ثقافة المقال

الحب الإنساني

د. نيفين عبد الجواد

في عالم البشر لا يمكنك أن ترى نموذجًا واحدًا أو صورة واحدة لكل كائن بشري ولكل ما يحمله من صفات شكلية وجوهرية وسلوكية، بل إنك لابد وأن تقف متأملًا ذلك التنوع وهذا الاختلاف في الصورة والشكل واللون واللسان، ناهيك عن تنوع الجوهر البشري عقلًا ووجدانًا وما يترتب على ذلك من تنوع في السلوك ومن تنوع في التوجهات والأهداف والغايات والسعي، وذلك هو أكثر ما يمنح هذا العالم تميزه الخاص به والذي لابد أن يدعونا كي نقف لوهلةٍ ما متدبرين لعظمة خالق البشر جلَّ في علاه.
ومثلما تتنوع الهِبات العقلية وتختلف في درجاتها فإن الهِبات الوجدانية ليست هي الأخرى ذات مستوى ثابت أو ملامح جامدة يشترك فيها كل البشر بنفس الدرجة. فمستقبلات المشاعر الإنسانية ليست واحدة عند الجميع؛ وبالتالي فإن الاستعداد لاستقبال أرقى المشاعر الإنسانية ليس متوفرًا وبنفس الدرجة عند جميع الناس، شأنه شأن الاستعداد العقلي اللازم لاستقبال الأفكار والنظريات والبحث فيها.
وبما أنه هناك معايير لقياس الذكاء العقلي فإنه حتمًا هناك معايير لقياس الذكاء العاطفي والوجداني، والذكاء هنا يعني مستوى المقدرة ودرجة الكفاءة ومدى الاستعداد. وربما يتعجب البعض من ذلك الأمر خاصة إذا كانوا ممن يظنون إننا جميعًا لدينا نفس الاستعداد العاطفي والوجداني، ولكن هذا ليس صحيحًا تمامًا، إذ أن ذلك الاستعداد إن كان فيه جانب فطري وغريزي طبيعي فإنه أيضًا يتحكم فيه جانب آخر بيئي وأسري ومجتمعي تغرسه التربية وظروف النشأة وأحوال المعيشة وكل ما يحيط بنا من مؤثرات بصرية وسمعية وعقلية وشعورية وكذلك كل من يحيط بنا من أشخاص.
فأولئك الذين نشأوا على جميل المشاعر وكل طيب من الأحاسيس بالقطع ليسوا مثل من تلقنوا الفظاظة والغلظة والقسوة منذ صغرهم. فمن تربت عيناه على الجمال حتمًا سيرى جمالًا ما في كل شيء، أما من لم ير سوى القبح والرذيلة منذ نعومة أظفاره فلن يتمكن من إبصار أي شكل من أشكال الجمال حتى لو كانت عيناه سليمتين تمامًا.
ولأننا نختزن في ذاكرتنا كل ما نراه ونسمعه منذ أن تتهيأ ذاكرتنا للعمل، فإن كان مخزون سمعنا جميلًا فسنكون أكثر تذوقًا لكل صوت جميل وكل نغمة بديعة، وإن كان مخزون بصرنا جميلًا فسنكون أكثر استمتاعًا بكل صورة جميلة وأكثر استيعابًا لها، وكذلك إن كان لدينا مخزون كافٍ من المشاعر النبيلة والجميلة فستبدو واضحة فيما نبديه من حنان وعطف وحب ومودة للآخرين.
وهذا هو الحب الإنساني بمعناه الشامل والعميق، فهو ذلك المخزون من جميل المشاعر ورقيق الأحاسيس الذي يختزنه الواحد منا لمن يستحقه ويُقدِّره، وهو ليس ما نعرفه من حب الآباء والأمهات لأبنائهم، أو حب الأبناء لوالديهم، أو حب الزوج لزوجته أو الزوجة لزوجها، أو الحب المتبادل بين الأخوة والأخوات والأصدقاء والأهل والأقارب والجيران. وهو أيضًا ليس حب العاشقين بعضهم بعضًا، بل هو حب الإنسان لأخيه الإنسان، وكيف لا يحبه وهو بالفعل أخوه ومن دمه؟!
إن هذا الحب الإنساني ليس حب مصلحة أو منفعة أنانية أو حتى متبادلة، وهو ليس حب تدفع إليه رابطة الدم والقرابة. وهو أيضًا ليس ذلك الحب الذي تقع فيه القلوب العاشقة دون أن يكون لها نهوض من غرامها الذي أودى بقدرتها على أي حراك إرادي؛ ولكنه الحب الذي يسكن بسببه الخليل إلى خليله، وينعم الوحيد بأنيسه، والذي يهتدي به كل حائر وهائم إلى طريقه فيهدأ ويطمئن. ومثلما هناك أناس تجمعهم المصالح، هناك أيضًا أناس تجمعهم المشاعر، وهناك آخرون تجمعهم المعاني.
إنه حب الروح للروح الشبيهة لها والذي يفوق غرام العاشقين الولهين أصحاب القلوب المتقلبة بين الحين والحين، والذين يفقدون عقولهم من فرط جنونهم بالحب. إنه الحب الذي يقف أمامه المحب متعجبًا كيف انجذبت روحه إلى تلك الروح بالذات دون غيرها. فهل حقًا عالم الروح غير المرئي له قواعده الخاصة والتي يصعب على العقل مهما كانت قدراته أن يتبينها؟
وأيًّا ما كانت تلك القواعد وحتى لو لم نفهمها جيدًا أو لم نفقه منها شيئًا فيكفي أن يحدث ذلك الأنس المريح وأن تتحقق تلك السكينة المنشودة فتأنس أرواحنا بحب أرواح تسكن إليها مهما بعدت المسافات ومهما تباعدت الأزمان.
فهل حقًّا ذقنا جميعًا ذلك النوع من الحب الإنساني الروحي؟ أم إنه منحة ربانية لمن يملكون أرواحًا نقية؟ فإذا بالأفكار بينهم تنطلق بكل حرية و بلا حدود لأنها تعرف أنها ستكون مفهومة جيدًا، وإذا بالمشاعر تتدفق بلا قيود لأنها تعرف وجهتها التي ستسكن فيها وتحتويها بكل حنان، وإذا بنا أمام علاقة خاصة ليس لها مسمًى مفهوم ولا يمكن أن يُعبر عنها أي اسم أو تصفها أية صفة بعدما عرف القلب دقة جديدة عليه لم يسبق له أن سمعها من قبل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق