحد وزمن واحد كل فيضانها الإلهي، ينجح واحد تلو الآخر وتتكون علاقات جديدة”. فهم شيلي بأن بعض الأعمال لديها قدرة سحرية لمقاومة الانغلاق؛ تقرؤنا كما نقرؤها تمامًا، برفع الحجاب عما هو مهم وجوهري في حياتنا الفردية خاصة و عصرنا عامة. كل كتاب عظيم هو “البذرة الأولى التي تحتوي على جميع شجر البلوط المحتمل”، المعنى الذي نستنتجه من الأدب يتغير مع الوقت، مع أن الكلمات الموجودة في الصفحة تبقي كما هي.

أحيانًا نبحث عن معنى غير موجود حقًا، على الأقل ليس بالطريقة التي يعنيها الكاتب.

في 1756؛ صرح فولتير “لا أحد يقرأ لدانتي بعد اليوم”، وبالفعل عصر التنوير لم يكن لديه وقت لرموز دانتي الدينية والعقيدة المسيحية. أوشك دانتي على سلك طريق المخطوبون لمانزوني: رواية كلاسيكية كانت في يوم من الأيام محبوبة ويطلع عليها باحترام لكن اليوم نادرًا ما تقرأ.
عد ذلك أتى الرومانسيون، وأعادوا اكتشاف دانتي محتفين بشخصيته الفردية و بطولته؛ تلك الصفات التي أقرها في (الجحيم) عاد ليرفضها في( الجنة). لكن هذا لم يعن شيء للرومانسيين الذين أخطؤوا قراءة دانتي بطريقة إبداعية وبهذا جعلوا منه الجوهرة الأدبية التي هو عليها اليوم.

اشتهر عن مازوني إعلانه أن “المخطوبون” قد تصل فقط “لخمسة وعشرين قارئ”، لتصبح فيما بعد كنز وطني.

عدم قدرته على جذب جمهور غير إيطالي لم تكن نتيجة لقلة جودة الرواية، بل لطبيعته، تساؤلاته وأفكاره التي ببساطة لا تروق للجمهور العصري. ليس هناك عمل فني بإمكانه توقع المستقبل، لكن يتفوق البعض في استقطاب قراء من كافة الأنواع والأزمان.
فشل مازوني في ذلك بينما آخرون مثل كولودي ينجحون. رواية مانزوني مفعمة بالإيمان المسيحي الذي هو على خلاف مع عالم علماني بشكل متزايد. بينما يركز كولودي على المعاناة الداخلية للأطفال في أرض الكبار.

دافع وليام إدوارد بورغاردت دو بويز (عالم اجتماع وناشط سياسي أميركي من أصول إفريقية) عن ضرورة تعليم الفنون الليبرالية للأمريكيين الأفارقة المحررين مؤخرًا، قائلًا: “لم تظهر ملامح الوجع أو الخجل على وجه شكسبير وأنا أجلس معه.”

قرون تباعد دو بويز عن شكسبير، لكنه بالرغم من ذلك وجد فسحة عالمية في مسرحيات شكسبير مثل هاملت وماكبث؛ حيث يمكنه أن يستكشف إنسانيته المشتركة معها، واستنتج أن أعظم دفاع للكتب الكلاسيكية هو أن نظل نقرؤها ونسمح لها بقراءتنا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق