ثقافة السرد

الغرباء

مسرحية

 عادل إبراهيم علي حنزولي

تنويه:
هذا العمل درامي ولا علاقة له بالواقع إلا من سبيل قدرة الفن على معالجة ومناقشة القضايا الكبرى للإنسانية، وحتميّة تلك المعالجة..

الإهداء:
إلى ضحايا الحروب الإنسانيّة الأهليّة في كلّ زمان ومكان..

شخصيات النّص:
عاتكة: عجوز مكلومة
عزّام المهذّب: عجوز قميء معذّب
جون: شابّ أخرق
نصّار: رجل مغدور زوج عاتكة
الملثّمون: غرباء لا هويّة لهم
الجنود: قساة ديكتاتوريّون
الرجل الرّاوي: راوٍ عليم

مدخل:
ليل بارد جامد.. الظلمة تكتنف المكان، المكان قبو منزو.. مجرّد قبو.
على جانبي الركح درجات قليلة متوازية تؤدي إلى الأعلى المغطى بستار
أبيض..
ينبعث من الأعلى ضوء خافت كتجلّيات نور في ما يشبه الفجر..
يصدح صوت المآذن الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وتدقّ الأجراس
في إيقاع واحد ثلاث دقات مرنّمة.. إيذانا ببداية العرض. صمت للحظة قصيرة.
تظهر عاتكة العجوز في ثيابها الرثّة المرقّعة، منحنية الظهر، رصينة
الخطوات..
تنزل الدرجات في تؤدة وبطء، بيدها مصباح عتيق، بالكاد هو يشتعل ليضيء
نفسه..
تتوقّف عاتكة العجوز وتلقي نظراتها البائسة البلهاء في ثنايا المكان..
نظرة أخرى في الأعماق وفي الفراغ.. عاتكة تحشرج حشرجة كالأموات..
عاتكة بائسة، ترسل في الأعماق قهقهة متباعدة الإيقاع.. عاتكة تصمت.
تثبت في مكانها بلا حراك..
ينتشر ضوء خافت يتقدّم شيئا فشيئا مشيرا إلى بزوغ الفجر..
يظهر رجل من الجهة الثانية، يتكاسل ويتثائب.
ينتبه لوجود عاتكة فينفجر ضاحكا.
الرجل: (وهو يتقدّم نحو سطل الماء أمامه) عاتكة العجوز المسكينة.. تستيقظ كلّ يوم
مع الفجر.. تستيقظ لتصلّي، لكنّها لا تصلّي.. لا تصلّي
(يلقي الماء على وجهه في إيقاع سريع. عاتكة ساهية لحظة ثمّ ببلاهة)
عاتكة: جون.. أهذا أنت يا جون؟ متى عدت يا جون؟
جون: (يوجّه نحوها نظراته الحادّة ثم يسقطها من اهتماماته متلهيّا بتمرير المنشاف
على وجهه) ما الّذي يوقفك هكذا يا عاتكة؟
عاتكة: لست أدري، لقد وجدت نفسي هكذا فجأة فسخرت من نفسي.. ربّما أفقت من
نومي لأجل غرض ما.. لكنّي نسيته. أنا حتى لا أذكر متى أفقت من نومي
السّرمديّ..
جون: لقد جئت من أجل الصلاة عاتكة.. من أجل الصلاة، لكنّك لا تصلّين..
عاتكة: الصلاة؟؟ من الممكن ذلك.. لعلّها صلاة لا تنفعني
جون: (ضاحكا) أنت الآن لا ينفعك أيّ شيء عاتكة.. لا الصّلاة ولا غيرها. ولا شيء
أبدا ينفعك..
عاتكة: (وهي تضحك وتتحرّك ببطء صاعدة الدّرجات) لا أظنّ الآخرين أكبر منّي
حظّا. ولا حتّى أنت عزيزي جون.. (تختفي)
(جون ذاهل لحظة.. يرقب عاتكة وحركاتها الأسطوريّة، ثمّ يصدح في قوة)
جون: سأرحل عاتكة.. سأرحل وأبحث عن الحظّ.. لا شكّ أنّ لي حظّا في مكان ما من
العالم.. لا شكّ عاتكة.
تتلاشى الإضاءة ببطء

البعد الأوّل:
رجل يقبل إلينا من المسافات البعيدة، بينما يرتسم قرص الشمس وراءه في
الخراب والبدايات الحزينة..
الرجل: الظّلام والخراب والموت حولنا في كلّ مكان.. نسائم الأمل الخجولة، ولا حتى
مخرج ضيّق للأبطال من المحن.. البكاء والعويل وأنين الثكالى يحاصر خطاي..
عاتكة العجوز تفرك عينيها ولا تبكي.. عاتكة حزينة، منذ عودة جون لا تجد
عزاءً غير الصلاة الّتي تنساها دائما.. عاتكة باكية شاكية وعزّام رجل خبر الحياة،
عاد من الحرب ليجد الحرب.. في بداية حياته حرب، وفي آخرها حرب.. الخراب
جنبي وحولي، ولا حيلة عند الفجر أو زمن الغروب..
(يغادر الركح عن اليمين بثقة.. في آخر القبو باب صغير، يدفعه عزّام ببطء
فيسمع له صرير كالحزن. ثمّ يظهر عزّام.. عجوز قميء قذر يسبقه سعاله
وبصاقه)
عزّام: نعم أنا هو عزّام، “عزّام المهذّب”.. ألم تسمعوا عنّي؟ لقد كنت محاربا في ما
مضى. أمّا الآن فكما ترون مجرّد عجوز.. عجوز قميء (يسعل بحدّة، ثم ينادي)
عاتكة.. عاتكة..
(يتهاوى على الأرض ببطء، يمدّ ساقيه ويتّكأ.. يخرج منديله الّذي يمرّره على
فمه مرّة بعد مرّة في ما تتناهى إلى الأسماع طقطقة موقّعة لعقافة عاتكة الّتي
تبدو وكأنّها تقبل من عالم الأرواح.. تظهر من اليمين تنزل الدرجات. عجوز
شاحبة مخيفة، عيناها غائرتان كالصدفة الخاوية، وجهها شاحب ومنقبض بلا
حياة كالأموات.. تتقدّم عاتكة ثلاث خطوات عدّا. عزّام شارد يتحسّس الأرض
بحثا عن شيء يذكره جسده بينما ينساه عقله. عاتكة تتوقّف وترسل نظرها
الكسيف إلى الأمام)
عاتكة: (بهدوء وحزم حزين) ما تريد يا عزّام؟
عزّام: لست أعرف عمّا أبحث، ربّما إذا وجدت عرفت
عاتكة: (بنفس اللهجة) ما تريد يا عزّام؟
عزّام: ها أنا أبحث عاتكة.. ها أنا أبحث. ربّما أجده عمّا قريب.. (يتحسّس جيوبه صدفة)
أهاه.. هذا ما أبحث عنه.. كيف أنسى؟ ها قد وجدت سجائري القاتلة..
(يخرجها من جيبه ويضعها على الأرض، عاتكة توجّه نظرة بلهاء نحوه ثمّ ما
تلبث أن تشيح بنظرها عنه استهجانا.. تستدير وتهمّ بالخروج)
عزّام: أتغادرين؟
عاتكة: ما تريد مني أن أصنع؟
عزّام: سويق.. السويق. سويقك اللّذيذ.. من البارحة لم أذق شيئا..
عاتكة: في أيّ وقت نحن؟
عزّام: (بحماس تلميذ) في الصّباح
عاتكة: (بحزم) ومتى موعد سويقك؟
عزّام: (بنفس اللهجة) بعد الزّوال
(عاتكة تومئ برأسها وتبتسم ابتسامتها الماكرة المنتصرة ثم تخطو نحو الدرجات)
عزّام: (بلهفة مضطرّ) ولكن يا عاتكة..
عاتكة: (تتوقّف) ماذا أيضا؟
عزّام: ماذا لو جلسنا.. لو تكلّمنا ولو لبعض الوقت
عاتكة: (ببرود أقرب إلى السّخرية) وفيم سنتكلّم؟
عزّام: في أيّ شيء.. المهمّ أن نتكلّم.. ربّما لم يبق لنا غيره
عاتكة: والصّلاة؟
عزّام: ربّما تنفعنا..
عاتكة: وربّما لا تنفعنا كما يقول جون
عزّام: يحيى.. يحيى يهتمّ لك وللصّلاة!!
(يضحك حتى يختنق.. يضحك باشمئزاز أبله، عاتكة ضجرة لكن دون أن تفقد
هدوءها.. تخطو خطوة نحو الدرجات)
عزّام: (مستعيدا رباطة جأشه) عاتكة.. رجاءً لا تتركيني وحيدا في هذا القبو..
عاتكة: (ساخرة) لماذا؟ أتخاف الأشباح؟
عزّام: ربّما.. أحيانا أجدهم في منامي.. كلّ الذين قتلتهم يبرزون لي.. يظهرون في أشكال
مخيفة.. أجدهم في جوّ من القذارة والعفن.. يجرجرونني ويعبثون بي..
عاتكة: هذا ما يليق بك.. أنت قذر والقذارة تليق بك
عزّام: لهذا إذن تلقين بي في هذا القبو وحيدا
عاتكة: ألا يكفيك أن أزيل أقذارك كلّ يوم، وأتعفّر برائحة قاذوراتك.. عليك أن تشكر الرّب
دائما لأنّك تجد هذا المستقرّ، ولأنّه سخّرني لأعتني بك..
(صمت ثم بهدوء) عجوز قذر..
(تصعد الدرجات وبينما هي تختفي في الأعلى نسمع بوضوح طقطقة عقافتها..
عزّام بحزن خفيف ولامبالاة يشعل سيجارته، ويرسل دخانها بهدوء..)
تتلاشى الإضاءة ببطء

البعد الثاني:
جون ينزل الدرجات.. يتقدّم خطوات ببطء.. بيده قنينة خمر رديء.. يجلس على
الأرض. جوّ من اللامبالاة يغلب على نفسه.. عزّام في مكانه أمام الباب القصير
يوقد مصباحا عتيقا. يضع مذياعا صغيرا على أذنه وينصت.. جون يضحك
بهستيريا.. يجترع من القنينة بعصبيّة.. جون غاضب ومحطّم..
جون: ولا حتّى جهد ينفع.. ولا حتّى عاقل واحد في هذه المدينة.. (صمت) أتعرف يا
عزّام الرديء.. كيف تكتسح الفوضى حياتنا. كيف يغيب المعنى فجأة.. كيف
تتحطّم الأحلام. ولا يبقى لك من عزاء غير هذا الخمر الرديء..
(عزّام يتململ، يدير وجهه يمنة، ويدير الإبرة بينما نسمع نحن خشخشة
الإرسال المتقطّع)
جون: عمّا تبحث يا عزّام؟ بماذا تريد أن يخبرك المذياع.. أمازالت في الحياة أخبار
تعنيك؟!
عزّام: على الأقلّ أعلم بما يجري.. فالمعرفة عزاء
جون: (بتراخٍ ويأسٍ وصوت سكران) لا معنى لذلك أبدا، لا معنى.. أنا أعرف الأخبار
مسبقا وكلّ النّاس تعرف.. أنت الوحيد الغافل..
عزّام: أخبرني إذن بالذي يجري ولا حاجة لمذياعي التّعس
جون: الّذي يجري؟! نسخة مكرّرة من الذي جرى.. قتل وفوضى وموت وعذاب..
دمار وخراب، وقلوب لا تعرف الرّحمة
عزّام: وهل نحن في أمان؟
جون: ما يعنيك أنت من الأمان يا عزّام! أنت شجرة نفضت أوراقها.. زيتونة قُطعت
ساقها.. أنت منسيّ وعلى هامش الماضي يا عزّام..
عزّام: ولكن يا جون أنت لا تفهم.. فأنا فتحت عينيّ في هذه الدنيا على الحرب والجنون..
وهاهو الجنون يعود.. في الماضي كنت محاربا، دخلت حربا لا ناقة لي فيها ولا
فأر.. كنت أحارب فقط من أجل أن لا أموت.. وفي الشدّة كنت أنادي رغم ذلك
“يا رب.. يا أسيادي الصالحين” (يرسل قهقهة ساخرة) فقط في تلك اللحظات
عرفت من هو الإنسان.. إنّه حيوان أحمق لا يحسن إلاّ تدمير نفسه..
الإنسان وحش أنانيّ جدّا لا يضاهيه مخلوق في الشرّ
جون: (مجترعا من القنينة ومرسلا قهقهة يرتدّ صداها بين جدران القبو كالغمّ)
لم أكن أعرف أنّ قميئا مثلك هو فيلسوف أيضا..
عزّام: (مواصلا كلامه التّخريفي) لم يكن لنا من أمل.. كلّ ما يعنينا كان أن ننجو حين
كان الموت في كلّ مكان حولنا.. في كلّ جزء من نفوسنا.. ومن شدّة خوفنا
ومعاناتنا صار الموت بلا معنى والحياة بلا معنى.. كنّا نفتقد كلّ شيء فينا.. مات
منّا الكثير، وكنّا دروعا لغيرنا.. العزاء كان أن نصبح أحياء في اليوم التالي..
(صمت) وبعض الحساء أيضا كان عزاءًا..
جون: الحساء؟ كانت أيّاما جميلة بما أنّك الآن لا تشبع من سويق عاتكة الخرفة حتّى..
(صمت)
عزّام: لماذا لا ترجو عاتكة كي تزيد حصّتي من السّويق؟
جون: نعم ربّما أفعل.. إذا حدّثتني بقصّة الألماني (يضحك)
عزّام: (يضحك) لكنّي سردتها مئات المرّات على مسامعك.. ألم تملّ؟
جون: (يضحك) بل أطرب كلّما أسمعها كأنّي لم أعرفها إلّا ساعة سماعها
(صمت)
عزّام: قال الألماني للفرنسي قتلا أقتلك ردّ الروسي دهسا أدهسك قال الأمريكيّ قصفا
أقصفك قال العربيّ وحياة الربّ لم أقصد..
جون: (يضحك بهستيريا ويتلوّى في مكانه) وحياة ربّه لم يكن يقصد..
عزّام: أين عاتكة لم تزرني منذ الصّباح؟
جون: عاتكة تصلّي
عزّام: وأنت؟
جون: أنا أسكر
عزّام: وأنا؟
جون: تنتظر السويق..
عزّام: والعالم؟
جون: يتقاتل
عزّام: يتقاتل أم يتحابب؟
جون: (يضحك) ذكرتني بثرثرة المقرّرات في المدرسة. علّمونا أن نتحابب وأن نكون
شامخي النفوس ومتسامحين.. لكن معلّمي الذي علّمني هذه الأشياء السخيفة
هو أوّل من نقضها إذ طردني من المدرسة من أجل أوّل خطأ
عزّام: من الخطأ نتعلّم
جون: ولكن يا عزّام الخرف، نتعلّم أو لا نتعلّم في ما ينفعنا ذلك؟
عزّام: طال عمري أكثر من اللازم.. ألاقي الإهانات دائما ومع ذلك أحبّ أن أحيا
جون: مت يا عزّام.. مت لتريح وتستريح
(ينهض مقهقها.. يمشي متمايلا ببطء، يصعد الدّرج في ما تتلاشى الإضاءة ببطء)

البعد الثالث:
(يدخل الرجل الراوي يوحي لنا بلغز الحكاية)
الرجل الراوي: كان الجو غائما في الخارج.. وكانت السّماء حزينة والأرض تحتنا تتحرّك..
منتصف الليل في ليلة باردة. عزّام يستقبل في بيته الغرباء.. الغرباء
الأشرار في ما لم يكن لعاتكة من عزاء غير الصلاة في تضرّع حارق..
حارق كالبكاء (صمت ثم بهدوء مرّ أقرب إلى الحكمة)
من يزيح الحزن عن وجوه الأبرياء.. (يخرج)
(طرق شديد، يظهر عزّام دافعا بابه القصير)
عزّام: (ضاحكا) غريب أمركما يا ساكني هذا الحوش المنسيّ، تطرقان؟
ماذا تظنّان عزّام يصنع.. أدخل أو أدخلا
(يُعَاود الطّرق)
عزّام: (حائرا جزعا) عاتكة، يحيى.. ماذا بالأمر؟
(يُكسر الباب، يظهر رجل ملثّم وينزل الدرجات سريعا)
عزّام: من أنت أيّها الغريب؟
الملثّم: أصمت أيّها العجوز الخرف
(يجيل عيناه بالمكان ثمّ يصفّر، يتبعه ملثّمون آخرون في الدخول والنزول،
عزّام ذاهل، بينما يتوجّه الملثّم بالكلام لرفاقه..)
الملثّم: ماذا فعلتم بالغرباء؟
الملثّمون: قتلناهم
الملثّم: والمدارس؟
الملثّمون: نسفناها
الملثّم: والمستشفيات؟
الملثّمون: أحرقناها
الملثّم: والبيوت؟
الملثّمون: دمّرناها
الملثّم: والحقول
الملثّمون: أحرقناها
الملثّم: والبذور
الملثّمون: أكلناها
عزّام: (باضطراب ولكن بوضوح) ليس جيّدا أن تأكلوا البذور
الملثّم: أصمت أيّها العجوز القذر ..
عزّام: إذا أكلتم البذور لم نجد ما نزرع، وإذا لم نزرع لم نحصد، وإذا لم نحصد
لن نأكل من جديد..
الملثّمون: (في صوت واحد) عجوز حكيم، لم يكن يجدر بنا أن نأكل البذور..
الملثّم: أصمتوا
عزّام: (متهيئا للكلام) ها آآ
الملثّم: قلت أصمت
(الملثّمون يخرجون رشاشاتهم ويشغلونها استعدادا)
الملثّم: لا أحد ينجو من المحرقة
الملثّمون: لا أحد
الملثّم: حتى العصافير الجميلة المغرّدة
الملثّمون: حتى العصافير
الملثّم: ولا الزهور اليانعة المورّدة
الملثّمون: حتى الزهور
الملثّم: أين البوليس
الملثّمون: إنّه يطاردنا
الملثّم: لكنّنا هزمناه.. بعد أن توهناه. وفي هذا القبو البغيض الكريه العفن
لن يصل إلينا أحد
عزّام: قبو عزّام الخرف
الملثّم: قلّي يا سيّد عزّام.. هل أنت وحيد؟
عزّام: نعم.. وحيد بقدر شساعة هذا العالم..
الملثّم: (بسخرية) يا لك من مسكين.. ومن يقوم على شؤونك إذن؟
عزّام: (كالمستبشر) عاتكة.. أختي عاتكة العجوز تسقيني الماء والسّويق كل يوم،
وتزيل عنّي أقذاري.. فبصفتي إنسانا عاجزا فإني أتساوى مع البغل،
هكذا تقول عاتكة دائما
الملثّم: عاتكة؟ عظيم.. لماذا إذن كنت تخدعني وتقول إنّك وحيد بقدر شساعة
هذا العالم؟
عزّام: لأنّي كذلك سيّدي. أنا رجل وحيد.. قضّيت حياتي كلّها وحيدا.. لم أتقاسم مع
أحد أبدا شيئا أكثر من رغيف الخبز أو فنجان القهوة.
الملثّم: ألم تتقاسم مع أحدهم فكرة؟
عزّام: (كالّذي يتذكّر سريعا) فكرة، نعم فكرة.. ربّما مع أولئك الغرباء البعيدين..
تقاسمت معهم فكرة الموت!!
الملثّم: أحسنت.. لقد تقاسمت معهم أهمّ فكرة.. أروع فكرة.. الحقيقة عينها الّتي
تتخفّى دائما وراء جدار هروبنا الكاذب منها..
الملثّمون: (بصوت واحد) كلّ شيء يموت
(يظهر ملثّم جديد على الدرج ويلقي بجون على الأرض)
الملثّم الجديد: (مشيرا إلى جون وموجّها نحوه الرشاش) مثل هذا الأخرق..
عاتكة: (صائحة من أعلى الدرج بحزن مرّ) لا.. لا تقتله، إنّه أملي الوحيد!
الملثّم الجديد: أملك في ماذا أيّتها الخرفة، وأنت محاصرة بالخراب والخيبة؟
الملثّم الزعيم: عظيم.. لنرى إذن ماذا لدينا.. ثلاثة بؤساء في الجملة
الملثّم الجديد: لا ليس كذلك.. بل بائسان وشاب واحد.. لا يجدر بالشباب أن يكون بائسا،
مازال في عنفوانه..
الملثّمون: (بصوت واحد) مازال في عنفوانه.. مازال في عنفوانه
الملثّم الزعيم: (مقاطعا) صمت.. ما هذا الفشل الذريع، ألا أستطيع أن أدير مجموعة بسيطة
ومفضوحة من السّذّج؟ إنّي أهذي.. إنّي أهزم.. أحشروهم إليّ
(الملثّمون يدفعون بجون وعاتكة إلى جانب عزّام)
الملثّم الزعيم: (يجول أمامهم بخيلاء) والآن يا كومة الزّبالة.. يا عفنا فوق العادة..
أظننتم أنّكم ناجون؟ وأنّكم غير محاسبين؟
عزّام: لكنّنا يا سيّدي لم نخطأ..
الملثّمون: (بصوت واحد أبله) لكنّهم لم يخطئوا
الزعيم: أصمتوا..
(ثم موجّها الكلام نحو عزّام وهو يتحرّك كزعيم عسكريّ أمام أسرى
لكن بمبالغة في إظهار الزهو بشكل مضحك)
أنا لا أتسامح.. لقد أخطأتم.. أخطأتم فعلا (تتغيّر لهجته إلى الغضب ولكن
بطريقة مضحكة كالذي يفتعل إحساسه) قلنا لكم وحذّرناكم أن.. أن..
أن لا تطبخوا الدّجاج يوم العيد.. ألم نفعل؟
الملثّمون: بلى فعلنا
الملثّم الزعيم: أصمتوا.. حذّرناكم ألّا تفتحوا الشبابيك.. أن تغلقوا الأبواب.. أن تعدموا
التلفاز.. أن تقاطعوا جرائد الصباح والقهوة.. أن تهجروا النّوم
وتبقوا يقظين.. فلم تفعلوا ولو نفاقا.. وها أنتم مقبوض عليكم
الملثّمون: (موجهين رشاشاتهم تجاههم) أنتم مقبوض عليكم
الملثّم الزعيم: (مخاطبا رجاله) أصمتوا.. (ثم لبقية الشخصيات) أنتم مقبوض عليكم
الملثّمون: مقبوض عليهم
الملثّم الزعيم: موقفون..
الملثمون: موقفون
الملثم الزعيم: مسرورون
الملثمون: مسرورون
الملثّم الزعيم: (مخاطبا جماعته) ليسوا مسرورين أنا كنت أقول ذلك بسخرية..
لذلك كنت أقول أصمتوا أصمتوا
(تسمع صفارات البوليس.. الملثمون ينتشرون على الدرجات وفي
الأعلى.. يشهرون رشاشاتهم في كل الاتّجاهات.. نسمع صوت الرصاص
مدويّا دون أن يسقط أحد أو تتأثّر إحدى الشخصيات الثلاث عاتكة
وعزام ويحيى..
الملثّمون يتحركون وكأنّهم في أوضاع قتاليّة ثم تتحول هذه الحركة إلى
ما يشبه الرقص.. ثم يختفون بطريقة منسّقة كما يختفي فريق الرّقص
من على الرّكح.. جون يتحرّك بحذر، يصعد الدرجات، يمدّ رأسه خائفا.
يجيل بصره في الأرجاء فاحصا)
جون: وأخيرا انتهى الكابوس.. كان من الممكن جدّا أن نقتل.. لم يكن من الممكن
فقط بل من المؤكد.. أي رحمة لاقتنا.. أيّ عناية شملتنا.. فجأة نجونا من
العبث والجنون (يجلس)
(صمت)
عزّام: ما أعجز الإنسان..
عاتكة: الإنسان كائن عاقل ومن الطبيعيّ أن يعجز العقل أمام الجنون
عزّام: ما أعجز الإنسان.. ما أعجز الإنسان.. إنّه كائن خرافي
جون: تبّا لتخريفك يا عزّام.. لم أرى خَرِفًا مثلك، كنّا على شفا الموت..
نجونا بأعجوبة محضة.. لسنا ندري إن كان الخطر قد زال تماما..
نحن لا نعرف حتى هويات زوارنا الثقلاء ولا حتى دواعي موتنا الساخر..
أنت تنسى كلّ هذا لتتفرّغ لفلسفتك البغيضة!!
عزّام: في السابق أيضا كنّا على شفا الموت والهاوية.. كنّا نكره الموت ونهابه..
كنّا دوما نبحث عن الحياة.. في التفاصيل الصغيرة.. وفي الأخبار القليلة..
كنّا محاصرون جدّا.. لقمة الخبز كانت كَسْبًا.. الفراش الدافئ كان كنزا..
ليل بلا غارات وبلا خوف كان حلما.. ومع ذلك كنّا نحبّ الحياة.. لم نيأس
منها يوما.. جنّدونا في حرب لا تعنينا. كنّا نفارق النوم ولا تفارقنا الأسلحة
كنّا لا ننزع الأحذية.. كنّا كما الآن لا نعرف هويات زوّارنا.. وما دواعي
حربهم ولا حربنا.. فقط كنّا مجنّدين.. كنّا خائفين.. كنّا حذرين.. ثمّ زال
الخوف وزاد الجنون.. تبّا كنّا نموت من أجل الخرافات..
جون: إنّهم يدفعون لك.. أنت تنعم بأجر محارب قديم، يساوي أجرة طبيب في بلادنا
(يضحك) ربّما استفاقوا من الخرافات أو ربّما عوّضوك
عزّام: الأجر الذي تلقفه عاتكة.. لكلّ زمن خرافاته.. الخرافات تتوالد، لا نهاية
للخرافات، الإنسان كائن خرافيّ
عاتكة: تخيّل يا عزام أنك متزوج. فماذا كانت لتصنع زوجتك؟ هل كانت لترحمك..
هل كانت لتحتمل قاذوراتك بشكل يومي.. هل كانت تحتمل تخريفك..
أما عاتكة أختك فتفعل لأنها إن جُرّدت من المحبة فإنها لا تتجرّد من الرحمة..
إني أرحمك يا عزام أنت الذي لعنتك الأقدار والخطايا السابقة.. أرحمك رغم
أن الربّ هيئ لي فرصة الانتقام.. لكن عاتكة التي لا تعجبك تقبر كل الماضي
لتعتني بك ولترحمك.. ماذا كنت لتصنع بالفرنكات؟ تريد أن تتلوّى مخمورا
في بيتي؟ تريد لحما مشويّا يضرّ بصحتك؟ أم تريد سهرا بساقين عرجاوين؟
(تضرب بالعقافة على ساقيه فيصرخ متألّما)
جون: وأين السهر والبلاد كلها عرجاء؟ لقد دمّروا كل شيء وأحرقوه.. لا منازل
لا مدارس لا فنادق ولا حتى مستشفيات.. حتى المساجد والكنائس خرّت
ساجدة..
(عزام ينام ويعلو شخيره)
عاتكة: (واقفة على اليسار) المسكين نام كطفل متعب.. عزام يا ملاكي الصغير
لترقد بسلام..
إظلام- تعتيم

البعد الرابع:
نفس المكان؛ قبو عزّام المهذّب. عزّام متّكئ جنب مذياعه الذي تصدر عنه أغنية
قصيرة. ثم يصدر عن المذياع خطاب المذيع.. خطاب يسمعه عزّام باهتمام بينما
تصدر عنه بين الفينة والأخرى ضحكات وهمهمات ساخرة كما نراه بين الحين
والحين متململا ضجرا..
الخطاب: أيّها المواطنون الشرفاء. يا أهل أرضنا الفيحاء. يا ملح الأرض، ويا صنوان
العرض.. إنّه في هذه اللحظة المجيدة من تاريخ أمّتنا العظيمة، وحيث ينتشر
المخرّبون أعداء الوطن.. أعداء المجتمع.. أعداء الحرية والديمقراطية.. وحيث
ينقسمون إلى فرق وألوية تراهم جميعا وقلوبهم متفرّقة. فإنّه في هذه اللحظة
الحاسمة من تاريخ أمّتنا المجيدة، ينجح جيشنا الوطني الباسل في دحر العدوّ ودكّ
مواقعه، مخلخلا قواعده ومراكزه.. مدمّرا ومزلزلا لعتاده. وإنّ جيشنا الوطنيّ
الباسل يبشّر مواطنينا بالنّصر القريب، ويهيب بصبرهم وتضحيّاتهم. ويدعوهم
للاستمرار في الوقوف سدّا منيعا في وجه الظّلام والبربريّة، في وجه الوحشيّة
والهمجيّة.. وإلى لقاء آخر ونشرة مفصّلة.. عاشت الدّولة، عاش الجيش، عاش
الرّئيس.
(تنبعث أغنيّة وطنيّة حماسيّة)
عزّام: إنّهم يُهزمون. ينفتحون على الخيبة والفوضى. وما النّصر إلّا محض وهم.
لقد فسد كلّ شيء، وعمّ الخراب. فعن أيّ نصر يتحدّثون؟
(تصدُر قرقعة شديدة الصّوت والوقع، عزّام ينتفض، المذياع يصمت، الإضاءة
الخافتة تذوي ويعمّ الظّلام، تظهر عاتكة بالأعلى كالشّبح. بيدها مصباحها العتيق،
تتقدّم نحو درجات القبو)
عاتكة: (نازلة الدّرجات) عزّام.. عزّام، يا عجوزي المسكين
عزّام: عاتكة.. يا رفيقة خيبتي وأحزاني، مازلت تعتمدين المصباح؟
عاتكة: (واقفة من الجهة المقابلة) عادت له الحياة.. الحرب تُلقي بنا إلى عصور الظّلام!!
من يصدّق أن أعود إلى استخدام هذا المصباح البدائيّ وأنا على شفا الموت
والهاوية!!
عزّام: الحياة تعود بنا إلى الوراء، لولا مصباحك لقبع عزّام المسكين في الظّلام..
عاتكة: (تتقدّم نحوه) أتخاف يا عزّام؟
عزّام: ولِمَ لا أخاف؟ ألست بشرًا؟
عاتكة: كيف يتسلّل الخوف إلى قلبك، وكيف لكلب مثلك أن يعرف تلك المشاعر؟
أنت الّذي تبدو جرائمك أكثر من صلواتك!!
عزّام: ذلك قدر يا عاتكة، قدر.. أنا لم أختر حياتي، منذ جنّدوني وهم يزرعون القسوة في
قلبي.. مذ كنت صغيرا نسيت الرّحمة. لم أعرف غير الغلظة والهمّ.. أنا لم أولد
على شاطئ البحر. الحياة لم تكن سهلة. كنّا نقاتل من أجل أن نحيا..
الفقر كان يعشّش بين العظام والجلود.. كان الجوع وكان العراء..
كان الشّظف وكان الخلاء. لو لم أكن قاسيا لمتّ في مواجهة قسوة الحياة..
عاتكة: ونصّار؟
عزّام: مازلت لا تنسين ولا تغفرين..
عاتكة: أنسى.. أغفر.. كيف لإنسان أن ينسى وجع الطعنة من الخلف؟ إذا نسي ظلّ الأثر
شاهدا لا يمّحي
عزّام: (ثائرا ومنكسرا في حزن) أنا أيضا حزين. حزين مثل بحر لا حوت فيه..
عذابي يرافقني منذ تلك اللّحظة التي ملكها غيري. وكنت أقول يا ربّ، يا أسيادي
الصالحين، يا قدّيسين، أنا مُكرّم الربّ لِمَ لم أكن صالحا؟ ليتني نلت ما نال نصّار
من الرّاحة والسّلام.. ليتني كنت مكانه.. ليتني رافقته!!
عاتكة: ليتك رافقته.. ليتك جنّبتنا هذا العذاب.. ليتك متّ بطلا بدل أن تنتهي حقيرا ومهانا
ومعذّبا.. ليتك لم تطعن عاتكة..
عزّام: لم يكن أمامي خيارا آخر.. لم أكن صادقا. أحببت أن أحيا.. فقط أن أحيا ولو في
بؤس. وهاهو البؤس يعمّر معي ثلاثين عاما. ثلاثون عاما من العذاب
عاتكة: عاتكة الخرفة تأوي قاتل زوجها.. لا يبرح وجهها، يأكل من خبزها وخيرها،
تزيل عنه أقذاره، وتُعذّب برؤية وجهه كلّ يوم. كلّ صباح. أمِنْ مهانة أكبر؟
عزّام: (يزحف ناحيّتها بطيئا باكيا) ارحميني يا عاتكة ارحميني.. افصلي هذا الرّأس
المختنق بالأفكار والعذابات عن جسدي العاجز.. لا تتركيني وحيدا مع آثامي.
أقتليني يا عاتكة.. أزيحي عنّا العار.. طهريني. تخنقني رائحة جبني. يقتلني عفني.
كيف تأوين في بيتك قاتلا؟
(يظهر جون مترنّحا ضاحكا وهو ينزل الدّرجات سريعا)
جون: (ضاحكا ومتقدّما نحوهما) من هو هذا القاتل الذي تأويه عاتكة يا عزّام الخرف؟
هل من آثم غيرك في هذا البيت الحزين؟
عزّام: (زاحفا نحو جون ببطء رغم إجهاده) أنا هو الآثم يا يحيى خلّصني أنت يا يحيى
أقتلني، أقتلني وأرحني..
جون: (ضاحكا) لم يفعلها الرّب بك، فلماذا أفعلها أنا؟ أتراني قاسي القلب مثلك؟
أنا إنسان صالح يا عزّام (يجترع من قنينته ويضحك)
عزّام: إذا كنت إنسانا صالحا فاقتلني.. لا تتركني لعذابي. اقتلني وأرح روح أبيك أيضا.
جون: روح أبي؟! ما شأن أبي؟
عزّام: نعم يجب أن تقتلني من أجل..
عاتكة: (مقاطعة) عزّام كفّ عنّا جنونك
عزّام: دعيني يا عاتكة.. يقتلني عذابي. على يحيى أن يكون بارّا بي أنا في مقام أبيه.
جون: (مندهشا) أبرّك فأقتلك؟ أيّ زمن هذا نصير فيه مسخا غريبا..
عزّام: نعم اقتلني وحرّرني.. أنا من قتلته..
عاتكة: (صائحة) عزّام.. قلت يكفي
عزّام: دعيني أخبره يا عاتكة.. لم أعد أحتمل أن أكون مثل غائطي.. أريد أن أنتهي من
العذاب. (يضرب رأسه بيده، ويشير بالأخرى إلى الأعلى) أدخل عقل عزّام أنظر
بنفسك خطيئة عزّام الّتي لا تُغتفر.
(تخفت الإضاءة المسلّطة على الشّخصيّات، بينما تُركّز على الأعلى. من وراء
السّتار الأبيض يظهر عسكريّ واقف في جلد، عسكريّان آخران يظهران من
اليمين، يدفعان أمامهما شابّين في العقد الثالث، هما نصّار وعزّام، نصّار
نحيل أسمر بينما يبدو عزّام مفتول العضلات عظيم البنية. يدفعهما الجنديّان في
حضرة الجنديّ الواقف فيسقطان جاثيان على ركبهم. ويؤدّي الجنديّان التحيّة
لزعيمهما الجنديّ الواقف)
الجنديّ الأوّل: احتراماتنا سيّدي، قبضنا على المارقيْن
الجنديّ الثاني: متلبّسان. رأيناهما بأعيننا ينزلان من الجبل، يحثوان التّراب على جثّة من جثث
أعدائنا، تلك الّتي أمرت بأن تبقى في العراء..
الجنديّ الأوّل: ثمّ غاصوا بين الجماهير المتناحرة، بين الأهالي المتقاتلة. بين الأفكار المتنافرة..
الجنديّ الزعيم: (مبتسما) ما كان يريدان من الجماهير؟
الجنديّ الأوّل: كان ثرثارين.. تكلّما بكلام غريب لا نفهمه. كان يتحدّثان ويوزّعان الورود. ثمّ
انضمّ إليهما عدد قليل من الرجال والنّساء المؤمنين، وأخذ الجميع يثرثر
الجنديّ الزعيم: ما كان يريدان من وراء الثّرثرة؟
الجنديّ الثاني: (باسطا كفّيه) لا شيء أبعد من الثرثرة..
الجنديّ الزعيم: (غاضبا) تقبضان على رجلين صالحين من أجل الثرثرة؟ الثرثرة فقط؟!
الجنديّ الأوّل: ليس فقط من أجل الثرثرة. بل من أجل جثث الأعداء التي حاولوا أن يواروها
التّراب.. بينما أمرت أن تبقى في العراء
الجنديّ الثاني: (صائحا بعزّام ونصّار) العراء.. العراء. ألم تفهما؟ أرأيتما عاقبة العصيان؟
الجنديّ الأوّل: (مصوّبا رشّاشته تجاههما) لولا حلم سيّدي لأفرغت رشّاشي في رأسيكما!!
لماذا أردتما إزالة العار عن أعدائنا؟ ما شأنكما بالجثث؟
الجنديّ الزعيم: (صائحا) لا تعنيني الجثث.. تعنيني الثرثرة.. الثرثرة.. الثرثرة أنتن من الجثث.
الثرثرة عار لا يمّحي.. الثرثرة نجاسة تزلزل عرشي. الثرثرة أشدّ تأثيرا من
رشاشاتنا جميعا.. فيم الثرثرة ولماذا الثرثرة؟ إنّها سبيل التغيير..
(ثمّ متوجّها بالكلام نحو عزّام ونصّار) ماذا كنتما لتفعلان بالثرثرة؟
تغيير العقول؟ إنهاء الحرب.. الأخوة والسلام.. الحبّ.. الإنسانيّة..
(ثمّ مشيرا إلى نصّار) تقدّم أنت وصارحني. عبّر عمّا يختلج عقلك المثقل
بالأفكار المعدية السّامة كي أريحك من سمّها..
(يتقدّم نصّار جاثيا على ركبتيه خطوات قليلة)
نصّار: لم نرد شيئا غير إنهاء الحرب.. غير عودة الناس للعيش في حبّ..
الجنديّ الزعيم: هؤلاء أعداؤك.. مختلفون عنك.. يريدون تدميرك.. كيف تعيش معهم في حبّ
ووئام (ثمّ ساخرا) وتغنّي أغاني السلام!!
نصّار: عشت معهم ردحا من عمري، لطالما كانوا أهلي، تقاسمنا الأوجاع، تقاسمنا
رغيف الخبز.. فيم حربي معهم والذي يجمعني بهم أكثر ممّا يفرّقنا..
الجنديّ الزعيم: يا للفكرة الجميلة.. يا للشعراء. أصابك خبل. أنت مجنون. لا أمل في شفائك.
تحتاج تطهيرا يخلّصك من نفسك ويخلّص النّاس منك كي لا يتحوّلوا إلى
مؤمنين بأفكارك ونضيع جميعا لأننا سمعنا يوما للترّهات..
خرافة السلام.. هكذا كلّ الشعراء عاشقون للتّخريف.. (صائحا) لا وجود لهذه
الفكرة إلّا داخل عقلك المريض وبعض الكتب المخادعة.. مذ خلق العالم
والصّراع قائم لا يزول لأنّه إن زال، زال العالم كلّه.. يجب أن يربح أحد ما،
يجب أن نتقاتل ليعرف العالم زعيمه..
نصّار: لسنا حيوانات لنتقاتل من أجل الزعامة والمرعى. ثمّة ما يكفي الجميع دائما..
الجنديّ الزعيم: هكذا هي قوانين الحياة. الصّراع من أجل البقاء.. وأنت تختار فريق الأعداء!!
مؤسف أن تعشّش دودة اسمها الثرثرة داخل رأسك. ومؤلم أن أريحك منها وأنت
منّي، لكنّهم لم يعلّموني دواءا آخرا لمثل حالتك.. أتدري ماذا صنع سلفي كريون
بخطيبة ابنه وابنة أخته المقرّبة حين أقدمت على فعل ما فعلتما؟
(يخطو في زهو) دفنها حيّة!! أتصدّق هذا؟ لقد حصل بالفعل.. ليس لأنّه بلا
قلب، بالعكس كان قلبه عامرا بالحبّ.. أقول الحبّ (يضحك فيقهقه خلفه
الجنديّان مجاملة) يا للفكرة.. لكنّه لم يسمح لقلبه أن يدمّر عرشه.. أن يزيل ملكه
وتُخرب الدولة.. لم يكن أنانيّا كما درّسونا.. كان محبّا لشعبه. ضحّى بصغيرته
الجميلة التي كانت بمثابة ابنته من أجل القانون.. الدولة.. النّظام..
(يكرّر الكلمات الثلاث الأخيرة بلهجات متنوّعة ثمّ يتشنّج ويردّدها في غضب)
(صمت)
الجنديّ الزعيم: (مستديرا نحو الشابّين) سأكون أرحم من سلفي كريون، كي يذكرني التّاريخ
كضابط رحيم. (مشيرا إلى الجنديين الذين يوجّهان رشّاشتاهما تجاه الشّابين
استعدادا للإطلاق) رصاصة واحدة سريعة ستريحك وتريحه من الثّرثرة.. أليس
هذا رحمة بكما؟ ألست رحيما؟ (يقهقه)
(يتقدّم عزّام زاحفا نحو الجنديّ الزعيم، يبكي على أعتاب قدميه ويقبّل حذاءه)
عزّام: أعف عنّي يا سيّدي.. أعف عنّي. لا أريد أن أموت مهانا ومسكونا باللعنة
هاهنا.. صدّقني لقد تورّطت في هذا الفعل الذي لا أرتضيه. هو أرغمني.
هدّدني. غلبني على أمري. تبعته تحت الإكراه ولم يكن لديّ خيار غير الطاعة.
الجنديّ الزعيم: هو أرغمك؟
عزّام: (باكيا) نعم يا سيّدي وقد حذّرته من العواقب ومن بطشك فلم يسمع لي
الجنديّ الزعيم: حذّرته فلم يسمع لك؟
عزّام: (متوسّلا) أقسم بالربّ أنّي حذّرته أرجو عفوك، أرجو عفوك..
الجنديّ الزعيم: (مخاطبا الجنديّين) قلبه عامر بالصلاح والحبّ..
الجنديّان: (في صوت واحد قويّ) رجل صالح.. رجل صالح
الجنديّ الزعيم: المسكين كان مجبرا
الجنديّان: رجل مسكين.. رجل مسكين
الجنديّ الزعيم: (باسطا كفّيه استسلاما) يحبّ أن يعيش ويتجنّب مهانة الموت
الجنديّان: يحبّ أن يعيش.. يحبّ أن يعيش
الجنديّ الزعيم: (مخاطبا عزّام) انهض أيّها الطيّب.
(عزّام يستقيم في حضرة الضابط خائفا ومذعورا، بينما يخطو الضابط أمامه
في خيلاء مضحكة)
الجنديّ الزعيم: بما أنّ الطيبة هي كنز داخل قلب الإنسان. ولمّا كان الخوف أسمى ما يصبو
إليه من مشاعر وسلوك، إذ يُنجيه من المهالك. وبما أنّ السيّد (ينظر نحو عزّام
ليقول اسمه)
عزّام: (بخوف وتلعثم) ع.. عزّام المهذّب
الجنديّ الزعيم: (مواصلا) وبما أنّ السيّد عزّام المهذّب كان مجبرا حين ساعد في اقتراف
الجريمة الكبرى. ولأنّه لا عقاب بخصوص جريمة تمّت تحت إكراه.
فإنني بوصفي ضابطا عادلا ورحيما.. أرحم السيّد عزّام وأعف عنه..
أرأيت كيف أتحلّى بالعدل والرحمة؟
الجنديّان: ضابط عادل.. ضابط عادل
الجنديّ الزعيم: العدل أساس الملك والعمران
الجنديّان: العدل أساس.. العدل أساس
عزّام: (مرتعش وخائف) هل أنا حرّ إذن يا سيّدي؟
الجنديّ الزعيم: ليس بعد، ليس بعد.. (يخطو خطوات في خيلاء) سيّد عزّام
(عزّام يلتفت ناحيته مصغيا وخائفا)
الجنديّ الزعيم: ألست تحبّ أن تحيا في راحة
(عزّام يومئ برأسه موافقا وخائفا)
الجنديّ الزعيم: ولكي تحيا في راحة أليس من الواجب المحتّم أن تزيح كلّ من سيعكّر راحتك
(عزّام ينظر حوله في خوف)
الجنديّ الزعيم: مستقبلا.. مستقبلا..
(عزّام يومئ برأسه مستسلما)
الجنديّ الزعيم: لذلك أقول لك إنّ أوّل من سيعكّر حياتك هو ذاك الذي يجبرك دائما بقوته على
اقتراف الجرائم.. ستحيا في عذاب إن تركته حجر عثرة في طريقك.
ولن تهنأ أبدا.. لذا وجب الخلاص منه.. وجب الخلاص منه لتحيا
الجنديّان: وجب الخلاص منه.. وجب الخلاص منه
الجنديّ الزعيم: (متقدّما نحو عزّام ومبتسما في خبث) هل تفهمني يا سيّد عزّام؟
(عزّام خائف وتائه النّظرات)
الجنديّ الزعيم: يجب قتل الجرثومة لتحيا.. وليس أجدر منك لهذه المهمّة النبيلة. تقتل خوفك
وتثبت بالدليل القطعيّ ولاءك (يناوله مسدّدا، عزّام يتناوله بيدين مرتعشتين،
يمسكه بتردّد) لا تتردّد التاريخ يُلقي بالأيادي المرتعشة إلى المزابل..
عزّام: (خائف) ماذا يتعيّن عليّ أن أفعل؟
الجنديّ الزعيم: الخلاص من الجرثومة قبل أن تقضي عليك
الجنديّان: (بصوت واحد قويّ أبله) الخلاص من الجرثومة.. الخلاص من الجرثومة
عزّام: (مرتبكا وبفزع مكبوت) لا أفهم
الجنديّ الزعيم: إنّه لا يفهم.. لم أكن أصدّق أنّ الطيّبين بلهاء أيضا (يقوده في مواجهة نصّار،
يمدّ يد عزّام الحاملة للمسدّس) أقتل الشيطان. ما عليك إلّا الضّغط على الزّر
مرّة واحدة وكفى
عزّام: (مرتعشا ومتلعثما) لا أستطيع.. إنّه صهري وصديقي
الجنديّ الزعيم: (تاركا يد عزام ومبتعدا) يقول صديقي.. أتسمعون هذا؟ صديقي وصهري!!
الآن تقول صديقي بينما كنت سعيدا بالتخلي عنه منذ دقيقة واحدة..
كنت مستعدّا للعودة دونه..
يبدو ذلك سيّئا.. أنت مثال سيّء، تقول فليحترق هذا العالم ما دمت أنا بخير..
أنانيّة بغيضة لهؤلاء الجبناء.. ولكنّي وُجدت لأحرّركم. أحرّر أمثالك يا سيّد
عزّام.. أمثالك يجب أن يُحرّروا. اختر الجبن ومت مع رفيقك أو كن أنانيّا وفز
بحياتك.. في الحالتين ستكون شجاعا والشجاعة من صفات الأحرار..
(ثمّ بلهجة إغراء، وقد عاد ليضع يده على يد عزّام الممدودة)
المسألة أيسر ممّا تخمّن. ضغطة واحدة على الزّر وينتهي الأمر..
الجنديّان: (بصوت واحد قويّ أبله) ضغطة واحدة.. ضغطة واحدة على الزّر
(تخفت الإضاءة حول المشهد العلويّ، بينما يضاء القبو بشكل كافٍ.
عاتكة متسمرة في مكانها وشاحبة كالوردة التي يغزوها الذبول.
عزام جاثٍ على ركبتيه، بينما يفغر يحيى فاه وهو منشدّ القامة إلى المشهد
العلويّ)
صمت قصير
جون: (مجترعا فجأة من القنينة بلهفة ثم ملقيا بها إلى الكواليس بعنف) سحقا لهذا
الخمر الرديء.. كنت أقول للساقي إنّ شرابك لا يقتل الدودة داخل رأسي.
إنّها تنبش وتحفر أكثر، كأنّي أربّيها لتأكلني كما يربّي الراعي ذئبا..
يقول الساقي لا شأن لخمري بدودتك.. لا شأن لشرابي بأوجاعك.
اذهب إلى الطبيب كي تشفى وكي تنسى.. يا رعود ارعدي، ويا سماء اشهدي،
يا شياطين الأرض النجسة، اشهدي على الخطيئة، اشهدي على الوجع الذي لا
يُحتمل، اشهدي على الجرح الذي لا يندمل.. كنت أظنّ جرحي أعمق من أن
يندمل، وهاهو كياني ينفتح على جرح لم يشبه جرح.. جرح أعمق من كلّ
جرح.. عزّام الأخرق هو قاتل أبي.. (يضحك) هل يجدر بي أن أصدّق؟
ثم ماذا بعد.. أنسى وأغفر وأتحلّى بالحبّ.. أكون إنسانا صالحا.. ولدا بارّا
بذويه.. أحب أعدائي كما أحبابي؟! كما أقربائي؟! فماذا لو كان حبيبي وقريبي
هو عدوّي؟ هو قاتلي؟ هو مبغضي؟ أأستلّ سيفي كقاتل.. أم أصبر كقدّيس؟
أيّ لعنة أنفتح عليها فجأة.. وأي خطى تعيسة الحظّ أعادتني إلى هذا العشّ
القذر؟ لماذا عدت؟ أ لأنفتح على البؤس والهموم والفجيعة؟ عاتكة أيّتها
القديسة، كيف احتملت وجود هذا المسخ جنبك طيلة تلك السنوات المديدة..
أيّ قوّة ملئت قلبك؟ أي صبر حمل صدرك؟ أيّ إيمان وأيّ حبّ قاد حياتك..
عاتكة: يحيى أيّها الحبيب. يا قطعة بائسة خرجت من قلب أرملة مكسور..
كنت وحيدي وأنيسي ورفيقي وحلمي ويومي وغدي.. بك نسيت جرحي.
داويته وتطهرت منه حين اغتسلت في دموع يتمك. حين أُغتيل أبوك غدرا
كنت في بطني لحما ينشأ.. قطعة من روح نصّار. انتظرتك بلهف الأمهات،
بوجع الأمنيات، رسمتك في خاطري نصّارا جديدا بملامحه وقلبه، بصلاحه
وطهره وفنائه في محبّة الله والإنسان والوطن، ولمّا ولدتك، انتابتني رعدة
تعرفها الأمهات، رعدة من حبّ وخوف، رأيت فيك نصّار، رأيت بهاءه فيك،
رأيت حبي له يصطبغ كلّه عليك، أسميتك يحيى لتحيا..
شبح الموت كان يسكنني دائما كما الخوف والحبّ..
كنت أقول لا تبك يا حبيبي يحيى وطهّرني من الجراح..
عمّدني بماء طهر روحك الصافية.. عمّدني بالحبّ وبالأمل فيك
يا غدي الذي لا أعلم إن كانت لا تغرب شمسه..
فأنت الآن رجلي، سندي وبطلي..
وكنت تقول جرحي غائر يا أمّاه كغصن تين ينبت في الأرض بلا أصل..
تسائلني أين أبي؟ كيف يتخلّى عني وسط هذه الزوابع الشديدة من رياح الحياة
التي تعصف بي وتهدّني.. فأقول أبوك مسافر..
مسافر سفر العاشق الذي لا يعود. تقول هل ثمة حبيب غيري وغيرك؟
هل ثمة حبيب أكبر مني ومنك؟ أقول نعم هو الربّ.. هو الحبّ..
وهكذا متناسية شيطاني كنت أربّي داخلك الحبّ لأنّ الله محبّة..
قتلت الحقد داخلي ما استطعت، حتى يقبلني ربّي في ملكوته. وحتى تحيا
سعيدا. بلا جرح ولا نزف. بلا ذاكرة تُخرّبها الجراح الغائرة..
لم أفلح يا حبيبي، لأنّ الربّ يتتبّع الخطيئة حتى الجيل السابع..
هجرتني وتركتني.. ركبت البحر بحثا عن الحظّ، وتركتني وحيدة كعشّ فراخ
مهجور.. كنت وحيدة أربي داخلي وسط الحزن أملا. ثم عاد عزّام،
عاد مهزوما وحقيرا.. بساق عرجاء وأخرى مقطوعة. قلت هذا انتقام الربّ..
متى كان الربّ يأذن للخطاة أن يهنئوا؟ وللقتلة أن يسعدوا؟
لكن هيهات لقلبي أن يسعد.. كنت وحيدة وحزينة، كنت مكسورة وضعيفة
ولم تعد بي قوة على الشماتة حتى.. كان قلبي مليئا بالضعف والرحمة..
بالحزن والوهن. فقد غدوت امرأة بلا حبيب، وليس أتعس من امرأة
بلا حبّ.. جاءني عزّام كقطّ شريد ضعيف يثير الشفقة أكثر مما يثير في النفس
الشماتة ونوازع النقمة..
(تخفت الإضاءة على المشهد بينما تنتشر معتدلة بلون أخضر عند درجات
القبو اليمنى، وهي الجهة المقابلة للشخصيات. يظهر عند الدرجات عزّام،
رجل أصغر من الآن قليلا، عليه أسمال بالية وقذرة، وجهه مغبرّ، قروحات
وحروق على ذراعه وخدّه الأيمن، ساقه اليمنى استبدلت بساق بلاستكية،
يمسك عقافة بكلتا يديه مرتكزا عليها)
عزام: (من زمن الذكرى من على الدّرج كالحلم) ها أنا منكسر ومهزوم وبلا شيء
يا عاتكة.. ها أنا كغراب عجوز لم يبق لي من الشؤم غير بؤسي.
مضت كل عهودي يا عاتكة وحلّ أوان الضعف وزمن الخذلان..
ذوت مني كلّ قوة، وأحالتني خطيئتي إلى الضعف والهوان. الربّ لعنني
وأذاقني من كلّ كؤوس العذاب.. جنّدوني في حربهم فمتّ آلاف المرات،
وكلّ يوم أموت.. ما رأيته كان أكبر من الموت بضغطة زرّ.. ليتني صمتّ
ذلك اليوم، ليتني كنت محظوظا كنصّار فأقضي نحبي سريعا وأنقلب خيّرا في
حضرة الرّب.. عاتكة أيّتها القدّيسة المكلومة أترحمين ضعفي؟ هل يأذن قلبك
الرحيم لروح عزّام الآثمة أن تقضي أيامها الأخيرة في جوارك؟
(يتلاشى مشهد الذكرى تدريجيّا، بينما تركّز الإضاءة على عاتكة)
عاتكة: كنت وحيدة. وحدة المرأة زمن الفوضى أمر فضيع.. كان زوجي قد مضى إلى
الربّ فعلا، كان مرتاحا وكذا كان إحساسي نحوه.. أتحسس دائما راحتي نحو
مصيره، وأفخر ببطولته. لم يترك نصّار ما يثير أسفي أو خجلي.. لم يترك
لي ندما أو عذابا. لكني مع ذلك كنت خربة، خربة الفؤاد والروح.. يحيى ولدي
لم يشبه أباه تركني باحثا عن الحظ، ركب البحر وسافر قال إنّه سيعود بمال
كثير وبأمور مبهجة، لم يكن ولدي وديعا ونقيّا.. كان شقيّا وملعونا كعزّام
لاحقه بؤس الحظ إلى البلاد البعيدة.. فعاد خائبا.. عاد بائسا وطريدا..
لكني كنت بائسة أيضا وطريدة.. كنت وحيدة.. قبل عودتك يا يحيى ألقى القدر
لي بعزّام. لم يعد صالحا لأيّ شيء.. احتماله في بيتي لن يزيدني إلا عذابا..
قلت وليكن، عذاب أأنس به خير من وحشة تمتصّ وجهي وقلبي..
قلت أرحمك يا عزّام، عاتكة أختك ترحمك، عاتكة تقبلك، عاتكة نازف
جرحها.. عاتكة لا يندمل جرحها.. عاتكة لا تغفر.. عاتكة لا تقدر أن تغفر..
(تجثو على ركبتيها باكية)
(صمت قصير)
جون: (مخرجا مسدّسا، يرفعه إلى الأعلى متأمّلا) يا صنيعة الشرير.. يا من ساويت
بين الجبن والشجاعة.. يا رفيق أهل الخسّة والغدر.. يا صديقا ترافق التعساء
بالروح إلى الهاوية. لطالما عرفت أنّي أخفيك لأمر عظيم. ليس مثلك علاج
لجرحي، ليس مثلك من يزيل لعنتي ويصنع فرحي..
(يضعه فوهته على جمجمة عزّام) ما رأيك يا خال بضغطة زرّ واحدة؟
أليست مغرية وسهلة؟ هكذا أصنع راحتك وراحتي؟ هكذا ترتاح عاتكة
المعذّبة..
عاتكة: (تستقيم سريعا، تتقدّم نحو يحيى، ما تلبث أن تسقط وسط لهاثها،
تجثو على ركبتيها مرتعشة، تمسك يد يحيى) لا لا.. أتوسل إليك بحقّ بطني
عليك، بحقّ الربّ. لا لا.. لا تجمع على عاتكة جرحين بقلبها..
(وهي تحاول إبعاد يده عن جمجمة عزّام، بينما تتصلب يد يحيى ثابتة على
المسدّس والجمجمة) لا تسلك هذا الطريق الموحش. لا شيء يجبرك على أن
تسلك طريق اللعنة غير الشرير إبليس.. لا تستجب لنداءاته، أترك مجالا
للربّ كي يقبلك في ملكوته.. لا تسلك طريق عزّام الخاطئ..
عزّام: (بارتعاش وضعف) دعيه يحرّرني يا عاتكة.. على يحيى أن يكون بارّا بي.
على يحيى أن يريحني من العذاب.
عاتكة: (متوجهة بالكلام لعزام في غضب) اخرس أيها الغراب المشؤوم. أيّها الشيطان
الملعون.. لم نر منك غير العذاب. بعد نصّار جاء دور ابنه ليحترق
بلعناتك..
(يحيى غاضب، يدفع عاتكة بعيدا فتسقط على وجهها)
جون: اللعنة لن تفارقنا يا عاتكة.. اللعنة حلّت مذ قبلت بهذا المسخ.. دعيني أحرّره
كما يطلب.. دعيني أحقّق طلبه.. أنا الآن الشيطان ذاته فلأسلك طريقه. فلأرح
عزام النجس..
(يشغّل المسدّس استعدادا للإطلاق، عاتكة تشيح بوجهها عن المشهد
وتحاول بيأس إثناء يحيى عن فعله بكلمات أخيرة يائسة،
يضاء المشهد العلويّ وتعود له الحياة في نفس اللحظة،
يد الجنديّ الزعيم تضغط على يد عزّام الشاب
فيشغّل المسدس الذي بيده استعدادا للإطلاق)
عاتكة: (باستجداء وضعف) أحبّوا أعداءكم.. باركوا لاعنيكم.. أحسنوا إلى مبغضيكم..
وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم.. وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبّون أن يغفر الله
لكم..
(بالتزامن مع كلام عاتكة، يظهر شبح رجل غريب ملثّم بالمشهد العلويّ،
يصوّب مسدّسه باتجاه يحيى وعزّام، صوت الرصاصتان المتزامنتان يخترق
صلاة عاتكة المضطربة ويقطعها، الرصاصة الأولى رصاصة عزّام التي
تخترق صدر نصّار فيسقط، الرصاصة الثانية رصاصة الملثم الغريب.
على إثر الرصاصة الثانية يسقط يحيى فوق عزّام، بالتزامن مع ذلك،
في المشهد العلويّ يجثو عزام الشاب على ركبتيه ويحني رأسه باكيا.
الرجل الملثّم الغريب يختفي سريعا من اليسار.
المشهد العلوي يتلاشى سريعا، عاتكة تزحف فزعة باتجاه الحادثة)
عاتكة: الويل لي.. الويل لي.. فعلتها يا يحيى وسلكت طريق الشيطان..
(تقترب، تفحص عزّام مبعدة يحيى عنه ظنّا منها أنّ عزّام هو المقتول،
تكون المفاجأة، يحيى مضرّج بالدّماء، عاتكة ذاهلة، عيناها شاخصتان،
فمها مفتوح، صامتة لا تتحرّك، عزام راكع على ركبتيه، صمت قصير،
عاتكة تصرخ صرخة طويلة مدوّية، وعزّام يرفع يديه كالداعي إلى السماء،
عزّام يقهقه ضاحكا، قهقهة حزينة وموحشة كالشيطان. بينما تتلاشى الإضاءة
تدريجيّا..)

الخاتمة:
ليل بارد جامد.. الظلمة تكتنف المكان، المكان قبو منزو.. مجرّد قبو.
على جانبي الركح درجات قليلة متوازية تؤدي إلى الأعلى المغطى بستار
أبيض..
ينبعث من الأعلى ضوء خافت كتجلّيات نور في ما يشبه الفجر..
يصدح صوت المآذن الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وتدقّ الأجراس
في إيقاع واحد ثلاث دقات مرنّمة.. إيذانا بنهاية العرض. صمت للحظة قصيرة.
تظهر عاتكة العجوز في منتصف مقدّمة الجزء العلويّ
بثيابها الرثّة المرقّعة، منحنية الظهر، ثابتة في مكانها بلا حراك..
بيدها مصباح عتيق، بالكاد هو يشتعل ليضيء نفسه..
تتوقّف عاتكة لتلقي نظراتها البائسة البلهاء في ثنايا المكان..
نظرة أخرى في الأعماق وفي الفراغ.. عاتكة تحشرج حشرجة كالأموات..
عاتكة تلقي بنظراتها الحيرى الحزينة.
عاتكة: (تهذي) جون.. أهذا أنت يا جون؟ متى عدت يا جون؟ جون أين ذهبت؟
هل ذهبت تبحث في مكان آخر عن الحظ؟
(يسلط ضوء خفيف على مكان عزام، عزام يدير إبرة مذياعه لتصدر عنه
أصوات مختلطة وغير مفهومة)
عزّام: (مستذكرا حكايته القديمة بصعوبة دون أن يفلح) قال الألماني للأمريكي..
قال الروسيّ للعربي.. وحياة الرب لم أكن.. لم أكن..
(يصمت يائسا من التّذكر، ويصمت المذياع)
يظهر من يمين الجزء العلويّ الرجل الرّاوي، يتقدّم نحو الدّرجات، يتخطّاها إلى
أسفل، يقف في مقدّمة الرّكح- القبو، وتُسلّط عليه الإضاءة)
الرجل الراوي: طوبى للمساكين بالروح لأنّ لهم ملكوت السماوات.
طوبى للحزانى لأنّهم يتعزّون.
طوبى للودعاء لأنّهم يرثون الأرض،
طوبى للجياع وللعطاش إلى البرّ لأنّهم يشبعون،
طوبى للرحماء لأنّهم يُرحمون،
طوبى لأنقياء القلب لأنّهم يُعاينون الله،
طوبى لصانعي السّلام لأنّهم أبناء الله يُدعون،
طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأنّ لهم ملكوت السماوات..
(عزّام يدير إبرة مذياعه فتصدر عنه خشخشة مستمرّة، بينما تتلاشى
الإضاءة ببطء)
انتهت
ليلة وفجر الخامس من رمضان 1441 الموافق ل 28 أبريل 2020

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق