ثقافة السرد

أنا وهي والزمن طويل

هاجر الريسوني*
 تقلب على جنبه الأيسر، سحب الغطاء عليه، أغمض عينيه بقوة، حاول العودة لمنامه، ركز تفكيره على آخر مشهد ليتسنى له العودة بسلاسة، غير أنه أصيب بخيبة الأمل مثل كل مرة، لماذا يلازمه هذا الحظ العاثر في الأحلام والواقع؟ “حتى الأحلام تبخل علي بها ي، قولي فقط أين أذهب، كل الأبواب طرقتها، حتى باب الموت طرقته، لكن كل مرة كنت تعيدني لهذه الحياة الضنك.. لا تنتظر مني أن أغير العالم فلن أفعل، ولا تنتظر مني أن أشكرك على هذه الحياة، فأنت لم تقدم لي سوى روح جوفاء، حتى المرأة التي أحببت ُحرمت منها، إن كنت  امام امتحان  فاعلم أني سأرسب في الامتحان، الفقراء المساكين من طينتي   لا يُستجاب لهم، أما الأغنياء الذين لا يرفعون أعينهم للسماء إلا عندما يكونوا على مثن الطائرة، فيُمنحون كل شيء” 
رمى الغطاء من عليه، نهض بحركة سريعة، فتح النافذة، أخرج رأسه منها، ملأ صدره بالهواء، ثم أخرجه بتلذذ كأنه ينفث سيجارته، تأمل الشارع، كان فارغا من الباعة المتجولين على غير عادته، انتابه إحساس غريب بالنشوة، أخذ حماما باردا، ارتدى ملابسه وخرج بسرعة، مر على المقهى الشعبي الكائن في آخر الشارع،كان المقهى شبه فارغ إلا من بعض المتقاعدين الذين يقضون يومهم في لعب الورق، سحب كرسي ثم جلس، نادى على النادل
– سيمو فحال ديما
رد عليه صاحب المقهى الجالس على كرسيه الخشبي دون أن يرفع عينه
– حتى تخلص لكريدي لعليك بعدا
نظر إليه بامتعاض وتمتم
– عطاتك ليام وحكرتي عليا، لكن تفكر بلي زمان كيدور، ونهار ندير لعاقة السلام والله لقلتها ليك
جمع قواه، رمى بالكرسي متعمدا وخرج، لم يكن يعرف أين يذهب أ يعود للبيت أم يذهب للسوق المركزي، لو عاد للبيت ماذا عساه أن يفعل غير العودة للسرير، أو مشاهدة الأفلام، لم يعد يغريه قضاء الوقت أمام شاشة التلفاز كل الأفلام شاهدها مرات ومرات، ولو طلب منه إعادة تمثيلها، لأعاد مشاهدها بالتفاصيل المملة، لكن إذا قصد السوق، ربما صادف عجوزاً تريد من يحمل عنها أكياس التبضع، ومقابل خدمته هذه تجود عليه ببعض الدراهم، وقد تدعوه لفنجان قهوة أو لتناول الغذاء، مرارا صادف هذا النوع من الأشخاص الكرماء بالفطرة، تسدي لهم خدمة صغيرة ويجازونك بأكبر منها بخلاف صاحب المقهى البخيل.
أخيرا قرر الذهاب للسوق، لكن كلام صاحب المقهى ظل يتردد في أذنه، حتى لو كان سمعه مرارا، هذه المرة كان له تأثير قوي عليه،  في تلك اللحظة تمنى لو كان يملك بعض المال يسدد به ديونه، والباقي يشتري به بذلة أنيقة كالتي يمر بها المستخدمون في الوكالة البنكية المجاورة لمسكنه…آآآآآه لو كان والده هو صاحب الوكالة البنكية..أو هو نفسه صاحبها ..اصطرعت هذه الأفكار في  رأسه.. “أكيد لو كنت صاحب الوكالة سأبتدئ صباحي كل يوم، بتوزيع بعض المال على العاطلين عن العمل، ورواد المقاهي، وكل من لديه دين سأدفعه عنه، وكل يوم جمعة سأدعوهم لتناول كسكس ولبن، وفي العيد سأشتري لهم بدل أنيقة وجلاليب دافئة..”
منحته هذه الأفكار إحساس بالنشوة والسعادة والرضا، كم هو جميل مساعدة الناس ومد  يد العون لهم حتى لو كان عن طريق الخيال، لكن كل شيء قريب لماذا هذا التشاؤم، مهما طال الزمن سيصبح من أصحاب المشاريع هكذا كان يصبر نفسه…لكن للأسف نشوته هذه لم تكتمل دائما يتسلط عليه شيء يعكر عليه صفوه..لم يشعر بنفسه إلا وقدمه انتفخت واحمرت بفعل ارتطامها بحقيبة من حديد، صرخ من الألم، ثم اتبع صرخته بجميع أنواع الشتم والسباب، كأنه يعارك أحدهم..
انحنى على الحقيبة وعيناه متقدتان بالشر، حملها عليا كانت ثقيلة، كاد يرميها بعيدا، إلا أن فضوله منعه من ذلك، فعدل عن رميها في اللحظة الأخيرة، أعادها إلى مكانها، حاول فتحها، لكنها كانت مقفلة جيدا بأرقام سرية، كرر المحاولة إلا أنها باءت بالفشل، فكر في أخذها معه للبيت وفتحها هناك بالمنشار ربما كان بداخلها شيء مهم، أو ضاعت من أحدهم، فيعيدها له ويكافئه على حفظ الأمانة، خصوصا أنه نادرا ما يعيد شخص شيئا وجده صدفة لصاحبه.
عدل عن الذهاب للسوق المركزي، حول وجهته للبيت وهو يحمل الحقيبة فوق رأسه، كانت خطواته متسارعة، وكله فضول لمعرفة ما بداخل الحقيبة اللعينة التي حطمت أصابعه، أخذ عهدا على نفسه إن كانت لا تحتوي على شيء مهم، أن يقطعها بمنشاره ويوزع أجزاءها في شوارع المدينة.
وصل للبيت طلع السلالم بسرعة وهو يلهث، أدار المفتاح في الباب، وضع الحقيبة على الأرض، وذهب لجلب منشاره، جلس القرفصاء بجانب الحقيبة، ضغط عليها بيده ومرر المنشار من وسطها، إلى أن قسمها إلى شطرين، أزال الجزء العلوي، وجد ورقة فوق حقيبة أخرى داخل الحقيبة مكتوب عليها
– من وجد هذه الحقيبة أغناه الله.
لم يفهم ما القصد من الجملة، وضع الورقة جانبا، وفتح الحقيبة الثانية التي لم تكن مغلقة بأرقام سرية مثل الأولى، ما إن فتحها تفاجئ بوجود أوراق نقدية بالحقيبة، كانت كثيرة، ربما الحقيبة تحتوي على الملايين، صدم من هول ما يرى، لم يشاهد في حياته مثل هذا المبلغ، كان أكبر مبلغ حصل عليه في حياته هو 1000 درهم، عندما كلفه والده بشراء أضحية عيد الأضحى، فرك عينيه بقوة وعاد لفتحهما، كانت الحقيبة ما زالت أمام عينيه، والنقود  في مكانها، انتابه إحساس بالسعادة رفع عينيه للسماء، وقد أغرقت في دموعها وتمتم 
“يبدو أن الله منحني المال لأصبح أنا أيضا غنيا، لكني  لن أكون مثل الأغنياء وسأعبدك يا الهي أكثر من ذي قبل، وسأساعد المساكين مثلي”.
أغلق الحقيبة وحضنها، ثم أرتمى على سريره وأغمض عينيه، وشرع في التخطيط لمشاريعه الخاصة، والبيت الذي سيسكن فيه، والسيارة التي سيشتري، لكنه فكر أن أول ما يجب أن يقوم به، أن يذهب ويرمي لصاحب المقهى دراهمه، وينهي تلك المهزلة.
جمع قواه ونهض من فوق السرير بحركة بهلوانية، فتح الحقيبة وأخرج مبلغ ألف درهم، ارتدى معطفه، وتوجه نحو الباب، ما إن فتح الباب، تفاجأ بصوت والدته تصرخ
– نوض بركا من النعاس راه جوج هذي…لا كتاف دالخدمة لا وجه د سعايا
فتح عينه وهو مفزوع، اختلط عليه الحلم بالحقيقة، نظر إلى يده لم يجد الألف درهم، بحت عن الحقيبة لم تكون موجودة، لم يكن في الغرفة سوى والدته وهو
قالت والدته في عصبية بادية
– غملتي بالنعاس سيادك خدموا ورجعو ونتا باقي ناعس.
نظر إليها بحسرة وخيبة أمل، ثم أعاد الغطاء على رأسه ونام.
 
* كاتبة من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق