ثقافة المقال

لأمثالك علاء تُرفع القبّعات

حسن عبادي

شدّني ما كتبه الأسير كميل أبو حنيش (بمشاركته في ملف وليد دقة) “بينما يقلب البازيان رأسه محاولاً ملاحقة الأصوات المختلفة؛ محاولاً تحديد هوية صاحبها”! ومن خلال تواصلي مع أسرى يكتبون أبدوا اهتمامهم بملف الأسير الشهري الذي يشرف عليه الصديق خالد عز الدين، يتابعونه وينتظرونه بلهفة كلّ شهر، ونوّهوا إلى ضرورة تسليط الضوء على الأسير علاء البازيان، وعندما أخبرت خالد عز الدين بذلك لم يتردّد أبدًا، بل تحمّس للفكرة وتبنّهاها قائلًا: “فليكُن!”.
توجّهت لأصدقاء من الأسرى خلف القضبان، وأسرى محرّرين، وتحمّسوا للكتابة والمشاركة، وحين استلمت مشاركات حسام، أمير، باسل، أنيس، بلال، محمد، سعيد وغيرهم، شعرت بالخجل من نفسي؛ لأنّي لم أتعرّف على علاء من قبل وزادني شغفًا للقائه، وهذا ما سأفعله بداية الشهر القادم، وكم أذهلني ما كتبته ابنته انتصار حين خاطبته: “بدي إياك اتْروّح من السجن يا بابا عشان أنوَر لك عينيك”!
رأيت بعيني مناضلي الرفاه الذين يصولون ويجولون من منبر لآخر، من منصّة إلى أخرى، من أستوديو إلى آخر، ولا يفوّتون مايكروفونًا إلّا ويستعرضون بطولاتهم، تمامًا كمثقّفي الرفاه، ممّا ذكّرني بالمثل الشعبيّ “بفزع بعد ما تخلص الطوشة”.
كتب سعيد نفّاع: “قسم كان ماشي “الحيط الحيط ويا ربّ السترة”… صار هؤلاء ربّ النضال بعد أن تمكّنوا… أين كان وأين كانت الوطنيّة؟ هو في القطب الجنوبيّ والوطنيّة في القطب الشماليّ… أتذكر؟ روح اسمعه اليوم… الوطنيّة عليه صغيرة… وطنيّة رفاه هذه؟… أنا أفهم المرجلة الوطنيّة والسياسيّة منها، وقت دفع الثمن… مش عند ما تصير ببلاش… الوطنيّة اللي ببلاش هذه… وطنيّة رفاه… بعد ما يترفّه الإنسان يصير وطنيّ… فاهم؟!” (روانصّية “وطني يكشف عُرْيِي”)، كثيرون من أبناء شعبنا من ناضل وكافح في سبيل القضيّة ودفعوا الثمن غاليًا، إذ اعتقلوا وسُجِنوا لعشرات السنين، وهناك من هُدم منزله… وهناك من استشهد.
لم يتوقّف الشاعر لوركا عن إنشاد قصائد الحريّة في مواجهة رصاص الإعدام من زمرة فرانكو؛ وبابلو نيرودا خاطب جنود بينوشيه حينما داهموه أنّه لا يملك سلاحًا بل سلاحه شعره، لم يقتلوه فورًا حتى لا يصنعوا منه بطلًا، بل سمّموه حتّى الموت، كما هو الشاعر عبد الرحيم محمود الذي قال:
سأحمل روحي على راحتي// وألقي بها في مهاوي الردى
فإمّا حياة تسر الصديق // وإمّا ممات يغيظ العدا​
واستشهد في الميدان.
هناك طبقة انتهازيّة باعت ضميرها وقلمها، صارت بوقًا لها ضدّ مصالح شعبها، أصبحت نخبة وصوليّة فاسدة متسلّطة على زمام الأمور، حلّلت وحرمّت وأصابها جنون العظمة، متعامية عن قضايا شعبها، همومه اليوميّة، وطموحاته، متناسين علاء ورفاق دربه ممّن تسلّقوا على أكتافهم. مهارتهم في خطف الأضواء، فهم هلاميّون بدون عامود فقريّ، تكمن مهارتهم بالصيد في المياه العكرة لتلويثها علّها تغطّي عيوبهم وعوراتهم، مستغلّين قدرتهم على حمل الشعارات الرنّانة.
علاء ورفاقه دفعوا فاتورة كبيرة في سبيل الحريّة والتحرير والوطن، بصدق واستعداد دائم للتضحية دون أن تنتظر مردودًا أو تظفر بمرادها دون كلل أو ملل أو يأس.
من حقّك يا علاء أن تعاتب الوطن والتاريخ؛ فأنت ورفاقك ضحيّتم والمتسلّقون يتباهون بالنياشين والأوسمة الخدّاعة على حساب تضحياتكم، فأنت وأمثالك مهمّشون وفي خانة النسيان. أنتم من دفعتم، وما زلتم تدفعون، الثمن ولكن الأمجاد للقادة المتسلّقون الذين لا يبذلون التضحيات ولا يدفعون أي ثمن.
جاءني ما كتبه الشاعر الجليليّ أسامة ملحم (يصادف اليوم 23 ديسمبر ذكرى تحرّره من السجن لرفضه الخدمة العسكريّة في جيش الاحتلال وما زال يدفع ثمن مواقفه المشرّفة رغم مرور عشرات السنين) في قصيدته “رسالة إلى حصان”:
“ألستَ يا صديقي الحصانُ
من شقَّ الغبارَ
وتكبّدَ وزرَ الاقتحام
ألستَ من امتطاهُ الفاتحون
و انتصروا
وأنت…
ماذا أنت؟
تقاسموا الأوسمة
وتساهموا كل الغنائم!
وأنت…
ماذا أنت؟”
جاءني ما كتبه الصديق الأسير كميل أبو حنيش تحت عنوان: “السائل والتساؤلات في ديوان (الرساؤلات) للشاعر الفلسطيني أسامة ملحم” حين وصله الديوان من خلال مشروع “لكلّ أسير كتاب” : “الحصان رمز لتلك الأعداد الكبيرة من الجنود في الميادين الذين يقاتلون ببسالة ويجري توزيع الانتصارات والهزائم من فوق جثثهم وبطولاتهم، ولا يجري تكريمهم بما يليق بهذه التضحيات بينما تذهب الأمجاد والأوسمة للقادة الكبار، وبهذا التساؤل يسعى الشاعر إلى تحريض المقاتل وحثّه على التأمّل ودفعه لاتخاذ موقف يؤدي إلى الإحجام عن خوض المعارك العبثيّة”.
لأمثالك علاء تُرفع القبّعات…وتنحني الهامات.
حسن عبادي/حيفا
23.12.2020

*** مشاركتي في ملف الأسير علاء البازيان – سيزيف العصر الذي صدر في مجلة “المواطن” الجزائريّة وفي الإعلام العربي ضمن ملف الأسير الشهري من إعداد خالد صالح عز الدين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق