قراءات ودراسات

تحوّل الثوابت الجماليّة: فنّ الجسد / مارينا ابراموفيتش نموذجا

ياسمين الحضري اللّحياني*
تعدّدت المحاولات في إعطاء الجسد قيمة مغايرة تخرجه من كوابل وقواعد قديمة أسندت له، قيما جماليّة ترتبط ارتباطا وثيقا بالفنّي واعتباره دالاّ ثقافيّا منها الجسد الأنثوي المُربح في الإعلانات والفيديو كليبات، الجسد والإباحيّة، الجسد والعريّ وهي كلّها تصبّ في نفس المنحى ألا وهو استطيقا الصّدمة وكذلك مراجعة مفهوم “الجسد المقدّس” والمرور نحو الجراحات التجميليّة والفبركة والتشويه والتحوير. أصبحنا نتحدّث اليوم عن مناظرات شفويّة تخضع بدورها للمباشرتيّة أي الالتقاء وجها لوجه مع الآخر..

ثقافة الرّدّ والارتجال والعفويّة، تتأثّر فتخرج ما بقريحتك آنذاك تكون مشبعة بالدّلالات الأنثروبولوجيّة التي نجدها واضحة في الفنون الشعبيّة منها الشعر الشعبي وكذلك الفنون التشكيليّة التي تنبع من الذات المتأثّرة وخاصّة المنفعلة بما يدور حولها على جميع الأصعدة، فقد حدنا عن عصر التلقين وعصر المشافهة والحفظ فأصبحنا نتحدّث عن قدرة في الردّ والفعل فأن تردّ في الوقت وتصدم وتأثّر فأنت تفعل، ولعلّ الحريّة هنا تكون هي المحرّك الأساسي لتوليد الفعل والشّروع فيه ويبقى نيلها هو الهدف الأساسي إذ وصفها ديكارت على أنّها قدرة على فعل الشيء أو كذلك امتناع عن فعله ثمّ لتتوسّع وتصبح رفضا للخضوع والخنوع لإرادة شخص آخر أو سلطة ما لذلك فالشروع في الفعل يمرّ أوّلا عبر رفض وتنحّ عن سلطة أو دعنا نقول سلطات مختلفة فتكون الإرادة هي العامل الأساسي لبلوغها. لعلّ الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة تلتقي إلى حدّ ما مع مسار بحثنا هذا ذلك أنّها تدرس السلوك الانساني ضمن الإطار الثقافي والإجتماعي بشكل عامّ وتدرس الناس في أحداثهم وأفعالهم الحياتيّة فهل يمكن للتأثيرات الثقافيّة أن تنفذ إلى لباب الشّخصيّة وتعدّلها؟
إنّ التّغيّرات التي طرأت على المجال الفنّي سواء في الخروج عن دور العرض والتوجّه نحو الفضاءات المفتوحة والمواضيع الشّائكة والصّادمة المعروضة كلّها نفذت من مفاهيم وأفكار واستعانت باختصاصات وأطروحات نظريّة وجماليّة فأصبح المجال الفنّي يندرج بالضّرورة ضمن مجال معرفي لعلّ من أهمّه علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، علم الجمال وكذلك السّوسيولوجيا. إنّ الأنثروبولوجيا كعلم ثقافة المجتمع يدرسه من كلّ زواياه أخلاقه، عاداته، سلوكه، رموزه، علاماته كلّ شيء بالاعتماد على مخلّفاته الماديّة والحضاريّة ويكون الجسد هنا “جسد الإنسان” موطنا فكريّا باعتباره كيانا متعدّد الدّلالات والوظائف يخترق جملة من العلوم، من الفلسفة، العلوم الإنسانيّة دون أن ننسى علاقته بالأنثروبولوجيا “وإذا كان الجسد بهذا المعنى مفهوما ثقافيّا (بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة) فإنّ قابليته للتفكير الفلسفي النظري وللتّحليل الثقافي في الآن نفسه هو ما يؤكّد خصوبة البحث فيه والجدّة التي يمثّلها ذلك البحث” ومن هنا نجد أنّ الإنسان موضوع مشترك لعدّة علوم والجسد بدوره موضوع بحث تتقاطع فيه عدّة ممارسات علميّة، معرفيّة وحتّى الفنيّة منها كمنتج فكيف سيتحد كلّ من العضوي والنفسي في تحقيق وحدة الجسد؟
إنّ المسألة في ظاهرها بسيطة عندما نتحدّث عن علاقتنا الماديّة بأجسادنا إلاّ أنّ العمليّة في عمقها تبدو عسيرة تتطلّب ضرورة امتلاك لأدوات وفضاء حامل له ودالّ عليه باعتبار وأنّ الجسد منتج ثقافي، إيديولوجي، اجتماعي وتاريخي أيضا وهو “الكائن في العالم، ولكنّه المكوّن فيه والمتكوّن به، وهو الذي يكون باستمرار باعتباره حقيقة تدرك أكثر فأكثر كلّماكان هناك تشعّب أكثر في العالم” ، وقد أحاطت الجسد منذ القديم خطابات متعدّدة فكان سجنا لا خلاص منه إلاّ عند الموت مع أفلاطون أمّا أرسطو فكان يسعى إلى محاولة الرّبط بين النفس والجسد وتواصلت الاختلافات حول قضيّة الجسد مع الفلسفات المتعاقبة لكن مع المعاصرة فكان الأمر يتعلّق بالتّمييز بين الجسد البيولوجي والجسد الذّاتي نتيجة لتغّير الظّروف السياسيّة، الثقافيّة والاجتماعيّة وقد تغيّرت معه نظرتنا إزائه ولم يعد ذلك البعد القدسي قائما يربطنا به أو ذلك البعد الأخلاقي وتمّ استغلاله كمساهم في عمليّة الإنتاج والاستهلاك وأصبح علامة ورمزا للموضة وبعض الماركات التجاريّة. إنّ الأداء الفرجوي اليوم يعتمد بالأساس على الجسد الذي يحاور الأجساد الأخرى بصفة مباشرة وجها لوجه بعيدا عن حدود الخشبة وعراقيل الدّيكور وإكراهات الفضاء المسرحي فيصبح الجسد هنا عبارة عن شبكة من العلاقات والإشارات تجعله يعيش من الخارج الظّاهر كما الباطن على جميع المستويات سواء الثقافيّة الحضاريّة أو حتّى الإيروتيكيّة، فحين يمارس العريّ سلطته منذ الوهلة الأولى للعمل الفنّي “البرفورمونس” فذلك يجعل من العلاقة التي ستقوم بين الفنّان والمتلقّي هي التي تحكم العمل بأكمله وهو ما يسمّيه ياوس “بالتفاعل بين المتلقّي والعمل والحريّة المتاحة في تشكيل المعنى” . إنّه فعل يخترق المدركات يجعلك تنتقل من جسد لآخر بتدخّل المتلقّي ولعلّ تجربة الفنّانة “مارينا ابراموفيتش” “Marina Abramovic” ينقل لنا هذه العلاقة المرتبطة مباشرة بجسدها العاري والآخر خاصّة أمام جسد عهدناه محجوبا مستورا ومعتوما ليعطي رسالة مباشرة في تحرّره من الانعتاق والانكماش والانغلاق خاصّة “وأنّ الجسد البشري لم يكن أبدا عاريا بالكامل” كما يقرّ بارت. تبقى مارينا ثابتة بلا حراك وتتيح للمتفرّج حريّة التدخّل على جسدها العاري يفرض خطابا عامّا تتدخّل فيها ضوابط مختلفة تحكم هذه العلاقة من نوع ولون أو ربّما قضايا سياسيّة. إنّ العريّ هنا يتطلّب جرأة وشجاعة، مصالحة ووضوحا مع الجسد الذي يعيش لحظة قوّة آنذاك لحظة استعراض يقتحم الواقع والعالم ويفرض قوّته ونفوذه إنّها علامة من علامات القوّة التي تتحلّى بها هذه الفنّانة فكسرت الحاجز بينها وبين جسدها من ناحية وقطعت الصّمت بينها وبين الآخر من ناحية أخرى فمسرحت العريّ، كشفت وفضحت ما كان مخفيّا. خرجت بذلك من المعنى التقليدي للوحة “فالبرفورمونس” أو ما يعرف بالأداء الفرجوي يعتبر شكلا من أشكال تعابير فنون ما بعد الحداثة وفي هذا السياق يعرّفها فوستر على أنّها “عمليّة قراءة نقديّة للقوالب الجماليّة التقليديّة تمثّل قطيعة على مستوى الجماليات الشكليّة والمضامين الاجتماعيّة للفنون” . تتخلّص الفنّانة هنا من سجنها من مكبّلات كانت تقيّدها لعلّها في هذا الفعل الجريء الذي يحمل بعدا واحدا هو الإغراء خاصّة ونحن إزاء جسد أنثوي مكمن الرّغبة والشّهوة لكن فعل المتقبّل كان عكس ذلك فابتعد كلّ البعد عن هذا البعد الشهواني ومارس العنف الجسدي تجاهها فتعرّضت للحرق والنّدب وتمزيق لحمها بأدوات حادّة فهي ترى فنّها تقريبا كطقوس الأضاحي وقد تطوّرت مثل هذه الصّيغ الفنيّة مع السّتينات من القرن الماضي مع ظهور الفكر ما بعد حداثي تقدّم حالة معرفيّة ثقافيّة تسعى إلى إرساء مجتمع الاتّصال وإحداث القطيعة مع عدّة مفاهيم نفسيّة عميقة أهمّها مواجهة الآخر والتي بدورها كانت تكبّل بدورها القدرة على الخلق والإبداع أفرزت قطيعة ابستمولوجيّة أسّست إلى تحوّل في السلوكيات الفرديّة والاجتماعيّة لكن علينا أن ننتبه إلى أنّ الجسد يخضع لرقابة اجتماعيّة وضغط تولّدت وفقا لمعايير نشأته والتي غالبا ما تبدأ مع المجتمع المصغّر المتمثّل في العائلة ثمّ على نطاق أوسع.

تجربة التعرّف على تصرّفات البشر

تتعمّد الأعمال ما بعد حداثويّة في إحداث الصّدمة والتأثير على انفعالات المتلقّي حتّى في انعدام القيم مع بعض الأعمال التي تصل إلى مستوى العبث تلجأ بالأساس إلى أسلوب الإبهار والمبالغة في اختيار المواضيع الجريئة. يثير هذا العمل التّساؤل عن العريّ في الفنّ التشكيلي وهو ما يجعلنا نقارن بين المعاصرة والكلاسيكيّة التي طالما كرّست مفهوم النزعة الأيقونيّة ومعاداة الصورة وتحريم التشخيص كذلك ترجعنا للنّظر في هذا المفهوم في الحقب الزمنيّة المختلفة المتعاقبة باعتباره ضربا من ضروب الطّابوهات الدّينيّة والأخلاقيّة والحقيقة أنّ لهذا المفهوم تاريخ عريق فالإنسان ولد عاريا بطبعه ولعلّه الشّكل الوحيد الذي يرمز لإنسانيّة الإنسان بعيدا عن المظاهر وإجلاء للطّبيعة والحقيقة ويختلف الأخذ بالأمر من عريّ لتسليط عذاب وجلد أو أن يكون مرتبطا بالمقدّس ففي الحضارة الهنديّة يكون معظم رجال الدّين عراة وتتعدّد الأمثلة في سياقات مختلفة باختلاف الحضارة، الدّين والثقافة في إبراز مفهوم العراء بدعوى “أنّ الجسد البشري هو أكثر الأشكال جمالا وكمالا، ولهذا فلا يمكن أن نملّ من رؤيته.”
حقيقة أنّ هذه الأعمال ظلّت تحت سلطة التابو طالتها الرّقابة والمصادرة والنقد اللاّذع أمّا اليوم فنحن نتحدّث عن تجسيد حقيقي للعريّ عن الفعل ذاته والقدرة على التطبيق عن الجرأة والشجاعة وكسر القيود الإجتماعيّة والثقافيّة والأخلاقيّة كذلك في محاولة لخلخلة المنظور المثالي للجسد باعتباره دالاّ ثقافيّا يتعدّى العقلاني من خلال فعل الأداء الذي يرتبط تطبيقه بإدماجه في المجال النفسي فمخاطرة أبراموفيتش في تلقيها للعنف الجسدي من طرف الجمهور يعتبر سلوكا مرضيّا من جانب نفسي يتمثّل في قبول تشويه الذّات فتتحرّر إذن وتخرج المشهد من المشهد تفرغه من المتوقّع نحو اللاّمتوقّع لتصبح البرفورمونس بانوراما استقبال التحليل النفسي بامتياز تستوعب هول المواقف وغرابتها بين تخييل وتعجيب وتصديق وتحقيق في تعامل مباشر مع مواضيع محضورة كقدسيّة الجسد وإشكاليّة العريّ والانفعال واجب هنا اعتبارا لقيمته التي تعبّر مباشرة عن انتماء الإنسان للكون “إذ يهدم الإنسان فردانيته ليذوب في الكون” وينخرط في الممكن وفق قانون الإمكانيّة والتشبّث بالمستحيل وفي إبراز “الأنا أنا” في نظام “الهو” وبدون نظرة هذا الأخير لا نستطيع أن نكون وكأنّ كينونتنا لا تكون إلاّ باندماجنا وتكيّفنا مع أهواء الآخر لذلك فإنّ أغلب أشكال الفنّ المعاصر تستوعب هذه النظريّة في تكريس وانتماء هذه العلاقة بين الأنا والهو .

*باحثة في نظريات الفنون
مرحلة الدكتوراه بالمعد العالي للفنون الجميلة تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق