ثقافة السرد

الرجل الذي لم يمت!!

جميلة عمايرة *
صاح المنادي بصوت مختنق متقطع متوسل ومرتجف : ياقوم، ي — ا قوووووم هنا رجل ميت ! . توقفت الطيور عن الزقزقة فوق اغصان الاشجار كأنما جفلت، ولاذت نحو اعشاشها داخل تجاويف الغصون، فيما فرت مجموعات اخرى مبتعدة . جمدت الكائنات في مكانها بحذر، فساد الصمت . ارتفع الصوت اكثر : هنا رجل ميت . ارتدّ الصدى خلل اشجار البلوط والسنديان، والزعرور بأوراقه الابرية القصيرة، ليتبدد الصوت ويتلاشى مع الضباب المنتشر بكثافة، كانما يطلع من باطن الارض .! .

الحصان واقف برأس يعاين صاحبة الميت امامه بملابسه الصوفية الثقيلة، بعينين ذابلتين مغرورقتين بدمع محتبس، فيما «المحراث» مركون داخل خرج قماشي قديم يمتلىء ببقع الزيت الداكنة لا يزال فوق ظهر الحصان قبل ان يقع الرجل مغشيا عليه من فوق ظهر حصانه ليجثو فوق الطين والحجارة، امام عيني صاحبه الواجم والعاجز .
هنا رجل ميت .
كرر النداء اكثر من مرة، لكنه في هذه المرة رفع يدية الاثنتين للاعلى وكرر النداء بصوت لم يستطع ان يمنع ارتجافه .
الزمن كانوني بارد، والوقت صباح نهض للتو، وسحب الضباب تغطي وجه الارض، والسماء تنذر بمطر غزير وشيك، فيما الريح طائر ضخم يصفق بجناحية ويعصف بكل شيء .! .
استجمع الرجل قواه، اقترب منه، وبأصابع مرتجفة تحسس نبضه بصعوبة من بين قطع الملابس التي كان يرتديها الميت . -«فكر انه يرتدي خزانة من الملابس الصوفية بالالوان كلها كي يقاوم هذا البرد القارس »- كان نبضه ضعيفا واهنا، ايقن انه لا يزال به بقية من حياة تسري في روحه، فارتفع صوته ثانية بالنداء من جديد .
على مبعدة منه، وراء اجمة كثيفة من اشجار القيقب والنبق والخروب دائم الخضرة، كان رجل يرعى أغنامه بالقرب من السهل المعشب، فتناهى لسمعه صوت فزع مرتجف متردد يصيح.
اصاخ السمع جيدا، فيما اصابع يده امتدت لتكشف من تحت «طاقيته «الثقيلة عن اذنه ويصغي بهدوء.
هش على اغنامة كأنما يرتجي سكوتها الآن .
مشى بخطوات قصيرة حذرة مرتابة حول المكان، مصغيا متطلعا بالجهات كلها، من بين الضباب المتكاثف فوق وجه الارض لمح حصاناً واقفا برأس متدل نحو الارض بلا صاحبه ولا يزال «الخرج» فوق ظهرة ! .
هش على اغنامه ثانية بغضب .
لم يكن ليخشى من خرافه الصغيرة البيضاء بصوفها السميك، فهي من الصعوبة ان تتحرك من مكان رعيها .! بل كان يخشى أغنامه، فهي من تجلب له المشاكل من اصحاب المزارع المجاورة : انها لاتهدأ او تستقر بمكان كثيرة التنقل والحركة، ولا يعجبها شيء، كانت تترك الاعشاب التي امامها مع انها خضراء وما تزال طازحة دون ان تقضم منها شيئا، وتجنح للمزارع الاخرى بسرعة الريح .
طار الرجل نحو جهة الحصان رافعا ثوبه كي لا يتعثر بوحل الطريق الترابي مسدلا شالاًصوفياً اسود فوق راسه ويلف وجهه، كاد ان يقع بخطواته المتسارعة بالطين اكثر من مرة، الا انه كان يعتمد على عصاه، كان قد انتقاها من جذع شجرة سنديان معمرة في الغابة .
نسي ان يتوقف في سيره ليلقي ولو نظرة نحو قطيع اغنامه التي تركها وراءة .
وصل لمكان الحصان وصعق بما رأى .
رجل صاحب جثة هائله، «فكر انها اضخم جثة شاهدها لرجل في حياته» يرتمي ارضا بملابسة الصوفية وبجانبه رجل آخر يجهد ان يمنحه حياة مرتجاه .
– ماالامر ؟. قالها بأنفاس تلهث.
– لا اعرف . جئت من اعلى التل، ذاك بيتي، قال الرجل وهو يشير يبده نحو بيت يقع اعلى التل، مضيفا: رأيت الحصان واقفاً بلا حراك دون احد فادركت على الفور ان ثمة ما يحدث، ساعدني لنحمله الآن، لا وقت لدينا، لا اعرف ماالذي حدث له، ربما هو ميت، وربما وقع مغشياً عليه من شدة البرد، يحدث هذا .
تقدم بيد مرتجفه نحو الرجل واخذ يخفف من ملابسه، فيما اخذ المنقذ يدلك يديه حينا وصدره حينا آخر .
– لا بد من حمله واسعافه، قال المنقذ . هيا . لا وقت لنضيعه .! .
حمل الرجلان «الميت» فوق اكتافهما وشقا دربهما بصعوبة نحو منزل الرجل والذي يبعد مسافة لاتقل عن مسير ساعة، ربما اكثر او اقل قليلا .
كان الرجل ضخما، فزادت الملابس من وزنه الثقيل، فغدا وزنه ثقيلا اكثر بشاربين كثين وغير مشذبين، وجه طولي بملامح شاحبة وعينين مسبلتين .
– هل هو ميت .؟
– لا اظنه كذلك . ربما وقع مغشيا عليه من شدة البرد .، لا يزال به بقية من نبض الا انه ضعيف واهن .
اظنه البرد . قال الرجل الراعي، – نسي اغنامه الان تماما، وربما اصبحت في اراض ومزارع تعود ملكيتها للاخرين .!
ربما هو ميت، انه لا يتحرك .؟ قال الراعي واضاف: ربما علينا دفنه .
سنرى بعد قليل، على مهلك يارجل . لقد اقتربنا من الوصول . قال الرجل المنقذ وهو يتوقف ملتقطا انفاسه بصعوبة .
ماالذي دفعه للخروج في هذا الطقس البارد ؟، لم يحن موعد حراثة الارض ! هل تعرفه ؟ .
اظنه غريبا، لم اتعرف عليه .!
– ربما هو ميت، انه ثقيل، اعني جثته غدت ثقيلة تماما كجثة ميت .! قال الراعي وهو يتطلع نحو المقبرة .
– تقع المقبرة بالقرب من الطريق وسط أجمة اشجار القيقب والسنديان، لا يميزها عن الغابة سوى سور من الاسلاك الشائكة السوداء يمتد من الجانبين وينتهى عند بوابة خضراء عالية .
– لا اظنه ميتا، لا يزال ينبض . استطيع ان ادرك هذا الامر جيدا .قال الرجل المنقذ .
– لنواريه التراب، الا تظن هذا ؟ اليس اكرام الميت دفنه .!؟، نحن امام بوابة المقبرة، قال الراعي وهو يغطي رأسه جيدا، واضاف لا بد من دفنه، لقد بدأت تمطر هيا سنريحه ونستريح، نصلي عليه صلاة الجنازة .. و..«تذكر اغنامه الان، اذا قد تكون اصبحت ترعى في المزارع المجاورة كما يطيب لها.!
اعوذ بالله، اصمت . قاطعه المنقذ : لا يزال الرجل حيا،
«فال الله ولا فالك» لم يتبق سوى خطوات قليلة ونصل المنزل .
وصل الرجلان لبيت الرجل المنقذ .
وضعا الرجل فوق الفراش .
السلام عليكم، الاغنام، أغنامي، قال الراعي وهو يولي ظهرة مهرولا نحو الطريق .
سارع الرجل لاشعال مدفأتها الحطب بمساعدة زوجته . سرعان ما انتشر الدفء وساد بالغرفة .
احضر سمنا وخلطه بملعقة من العسل الساخن والقمه للرجل المسجى بقطعة وحيدة دافئة من الملابس، ودثرة بغطاء صوفي ثقيل .
بدأ الرجل يتعرق واخذ يتململ بعد ان احس بالدفء يسري في جسده كله .
ندت حركة تجشأ حينما احس بجوفه بسخونة السمن والعسل فتطاير الرذاذ فوق اصابع الرجل وذقنه الملثمة .
حمدالله . قال الرجل صاحب البيت . حمدالله . أنت محظوظ، كررها ثانية من مكان غائر قصي وعميق.
انهض يارجل . انت بخير .
حاول الرجل ان ينهض بجذعه الا انه اخذ ينتفض من جديد كطائر مبلل بالرغم من الدفء المنشر حوله .
سأخذك للمشفى . بعد قليل سيحضر جارنا صاحب «البكب» اعني لديه «بكما» قال الرجل، مخفيا قلق احسه من اعماقه .
بعد مرور زمن قصير، اقل من شهر، وربما اكثر قليلا، دق باب الرجل المنقذ رجلان ضخمان بملامح قاسية ومتشابهه .
سارع الرحل بنفسه وفتح بابه الخشبي .
وجها لوجه ثانية، عرف احدهما على الفور، كان الرجل الميت برفقة رجل يشبهه، لا بد وانه شقيقة .
تفضلا، اهلا و …
قاطعة : لا اهلا ولا سهلا بك،
عليك اللعنة من الله . قال الرجل الميت : كنت تريد دفني وانا حي، انت وصاحبك، الا تخافان الله ؟ لم اكن ميتا . كدت ان اصرخ بكما أن توقفا، فقط كنت اشعر بالبرد ينخر بعظامي كلها، جردتني من ملابسي، حتى الكنزة الصوفية التي لا تفارق جسدي صيف شتاء سرقتها انت وصاحبك الا انني لم اتمكن من الصراخ لوقفكما، شيء ما منعني من ذلك، ربما البرد. وربما الخوف فاستكنت مرغما لهدوئي .
عليك اللعنة انت وصديقك الراعي، الا تخشيان الله ؟ انت من اقترح حملي فحملتني بلا ملابس،! قتلني البرد . ويحك . اللعنة على وجهك
يتذكر الرجل انه كان لايزال واقفاً بباب بيته، لم ينبس بكلمة واحدة، يداه المعلقتان بأكرة الباب الخشبي أخذت ترتخي قليلا قليلا، لتبدأ اصابع يدية بالتساقط اصبعا وراء الاخر وهو يحدق بها بعينين لا تطرفان .!

 

* قاص وروائية من الأردن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق