قراءات ودراسات

نصف قرن على محمّد بن العابد الجلَّالي صاحب أوّل ديوان شعر للأطفال في الجزائر

أ. عبد الله لالي

في الذكرى الخمسين لوفاة أحد أقطاب التربية والتعليم والإصلاح في الجزائر والتي تمرّ بنا خلال هذه الأيّام ( 02 فيفري 1967 م ) ؛ لابدّ من رفع القلم وتسطير كلمات خجلة ، تحيّة لهذا العَلَم المبرز، وتمجيد ذكراه الطاهرة. هو رجل من الطراز الأوّل مربّي مخضرم خاض غمار التربية والتعليم في عهد الاستعمار وعهد الاستقلال، من ملازمي الشيخ عبد الحميد بن باديس القدامى الأفذاذ ، كاتب وصحفيّ وشاعر وأديب وكشّاف ( الشيخ الروحي لابن مهيدي ) ومناضل ومجاهد ، ومن الذين يشار إليهم بالبنان..

ولد الشيخ محمّد بن العابد الجلّالي في 1890 م ، نشأ وترعرع بمسقط رأسه ( أولاد جلال بولاية بسكر حاليا ) حيث حفظ القرآن الكريم وتلقّى مبادئ اللغة العربيّة ، وتبحّر في علوم العربية على يد عدّة شيوخ أجلاء ، ثمّ اتصل بالشيخ عبد الحميد ابن باديس ولازمه مدّة طويلة ، ثمّ عينه الشيخ عبد الحميد ابن باديس مدرّسا بالمدرسة الحرّة بالعلمة ( سطيف ) عام 1925 م ، وعندما اندلعت الثورة التحق بها وقد تجاوز الستين من عمره ، وألقت عليه القوات المحتلة الغاصبة القبض ، وتمّت محاكمته وحُكم عليه بعشر سنوات سجنا.. فواجه المحاكمة بصلابة ورباطة جأش. [1]

وواصل مسيرة جهاده في ميدان التعليم حتى عام 1965 م إلى أن توفي عام 1967.

قال عنه الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي: ” الأستاذ محمد بن العابد من قدماء تلامذة الأستاذ ابن باديس ومن بواكير النهضة الأدبية. أديب مشرف على الكمال، كاتب جزل الأسلوب، متين التراكيب، وفيّ للقواعد المقرّرة، مشرق الديباجة، سلس المعاني، وصّاف لخفايا النفوس ومساوي الاجتماع، شاعر رصين الشعر على إقلاله منه، باشر تعليم النشء الصغار من سنين، فحذق أساليبه وتمرّس به، فاكتسب الدأب والصبر والجلد، وله في تربية الصغار وتحبيب العلم إلى نفوسهم طرائق نفيسة هو فيها نسيج وحده، وهو الآن من الأعوان المعتمدين للشيخ ابن باديس على التعليم “.

ويقول عنه الأستاذ فوزي مصمودي في كتابه ( تاريخ الصّحافة والصّحفيين في بسكرة وإقليمها ):

“.. إضافة إلى عضويته بجمعيّة العلماء فقد انضمّ كذلك إلى حركة انتصار الحريّات الديمقراطية وشارك في الثورة التحريريّة رغم شيخوخته ! وفي عام 1955 م ألقي عليه القبض وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، فقال مقولته الشّهيرة مخاطبا أعضاء المحكمة من الفرنسيين” ومن زعم أنّكم ستظلّون هنا طوال العشر سنوات الآتية !! “[2]

هذا الأديب المصلح والمربّي كان بين عينيه طول عمره همّ تربية النّشء وإعداده إعدادا صالحا أصيلا، وراعه وهو يدرّس تلاميذه أن يراهم يترنّمون بالأناشيد الفرنسيّة إذ أطربتهم وخلبت ألبابهم ، فاستنكر ذلك عليهم ، ونهاهم عن ترديد أغاني المحتلّ الغاصب ، فتصدّت له فتاة جريئة وقالت:

  • وماذا نُنشد يا أستاذ ..؟

وكأنّما أثارت أشجانه وحرّكت الساكن من موهبته ، فآلى على نفسه أن يكتب لأطفال المدارس جملة من الأناشيد الجميلة التي تكون بديلا وتعويضا لهم عمّا كانوا يترنمون به من أناشيد المحتلّين الظالمين ، وكان هذا الدّيوان الصّغير في الحجم الكبير في الفائدة والمنفعة.. وكان ممّا كتبه متأثرا بتلك الحادثة أنشودة ( أرينا الغزال[3] ) ، التي سنذكرها فيما بعد ومطلعها:

أرينا الغزالا * * يجوب التلالا.

هو ديوان بعنوان ( الأناشيد المدرسيّة  لأبناء وبنات المدارس الجزائريّة [4]) ، يتألّف من إحدى عشرة أنشودة طبع عام 1358 هــ/ 1939 م بتونس ، ويعدّ أوّل ديوان مطبوع للأطفال باللغة العربية في الجزائر ، إذ لم يسبق أحدٌ محمّد بن العابد الجلّالي في طبع ديوان شعر للأطفال..

ووجب إلقاء نظرة فاحصة على أناشيد هذا الدّيوان القيم ، الذي كان بمثابة النّبع الزلال في صحراء العطش والجفاف التي ألقى المحتلّ البغيض أبناء الجزائر فيها. وعلى ست عشرة صفحة توزّعت هذه الأناشيد الإحدى عشرة ، وهي على التوالي: ( نشيد الأطفال / نشيد الفتى / نشيد الفتاة / زلت يا عهد الشّقاق / نشيد افتتاح المدرسة للبنات / للبنين / نشيد رواية البعثة / يوم محمّد صلّى الله عليه وسلّم / فخر الشباب / ليلة المختار / محادثة بين فتيات أربع ). وأغلب هذه الأناشيد تتراوح بين ستّة أبيات وأربعة عشر بيتا ، عدا أنشودة ( ليلة المختار ) التي أثبت منها ثلاثة مقاطع في أربعة عشر بيتا ، لكن بعد كلّ مقطع يكتب عبارة ( الخ ) ، وكأنّ الأنشودة هي أكثر من ذلك واكتفى المؤلّف بإثبات نماذج منها في الدّيوان ، وهذا ما يوجب على الباحثين السّعي إلى البحث عن بقيّة هذه المسرحيّة وإخراجها للنّاس حتّى تكمُل الفائدة والنفع بها ، بل ندعو إلى ضرورة طبع الدّيوان كاملا مرّة أخرى بعد أن مضى على طبعته الأولى ما يقارب الثمانين عاما ، الأمر الذي قد يجعله يصنّف ضمن الكتب المخطوطة..

وإذا تأمّلنا هذه الأناشيد نجدها كلّها ذات طابع تربوي تهذيبي كما أراد لها المؤلّف أن تكون ، وقد راعى فيها الجنسين البنات والبنين ، كما راعى فيها الخفّة والسهولة حتى يسهل على التلاميذ حفظها والتّرنّم بها ..

ففي الأنشودة الأولى مثلا وهي بعنوان ( نشيد الأطفال ) يقول :

نشاطنا مجدّد  * * وسيرنا مسدّد

بنا البلاد تسعد * * ويتجلّى نور الأمل

للوالدين برّنا * * وللكمال سيرنا

بالاجتهاد نصرنا * * وبالعلوم والعمل

فهنا يراعي خفّة مقاطع الكلام ، فكّل بيت يحتوي على أربع كلمات فقط ، في كلّ شطر كلمتان، وذلك يسهل على الأطفال أمر حفظها وترديدها بسهولة ويسر..

وكتب للبنين أنشودة تحت عنوان ( نشيد الفتى ) قال فيها:

أفق البلاد زهرهُ * * نحن، ونحن فخرهُ

وطننا نبرّه * * نفوسنا له فدى

وكتب للبنات أنشودة بعنوان ( نشيد الفتاة ):

اطمئنّوا أني الفتاة * * يا قوم مبعث الحياة

ضمّوا بتثقيفي الشتات * * أن رمتم كشف الظلم

وألّف مسرحيّة شعريّة أثبتها في آخر الدّيوان سمّاها ( محادثة بين فتيات أربع ) وجعلها محادثة بدل أن يقول أنّها مسرحيّة ، ولعلّ مصطلح المسرح في تلك الفترة كان غير مستقرّ في أذهان المثقّفين.. ( وكانوا يطلقون عليها رواية أو رواية مسرحية )

وله أناشيد أخرى لم تنشر فيه في هذا الديّوان نذكر منها أنشودة ( أرينا الغزال ) ، وهذه أبيات من تلك الأنشودة الجميلة:

أريـنـا الغزالا يجـوبُ الــــــــــتِّلالا * * بصـبرٍ تـــــــــــــــــــوالَى لروعٍ جَفَلْ

أنـا الظبْيُ سِحْرا أنـــــــــا الثَّلْجُ طُهْرا * * أنـا الصـبْحُ بِشْرا للــــــــــــــيلٍ مُطِلْ

نَمَوْتُ كـنـبتِ لعبتُ كبنــــــــــــــــــتِ * * ورحت لـبـيـتـــــــــــــــــي كروضٍ حفلْ

طلعتُ هلالا ورمت كـمـــــــــــــــــالا * * وفضتُ نـوالا وكلّي أمـــــــــــــــــــل

وهي مؤلّفة من تسعة أبيات لطيفة رشيقة تناسب مستوى الأطفال والطلبة الصّغار فيتغنّون بها ويترنّمون في طلاقة ومرح ، ويدلّ اهتمام المؤلّف بهذا الجانب التربوي المغذي لحاجة ملحة في نفسيّة الطفل ، الذي يشغف بالإنشاد والأناشيد ، ويحبّ التغني بحلو الكلمات وعذبها ، يدلّ على بصيرة الأستاذ محمّد العابد ، ورؤيته الثاقبة إلى كيفيّة تهيئة الطفل وتربيته تربية صالحة نافعة ، وإعداده ليكون رجل المستقبل..

وقد حقّق الشيخ محمّد بن العابد الجلَّالي سبقا واضحا في طبعه لأوّل ديوان شعري للأطفال باللغة العربيّة في الجزائر، وإن كان صغير الحجم فهو جمّ الفائدة والنّفع. 

[1] – استقينا هذه المعلومات من كتاب ( تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة وإقليمها ) الأستاذ فوزي مصمودي ، ط الأولى ، ص 124 ، دار الهدى عين مليلة / الجزائر عام 2006 م ، ومن الموسوعة العالميّة الحرّة الإلكترونية.

[2] – الهامش نفسه.

[3] – ذكر ذلك الأستاذ فوزي مصمودي في كتابه ( أعلام من بسكرة ) الجزء الأوّل ص 77 / 78. عندما ترجم للأستاذ ابن العابد الجّلالي

[4] – أمكنني الأستاذ فوزي مصمودي ( مدير المجاهدين لولاية ببشار ) ، الصّديق المؤرّخ والكاتب الإعلامي من نسخة مصوّرة من هذا الدّيوان، وهي نسخة مهداة بخطّ يد المؤّلف إلى الأستاذ الأديب الشهيد أحمد بوشمال .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق