قراءات ودراسات

ثقافة الصحوة الإسلامية بين الفهم و التطبيق ( محاكمات نقدية )

عباس المناصرة

إن حالة الصحوة الإسلامية من المواضيع التي يكتنفها الكثير من الاختلاف والغموض , وهذه الدراسة جهد متواضع , أرجو أن تكون لبنه تضاف إلى الجهود السابقة التي بذلها أهل العلم في هذا الإتجاه. وسأتناول هذا الموضوع من خلال المحاور الخمسة التالية: السيرة النبوية الشريفة, والعناصر الغائبة, ونظرية التعويض, وخطوط التعويض في البناء الحضاري , ومراحل الشمولية في الإحياء والنهضة والتجديد.

أولاً: السيرة النبوية الشريفة (التجربة التطبيقية الأولى للإسلام)

..ونعني بها طريقة الرسول – صلى الله عليه وسلم – ونهجه في تنزيل الإسلام على واقع العرب في الجاهلية، والتي انتهت إلى تنحية الجاهلية، وإحلال الإسلام بديلاً لها.

وعندما يُلِحُ طموح هذه الأمة – في أيامنا – إلى ضرورة بناء (سيرة جديدة للإسلام) على نهج السيرة النبوية الأولى، وحتى تعود الأمة إلى دورها في الحياة من جديد، لابد أن تستنير بالسيرة الأُم، فتأخذ منها الدروس بمنهجية نبوية سليمة.

وأظن أن استخراج الدروس والمسارات العلمية والتطبيقية للإسلام، لن يكون مجدياً، من خلال النظرة التاريخية القصصية للسيرة الشريفة، لان النظر إلى سيرته – صلى الله عليه وسلم- من خلال أنها مجموعة من القصص الجميلة نعلمها للصغار والكبار، مفيد في التأثير التربوي العام. ولكنه نهج لا يصف المسار العلمي، لتنزيل الإسلام على واقع الحياة، وتحويله إلى واقع ملموس في حياة المجتمع.

إِنَّ المطلوب هو استخراج (علم تنزيل الإسلام على الواقع) من خلال دروس التجربة الأولى لتطبيق الإسلام، لينير لنا طريق (السيرة الجديدة) التي نطمح إلى بناء نموذجٍ لها في واقعنا المعاصر.

ومن أراد أن يُخرج الصحوة الإسلامية من حالة العجز والتخبط، الذي تعيشه – في هذه الأيام – عليه أن يعود إلى السيرة النبوية، ليستخرج منها علوم الفهم والتطبيق، من خلال التحليل العلمي الدقيق لمركبها التكويني.

وبذلك يكشف للدعاة، طريق الصحوة، وطريق النهضة، التي توصل إلى البناء الحضاري المتميز، ويريحهم من عناء الفوضى، لأنه يأخذ بيدهم إلى مسارات علمية موصوفة الخطوات، ودون خداع من نفس أو إغراء من هوى.

وكذلك يجب أن نتخلص من أساليب إجبار السيرة، وَلَي عنقها لتشهد عنوة، بصدق سلوك معين لدى فئة، أو تنظيم، أو جماعة ما، باقتطاع أو مثال يوضع في غير موضعه.

لأَننا – بذلك – نقع في الهوى ونُخضع علم السيرة لأَنفسنا، مع أننا -في الأصل – يجب أن نخضع أنفسنا، لمعطيات علم السيرة ونتعلمها كما تريد، لا كما نريد.

لقد بنى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جيلاً متميزاً من الصحابة استطاع أن يحمل مسؤولية التغيير الذي أَراده الإسلام، حتى وُصف ذلك الجيل بأنهم (قرائين تدب على الأرض) وكان التطبيق محمياً بالإشراف المستمر للوحي، على تلك التجربة والتصحيح المستمر لمسارها، والأخذ بيدها نحو الأهداف، التي يريدها الله سبحانه وتعالى منها.

وكان المشرف البشري على تنفيذ التجربة، هو شخص الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – يلاحظها، ويستنهض الهمم نحو الأهداف، ويسبق الجميع للعمل، ويرشد المنقطع عن الصواب، حتى يوصله بالركب العامل من المؤمنين. وكان الصحابة – رضي الله عنهم- فريقاً منسجماً من بُناة الحضارة، يحرص كل واحد منهم ألا يؤتين من قِبله، إلى ثغرة وضع عليها، لأن تقوى الله صمام أمان، تمنع النفوس من الزلل أو التخاذل في العمل.

فإذا أردنا أن نتعرف على مكونات وعناصر السيرة في مركبها التاريخي وملابساتها المتعددة وجدنا أنها تتكون مما يلي:

1- المصدر: الوحي المُبَلِغُ عن الله سبحانه وتعالى، إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرآن الكريم، وتنجيم القرآن الكريم حسب الأحداث، وأسباب النزول لحكمة أرادها لله سبحانه وتعالى، وهي تصحيح الأخطاء في الفهم والتطبيق والعمل، حتى لا تتراكم الأخطاء والانحرافات في ثنايا التطبيق فتؤدي إلى فساد البناء.

2- الرسول المبلغ: وهو النبي – صلى الله عليه وسلم – بتاريخه الشخصي الناصع النقاء قبل البعثة، وبأعماله وممارساته بعد البعثة، وما رافقها من سنته الشريفة من قول (لحديث) أو (فعل) أو (تقرير) لأعمال الصحابة وأقوالهم، ودوره القيادي الذي لا ينطق فيه عن الهوى.

3- الصحابة الكرام: جيل التطبيق وحملة الإسلام -رضي الله عنهم – وهم جيل لم يخضع لمألوف الآباء والأجداد، ولم تتراكم هذه الألفة على قلوبهم، كما تراكمت على قلوب أبناء الجاهلية.

فبعض الناس لا يستطيع أن يخرج عن مألوفه، لأنه مملوك لذلك المألوف، ولا يؤمن بالفكرة الصحيحة، التي تولد من وراء هذا المألوف، إلا إذا استطاعت هذه الفكرة أن تهدم مألوفه تهديماً كاملاً، عندها قد يقترب من هذه الفكرة الصحيحة الجديدة في حذر ودهشة. ولكن الفئة الأولى من الصحابة في مكة المكرمة، والتي استجابت لله ورسوله، لم تكن ممن يحافظ على مألوفه، بل كانت من أصحاب العقول المنفتحة على تعلم الحق، لا تقدس مألوف الآباء والأجداد ولا تخضع لضغط الواقع وتفكيره، فلما رأت فكرة الحق أمام عينها، عرفتها فانحازت لها وتحملت مسؤولية هذا الانحياز، بصبر وثبات، لأنها آمنت عن قناعة واختيار.

هذا الجيل من الصحابة الكرام، صبر على تكاليف العقيدة، وما يحيط بها من عداوة المجتمع، وصقلته الشدة، عُذب، وحوصر، وطورد، وتشرد، فأَدرك حقه في حرية الاعتقاد، وعرف انه بصبره على مشاق الطريق يفتح المجال أمام الإسلام، لينمو وينمو، وبنمو الإسلام تتهدم الجاهلية وتنكشف عوراتها ومثالبها أمام العيون، وبصبره يُحَوِل الإسلام إلى بناء منافس للجاهلية، محسوس النموذج، يساعد البصائر المغلقة على إدراك بنيانه، ويفرض عليها حالة من المقارنة والاكتشاف والمفاضلة، بين النموذج الإسلامي الوليد وبين جاهلية الآباء. وبذلك يعمق توجيه المجتمع المكي نحو الانحياز إلى إحدى، الظاهرتين: الجاهلية أو الإسلام. وكلما خرج واحد من الجاهلية ترك وراءه انهداماً في البناء يكشف ضعفها وهوانها، وبانضمامه إلى بنيان الإسلام، يعلو بناء الإسلام شامخاً، يغري النفوس بالنظر إليه والاندفاع نحوه برغبة جامحة.

4- العرب (المادة الأولية للدعوة) : وهم حقل الدعوة، وبستان تجاربها، كانوا أُمة موحدة لله تعالى، على دين سيدنا إسماعيل عليه السلام عايشت ظروفاً حرفتها عن التوحيد إلى الوثنية وبقي في داخلها حنين وانتماء لإسماعيل عليه السلام، تغلفه قشرة هشة من الوثنية، والجاهلية المألوفة، يحملون كثيراً من الصفات الفردية الإيجابية، في القيم والأخلاق والبيان، سيطرت عليهم حالة الألفة للواقع، إلى حد جعلهم يدافعون عن هذا المألوف، وربما كان هذا الأمر سبباً من أسباب معاداتهم للإسلام، ذلك الدين القيم، الذي جاء ليهز مألوفهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، بعد تحريرهم من العبودية لهذا المألوف.

5- الحالة الحضارية المجاورة: حضارة الروم وحضارة الفرس، وحضارة الهند، حضارات شاخت وقاربت على الانتهاء، تقدم مادي وخواء في القيم والأخلاق والمعتقدات.

6- الحالة التنفيذية (الخطوط العريضة):

1- المراحل: المكية والمدنية 2- الأولويات – العقيدة أولاً والتكليف ثانياً 3- مجموعة كبيرة من الظروف والمتغيرات والتطبيقات 4- السرية والعلنية 5- التصحيح المستمر من الوحي والنبي.

ثانياً: العناصر الغائبة عن عصرنا

ولو حاولنا أن نقارن بين المشروع الجديد، مشروع الحلم الإسلامي المعاصر، وبين المشروع المطبق سابقاً (السيرة النبوية الشريفة) لنتعرف على العناصر التي بقيت لنا منها، حتى نستفيد منها في بناء مشروعنا الجديد، لوجدنا أن العناصر الباقية لنا منها ما يلي:

1- القرآن الكريم كاملاً، وأسباب النزول وعلوم تفسيره.

2- السيرة النبوية الشريفة: السنة (الحديث والفعل والتقرير) التطبيقات، وأعمال النبي عليه السلام وأفعاله وأسباب ورود الحديث وتاريخ الصحابة واستجاباتهم للرسول عليه السلام، والبيئة العربية المحيطة بالدعــوة، والحالة الحــضارية المجاورة والعلاقة بها.

3- الأمة الإسلامية المعاصرة: أُمة ممزقة، ضعيفة، تتفاوت في علاقاتها مع الإسلام فهماً وحملاً.

4- الحالة الحضارية المجاورة: أوروبا وحضارتها المعاصرة، والتي تنظر للأمم نظرة استعلاء وسيطرة وامتلاك، وتهدف في نهاية الأمر إلى تذويب خصوصيات الأُمم وحضارتها في الخصوصية الأوروبية.

ومن خلال هذه المقارنة، نجد أن العناصر المتغيبة عن عصرنا من التجربة الأولى هي:

1- انقطاع الوحي والتوجيه الرباني المباشر.

2- غياب شخص النبي القائد -صلى الله عليه وسلم -.

3- غياب عنصر التصحيح المستمر، الذي كان يرافق التجربة الأولى، نتيجة لانقطاع الوحي وغياب شخص النبي عليه السلام.

4- عنصر إشعاع التجربة الأولى ويقصد به اندفاع تيار الإسلام في بناء الحضارة الإسلامية، حيث كانت السمعة الطيبة، لهذا الخير الذي يحمله الإسلام، تبهر القلوب وتمهدها لاستقباله، وقد ظل إشعاع هذه التجربة يمتد من قرن إلى قرن، حتى وصل إلينا يغرينا بتكرار التجربة، ومع اعترافنا أن قوة هذا العنصر كانت في القرون الأولى أشد وأقوى؛ لقوله عليه السلام (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم…)(1) فهذه الخيرية كانت أشد إشعاعاً في القرون الأولى، ولكن هذه الخيرية مستمرة في هذه الأمة إلى يوم الدين، ولكنه الآن إشعاع ضعيف، لكثرة الحواجز والمثبطات والعوائق وقلة نماذج القدوة الحسنة، التي تساعد في جلاء نوره، ليعودَ جذاباً ومغرياً لأبناء هذا العصر من جديد.

وأمام هذا الحال، نجد مجموعة من الأسئلة، التي تلح علينا، وتحاصرنا، لأنها تبحث عن الإجابات الشافية: كيف نبني سيرة الإسلام الجديدة التي نحلم بها ؟! وكيف نعوض أنفسنا عن انقطاع (الوحي) وغياب (النبي) عليه السلام ؟! كيف نستطيع أن نصل إلى مرحلة (التصحيح المستمر) الذي لا يسمح للمجاملة أن تبقى قانوناً دائماً، ينخر جسم البناء الإسلامي ؟! كيف نعيد (إشعاع التجربة) وبريقها، ليزيل الكسل والعجز من النفوس ؟! كيف ننزل بالإسلام إلى الواقع بمراحل علمية مستخرجة من الإسلام نفسه ؟! والأمة حائرة تريد أن تطمئن إلى نهج في فهم الإسلام يحميها من التخبط، ويعيدها إلى المحجة البيضاء؛ ليعيدها إلى دورها بعد أن تكفل الله لها، بأن لا تجتمع على باطل، وبعد أن رأينا كثرة المشاريع التي قادت الصحوة الإسلامية، وحاولت ولكنها لم تصل إلى الهدف، ولم تحقق من الثمار إلا قليلها، ومن هنا أصبح البحث في الخطوط العلمية، والعملية؛ للتعويض عن العناصر المتغيبة، عن عصرنا، من التجربة الأولى، أمراً ضرورياً تفرضه الحاجة إليه.

ثالثاً: نظرية التعويض (إمكانية التعويض)

… لقد شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تخاطب البشرية في مرحلة نضوجها الحضاري، بنبي خاتم ودين خاتم، تجد فيه ما يناسب نموها الحضاري المفتوح إلى يوم الدين. وكانت السمة الخاصة بهذا الدين، انه دين عام شامل كامل صالح لكل زمان ومكان، وجعل الله في هذا الدين من سعة المناهج ومرونتها، ما يتسع لظروف تطورها واستيعاب همومها.

لقد انتهى وقت المعجزات الحسية، التي كانت تناسب عقلية الأمم الغابرة، لأَن المعجزات الحسية، كانت تتناسب مع طفولتها الحضارية البدائية، حيث كان تأثير المعجزة الحسية ينتهي بانتهاء رسول تلك الحقبة، وقبيل ظهور الإسلام كانت البشرية قد وصلت إلى مستوى من الحضارة والعلم، يؤهلها لأن تخاطب بدين، يخاطب العقل والوعي الذي وصلت إليه.

ومن هنا كانت الرسالة الخاتمة، والنبي الخاتم لسلسلة الأنبياء، يحمل منهجاً قابلاً للتكرار، لمرونته وشموليته، وكانت معجزة الإسلام (القرآن الكريم) تعتمد الإعجاز العلمي، والثقافي، والفكري واللغوي، والتشريعي، والمنهجي، وكل أنواع الإعجاز التي يمكن للعقل البشري أن يصل إليها، أنها معجزة باقية، دائمة التحدي قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) فصلت:53.

هذه المعجزة القرآنية التي تقوم على الخطاب المنهجي الدائم للإنسان، هي نفسها التي عوضت البشرية عن انقطاع الوحي، وغياب النبي، لأن غياب النبي لا يعني غياب المنهج، كما أنها اعتبرت البشرية قادرة بما وصلت إليه من رشد حضاري، على تكرار التجربة الأولى، لتطبيق القرآن الكريم، في السيرة النبوية مرات أخرى، إذا صدقت مع الله في النية والعمل، قال صلى الله عليه وسلم (إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه)(2).

وغياب النبي عليه الصلاة والسلام، لم يكن إلا بعد أن ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقد ترك لنا التجربة الكاملة لتطبيق القرآن الكريم في السيرة العطرة.

وخبر السماء لم ينقطع عن الأرض، إلا بعد أن أكمل الدين نصاً وتطبيقا، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) المائدة 3.

وهكذا نرى أن بقاء الكتاب والسنة والسيرة العملية، يعوض البشرية عن انقطاع (الوحي)، وغياب (النبي)، شريطة أن تعي استخراج الدروس من الكتاب والسنة استخراجاً علمياً مقنناً، يصف لنا: فقه الإسلام في العقيدة والشريعة، والحلال والحرام، والتكليف والاستثناء، وفقه الواقع، وفقه المراحل والأساليب، وفقه المحاكمة، وفقه فهم الغايات والأهداف…..

ولكن يجب التذكير بقضية مهمة، وهي أن كتاب الله وسنة رسوله، تكفي لإنارة الطريق وزيادة، شريطة أن يدرك دعاةُ هذا العصر أن هناك مهمة شغرت، بعد انقطاع الوحي وغياب النبي أُوكلت إليهم، وهي من اخطر المهمات، ولا يمكن النجاح في التعويض إلا بإتقانها، إلا وهي: مهمة التصحيح المستمر لتجربة التطبيق الجديدة، فقد كان الوحي الكريم يُصحح مسار التطبيق، وينقل أَوامر الله سبحانه وتعالى إلى نبيه باستمرار، ومن هنا كانت حكمة تنجيم وتفريق القرآن، مرتبطة بأسباب معينة، تخص التطبيق والتصحيح في الفهم والنية والعمل.

والمراجع للقرآن والسيرة، يجد أن المجاملة والمداراة على حساب المنهج مرفوضة تماماً، وفي دروس غزوة أُحد وحُنَين أمثلة واضحة على ذلك، لأن الضعف في التصحيح، يؤدي إلى تراكم الخطأ، والقبول بالأخطاء، يُشكل تآكل الدعوات من الداخل وانهيارها.

فكيف ومتى يستطيع دعاة هذا العصر أن يستخرجوا فقه التصحيح المستمر، الذي يضع النقاط على الحروف ؟ دون ضغط من هوى، أو مصلحة، أو مدارة على حساب المنهج، ولعلها أخطر قضية تتحدى دعاة اليوم.

والإجابة الوحيدة التي أراها – مقنعة لي على الأقل – هي أن تبحث الأمة عن منهجها العلمي، الذي يوضح خطوط التعويض الحقة، من كتاب الله وسنة رسوله، وتستخرجه لينير لها طريق العمل، شريطة أَن ينبع هذا المنهج من عباءة القرآن، وسنته -صلى الله عليه وسلم- ويصب في وجدان المسلم، دون أن تلوثه مناهج التغريب، تحت اسم البحث عن ضالة المؤمن (الحكمة) كما يزعم الزاعمون.

رابعاً: خطوط التعويض في البناء الحضاري

وحتى نعوض أنفسنا عن إشراف الوحي المباشر، الذي كان يقود التجربة الأولى لهذا الدين، تحت رعاية الله سبحانه وعنايته، وبعد أن انقطع عنا خبر السماء، الذي كان يصحح المسيرة باستمرار، وحتى نعوض أنفسنا عن غياب الحبيب القائد الذي لا ينطق عن الهوى، اصبح لزاماً علينا، أن نبحث عن منهج علمي، يحمينا من جهلنا وتخبطنا، منهج يؤخذ من المصادر الشرعية ونصوصها، يخضع لها، ويهتدي بها في كل صغيرة وكبيرة، و هذا المنهج يقو م على خطوط رئيسة منها:

1- الخط الأول: الأخذ بالأسباب:

وتقوم منهجية الأخذ بالأسباب على أساس راسخ من العقيدة الإسلامية، حيث يدرك المسلم أن خلافته على الأرض، توجب عليه الاستعداد للحياة الدنيا، من خلال الأخذ بالأسباب، وعلى أساس من معرفة النواميس والسنن، التي غرسها الله سبحانه وتعالى في الكون والحياة والنفس البشرية، وحيث أن المنهجية القرآنية، تدفع بالمسلم نحو اكتشاف الأسباب ومعرفة نتائجها، والأخذ بها حتى يتقوى بهذا الاكتشاف، ويستعين به في بناء حضارته، مع علمه أَن هذه الأسباب، لا توصل إلى الأهداف، إلا بتوفيق من الله عز وجل.

المؤمن يتقوى بالأسباب، ويلجأ إلى خالقها، طالباً منه التوفيق والعون والسداد، حتى لا يقع في عبادتها من دون الله، انه يتوكل على الله وليس على الأسباب ونتائجها، قال صلى الله عليه وسلم (اعقلها وتوكل)(3).

ونلاحظ ذلك عملياً في تطبيقات الرسول صلى الله عليه وسلم ففي غزوة بدر مثلاً، أخذ بالأسباب والاستعداد، ثم ختم ذلك بالدعاء إلى خالقها، طالباً منه العون والثبات، ثم ترك الأمر لمشيئة الله سبحانه تختار للمسلمين ما تريد.

يقول سيد قطب -رحمه الله – (فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله، واتسع له تصورها ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن الله الثابتة والاطمئنان إلى مشيئته المطلقة)(4).

ومن ضوابط هذه المنهجية والتي تدعمها شواهد كثيرة من السنة الشريفة ما يلي:

1- لا بد من وضوح الغايات والأهداف، التي نصت عليها عقيدة الإسلام وشريعته في تفكير المسلم، لان وضوح الأهداف والغايات يؤدي إلى وضوح الطرق والمراحل والوسائل التي توصل إليها، وإخضاع العلم والتطبيق لنية العبادة والتقرب به إلى الله وهو أول أسباب النجاح، والعلم والأعمال تتحول إلى طاعة وقربى، إذا خلصت النية فيها لله سبحانه وتعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى…) متفق عليه(5).

2- ومن ضوابط هذه المنهجية: التأصيل الشرعي الدائم للعلم والعمل، لان هذا التأصيل معناه، صحة العمل، وصحة العبادة، والقبول عند الله أولاً، ومعناه أيضاً إسلامية المنهج وإسلامية التطبيق، وإسلامية الغايات والأهداف ثانياً، وبذلك ينال ثقة المسلمين، ومن معانيه نفي الخبث والانحراف والتشوه عن دين الأمة، والعودة به إلى صفاء النبع الذي تشرب منه الأمة (القرآن والسنة).

3- ومن ضوابط هذه المنهجية الأَخذ بأقصى درجات الاستعداد العلمي، لفقه الإسلام والعمل به من القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة (التجربة التطبيقية الأُولى) لان المسلم مطالب شرعاً بالمقاربة والتسديد، ولأن العلم العميق بالإسلام يضيء طريق العمل له، قال صلى الله عليه وسلم:

1- “… ولكن سدوداً وقاربوا… ” (6).

2- (فقيه واحد اشد على الشيطان من أَلف عابد)(7).

4- ومن منهجية الأخذ بالأسباب: إتقان العمل على أساس من التخصص، بداية من العلم الذي يصف ذلك التخصص والانتهاء به إلى التطبيق العملي الذي يوظفه في بناء حضارة الإسلام، وأعلى مراتب العمل اتقاناً هو الإحسان، الذي يجمع بين (النظرية و التطبيق) في أعلى مراتبها قال صلى الله عليه وسلم:

1- (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)(8).

2- (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)(9).

3- (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك…)(10).

4- (أن الله كتب الإحسان على كل شيء…)(11).

5- ومن منهجية الأخذ بالأسباب، تفتح عقل المسلم للتعلم من تجاربه في الحياة، والفطنة وعدم تكرار الأخطاء، والابتعاد عن الحمق، والغباء، والإمعية، والتقليد، ودفن الرأس في الرمال، وهذه الصفات السلبية، لا تتواجد في مسلم عرف إسلامه جيداً، ومن رآها في نفسه، فعليه ان يراجع فهمه للإسلام من جديد، قال صلى الله عليه وسلم:

1- (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) متفق عليه(12).

2- (المؤمن كيس فطن حذر، وقّاف لا يعجل )(13).

3- (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)(14).

4- (لا يكن أحدكم إمعة…)(15).

5- (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)(16).

6- ومن هذه الضوابط الابتعاد عن الترف الفكري، وتحويل العلم إلى عمل، لان فائدة العلم هي في العمل به، ومواجهة الأخطاء ومنع تراكمها، ونلاحظ أن أدبيات الصحوة الإسلامية – في أيامنا هذه – تقوم على المجاملة والتهرب من التصحيح، في كثير من جوانبها، خوفاً (من جلد الذات) كما يقول العباقرة المبررون…!!

7- ومن العبارات المشهورة في تاريخ هذه الأمة، أَن عمر -رضي الله عنه- وعندما تأخر النصر على المسلمين في إحدى المعارك قال لقائد تلك المعركة: إنما ننتصر عليهم بطاعتنا لله وعصيانهم له، فإذا تساوينا معهم في المعصية كانت الغلبة للقوة، أَي للأخذ بالأسباب.

2- الخط الثاني: فتح بوابة الاجتهاد والتجديد والإحياء واكتشاف سنن الكون والحياة.

الاجتهاد بين الثوابت (الأحكام القطعية) والمتغيرات (الظنية):

أ- الثوابت: ويقصد بثوابت الإسلام، الأصول والفروع التي نص عليها الشرع بحكم قطعي الدلالة، وهي إلى لا مجال فيها للاجتهاد، لأن الشارع حددها وفصلها فهي أحكام ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، ومجال اجتهاد العقل البشري هو فهمها وفقهها، كما نص عليها الشرع، وكما يفهم من دلالته اللغوية، وأسباب نزوله؛ لان القاعدة الشرعية تقول (لا اجتهاد في موضع النص). وهي محاور ثابتة، تغطي جميع مسائل الحياة تغطية مباشرة متفاوتة، وتنبثق من العقيدة الإسلامية في أصولها، ومن الشريعة الإسلامية في أحكامها، كقضايا العقيدة وآيات الأحكام وفقه العبادات.. وغيرها.

وهذه الثوابت المنصوص عليها شرعاً، لا مجال فيها للاجتهاد، ولا تقابل إلا بالتسليم والخضوع لأمر الله سبحانه وتعالى فيها، والخروج عليها أو الخضوع لها يتوقف عليه كفر أو إيمان.

وهذه الثوابت تُعين العقل البشري على الاستقرار، وتريحه من التخبط، وتبين له البدايات السليمة، وهو مطالب بالتكيف معها والتطبيق لها، والتحرك ضمن إطارها، لأنها بمثابة الضوابط التي تضبط حركة الإنسان، وعقله داخل محور الهداية، حتى لا يضل ولا يشقى بين كثرة الطرق المتشعبة.

يقول سيد قطب -رحمه الله-: (وهي من مقومات هذا التصور الأساسية وقيمه الذاتية، فهي لا تتغير ولا تتبدل ولا تتطور حينما تتغــير ” ظواهر” الحياة الواقعية، ولا يقتضي هذا “تجميد” حركة الفكر والحياة، ولكنه يقتضي السماح لها بالحركة داخل الإطار الثابت وحول المحور الثابت، وسمة الحركة داخل المحور الثابت هي طابع الصنعة الإلهية في الكون)(17).

ب- المتغيرات: وأَما ما تغير من الإلى بين الزمان والمكان، ولم يرد فيه نص شرعي، فقد تُرِك المجال فيه للعقل البشري، لاستنباط الأحكام بضوابط لا تخرج عن المحاور الثابتة، حتى يقوم العقل بحل إشكالية التغيير والتطور فيها بالحكم الاجتهادي، وهذه هي بوابة الاجتهاد والمساحة والتي فتحها الله سبحانه وتعالى لتوظيف العقل البشري خدمة للمحاور الثابتة في الإسلام، ولمواجهة حركة الحياة المتبدلة والمتغيرة المتطورة، لأن حكمة الله شاءت أن تحمي الإنسان المؤمن من نفسه بالثوابت، وان تترك العناصر المتطورة والمتغيرة لعقول أبناء الإسلام، حسب الأزمنة والأمكنة، وحسب تغير مصالحها ليجتهدوا فيها ضمن حدود الثوابت ومعطياتها.

جـ – وقد وردت مجموعة من المصطلحات التي توضح أهمية التعامل مع المتغيرات الاجتهادية في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم منها:

1- الاجتهاد: ( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر)(18).

2- التجديد: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها) “رواه أبو دواد في الملاحم”.

يقول الأستاذ عمر عبيد حسن في مقدمته لكتاب ” المنهج النبوي في التغيير الحضاري “: “لقد جعل التجديد تكليفاً، ولم يقتصر على أن يكون إخباراً، والتجديد الذي هو في الحقيقة تقويم للواقع وتغيير له ومحاولة للعودة به إلى الينابيع الأولى، بعد إدراك هذا الواقع في ضوء المنهج النبوي للتغيير… وهو لازم من لوازم الخاتمية، حيث توقف التصويب من السماء، فلا بد من ممارسة عمليات التصويب والتقويم للواقع في ضوء مرجعية قيم السماء… “(19).

3- الإحــياء (من أحيا سنـة من سنتي قد أُميتت بعـدي، فــإن له من الأجر مثل من عمل بها)(20) وكل هذه المصطلحات تحث على الاجتهاد، لتجديد أمر هذا الدين، حتى يندفع للسيطرة على الحياة، لكسر طوق الجمود والتخلف ولمواجهة الانحراف، وحتى يعود العمل بالإسلام من خلال العلم به والاجتهاد له والتجديد لأمره.

إنه دين يجمع بين المحاور الثابتة – بالنص الشرعي ـ وبين الأمور المتغيرة في الحياة؛ حتى يحمي الإنسان من الضلال، فيندفع إلى العلم والتطبيق حيث يكلف العقل البشري بالاجتهاد لها.

وهو دين يعلم ضعف العقل البشري فيعطيه (الثوابت) التي حميه من الانزلاق وراء الأهواء، ويعلم عظمة هذا العقل، فيكلفه (بالاجتهاد والتجديد والإحياء واكتشاف سنن الله) في الكون والحياة؛ من أجل تسخيرها لخدمة خلافته في الأرض، وهذا هو الجمع الدائم بين الثابت والمتغير، في موازنة حكيمة؛ لضبط النشاط الحضاري للإنسان، وحمايته من الضدين (الانفلات والجمود).

3 – الخط الثالث: الشمولية (عقيدة واجبه، ومسار علم وطريق نهضة)

الشمولية في اللغة تعني: العموم والاحتواء والإحاطة والكلية

الشمولية في الاصطلاح: هي اعتقاد يحمله كل مسلم، مفاده أن ” الإسلام دين كامل شامل صالح لكل زمان ومكان ” لا يعجز عن تفسير الحياة ولا يعجز عن حل مشكلاتها، لأنه دين صادر عن الله سبحانه وتعالى، الذي وصف نفسه، (لا يعزب عنه مثقال ذرة..) سبأ: 3.

وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم واضحاً في قوله تعالى:

1 – (ما فرطنا في الكتاب من شيء) الأنعام: 38.

2 – (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) يس: 12.

كما أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بشمولية الأخذ بكتاب الله فوصفهم بقوله: (وتؤمنون بالكتاب كله)… آل عمران: 119.

ويتمثل الإسلام بنظامه الكامل (العقيدة – الشريعة – نظام الحياة المنبثق منهما) وقد ورد معنى الشمولية عند علماء الأمة القدامى أمثال الإمام الشافعي والشاطبي وغيرهم تحت اسم (العمومية)، عمومية المقاصد الشرعية للشريعة الإسلامية، يقول العلامة سيد قطب – رحمه الله- موضحاً مصطلح الشمولية: ” وهي سمة من سمات الربانية، فالشمول طابع الصنعة الإلهية وتتمثل خاصية الشمولية في صور شتى “.

1- رد هذا الوجود كله بنشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحول وتغير وكل تطور، والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه، إلى إرادة الله السرمدية الأبدية المطلقة.

وهذا التصور يعطينا تفسيراً مفهوماً لانبثاق ظاهرة ” الحياة ” في المادة الصماء، ومن لم يعترف بهذه الإرادة المبدعة، عجز تماماً عن التعليل والتفسير أو تخبط الفلاسفة في شتى العصور.

قال تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) القمر:49، (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) الفرقان: 2، (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) طه: 50، (والله خلق كل دابة من ماء) النور: 45، (وجعلنا من الماء كل شيء حي) الأنبياء: 30.

وهذه الحقيقة تعفي العقل البشري من الضرب في التيه بلا دليل، كما تفعل العقول الضالة، بالإحالة على الطبيعة أو العقل، أو الكائنات الأسطورية، كالوثنيات على مدار التاريخ؛ ولذلك فهو يرد خيوط الكون والحياة كلها إلى يد الله، ومراقبته وهيمنته وسلطانه، وبهذا يرتاح الإنسان ويطمئن إلى عقيدة راسخة لا تيه فيها.

2- وهو كما يتحدث عن الحقيقة الأولى للأُلوهية، وخصائصها وآثارها وصفاتها، كذلك يتحدث عن حقيقة العبودية وخصائصها، وصفاتها وحقيقة الكون، الإنسان، الحياة لتربط العلاقة الواضحة بين الألوهية والعبودية في وضوح تام، فيعرف الناس بربهم تعريفاً دقيقاً كاملاً شاملاً.

(الحمد لله رب العالمين) (الفاتحة: 2)، (الله لا إ له إلا هو الحي القيوم) (البقرة: 255)، ويعرف الناس بطبيعة الكون الذي يعيشون فيه وخصائصه وارتباطه بخالقه،.. ويحدثهم عن الحياة والإحياء.. ويحدثهم عن الإنسان من حيث مصدره ومنشأه وغاية وجوده ونهايته.

3- ومن صور هذه الشمولية، مخاطبة الكينونة البشرية بكل جوانبها، وبكل أشواقها وبكل حاجاتها وبكل اتجاهاتها إلى جهة واحدة تتعامل معها، ترجوها وتخشاها، وتطلب رضاها وتتلقى منها التصور في قيمها وموازينها وشرائعها، وبذلك تتجمع كينونة هذا الإنسان بمشاعرها وسلوكها وتصورها واستجابتها في شأن العقيدة والمنهج والتلقي، وشأن الحياة والموت، وشأن الدنيا، والآخرة فلا تتفرق ولا تتمزق(21).

خامساً: مراحل الشمولية في الإحياء والنهضة والتجديد

1- المرحلة الأولى : (الشمولية العقيدية)

الشمولية عقيدة يعتقدها كل مسلم في الإسلام، وتقوم هذه العقيدة على أساس خلاصته: أن الإسلام دين كامل شامل، صالح لكل زمان ومكان، لأنه دين رباني صادر عن علم الله سبحانه وتعالى، وهي عقيدة واجبة على كل مسلم في إسلامه، ومنكرها خارج من ملة الإسلام، إذا تعمد الإنكار لهذه العقيدة عن قصد وعمد، يقول الله سبحانه وتعالى: اليوم أكملت لكم دينكم.. المائدة،3 وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً سبأ: 28، ولكن رسول الله وخاتم النبيين الأحزاب: 40، وقد ظن كثير من الدعاة في أيامنا، أن مخاطبة الناس بهذه العقيدة – الموجودة لديهم أصلاً – من افضل وسائل الدعوة إلى الإسلام، فاستنهض الهمم للعمل لصالح الإسلام، ونحن لا ننكر فائدة ذلك في تعريف الناس بإسلامهم، وجلاء عقائده في صدورهم، ولهذا حصلنا على الصحوة الإسلامية، كثمرة لخطاب المسلمين، من خلال علوم العقيدة والتفسير والشريعة والسيرة وغيرها، ولكن ماذا بعد ذلك ؟!

لقد قنع هؤلاء الدعاة لأنفسهم بدور محدد، هو دور الوسيط الناقل لعلم التفسير وشروحه والحفظ والاستظهار للنصوص الشرعية وقصص السيرة، حتى وصلوا إلى مرحلة الاجترار وتكرار الذات، وفي ظنهم أن هذا يكون كافياً لدعوة المسلمين إلى تطبيق الإسلام، والنزول به إلى الواقع العملي، من خلال الخطب والدروس والمواعظ والتذكير، فكان عملهم أشبه بعملية تنمية عامة للوعي الجماهيري بالإسلام. ثم انكشف عجز هؤلاء، ولم يكن في جعبتهم شيئا غير هذه التنمية والتذكير بصلاح هذا الدين وكماله، ثم أصبحوا كالصفر الذي يدور حول نفسه، لا يعلمون ما هي الخطوة الثانية بعد هذه الصحوة. لم يتخل الإسلام عن صلاحه ولا تنازل المسلمون عن عقيدتهم بصلاح دينهم لكل زمان ومكان، ولكن ما سبب هذه الحالة من العجز المذهل؟!

والسبب كما أرى أن دعاة الإسلام لم يستطيعوا نقل المسلمين إلى التجربة التطبيقية التي تحول شمولية الإسلام وصلاحه إلى واقع ملموس، في الحياة المعاصرة، لأنهم فشلوا في تنزيل الإسلام على واقع الناس، وكان السبب في ذلك عائد إلى خلل في فهم الدعاة، يوم أن ظنوا انهم قادرون على النزول بالإسلام إلى التطبيق المباشر وبدون مراحل علمية، ومن خلال علوم التفسير وبدون علوم وسيطه.

لقد نسي كثير من الدعاة أن علوم التفسير، وعلوم الحديث، وعلوم السيرة، علوم متداخلة في طرحها، فعلم تفسير القرآن يحاول أن يصل إلى مقاصد الآيات في مواضعها، ضمن أسباب النزول، والموضوع الواحد المبثوث في عدة سور من القرآن الكريم، لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، جعل علماء التفسير، يشرحون مقاصد هذه الآيات المبثوثة في أماكنها، لأنها هكذا وردت في القرآن الكريم. وجاء دعاة هذا القرن فنزلوا بالإسلام من منابعه الأولى (القرآن الكريم والسنة الشريفة) وتفسيرهما إلى الواقع مباشرة، وقد اعتمد هؤلاء نفس أسلوب علم التفسير، في الخطاب العام، وفي الدعوة للتطبيق، وكان علم التفسير علماً محكوماً بأسلوب الخطاب القرآني، الذي أرادته حكمة الله في مخاطبة النفس البشرية، حيث ينتقل بها القرآن الكريم أثناء خطابه الذي لا يسير على وتيرة واحدة – وإنما يتنقل بهذه النفس بين بساتين الحكمة الإلهية، بحيث لا تشعر بالسأم ولا يعتريها الملل، مرة يدفعها إلى التفكير في المخلوقات، ومرة يذكرها بالثواب، ومرة يهددها بالعقاب، ومرة يعظمها وأخرى يخاطب فيها عنصر الخير، ومرة يعرض أمامها خلاصة التاريخ الإنساني، انه خطاب متوازن، يشعر قارئ القرآن أثناء ترتيله براحة عجيبة ومنطق خاص، اسمه المنطق القرآني المعجز، فلما جاء علماء التفسير، وجدوا أنَّ علمهم محكوم بالتعرف على مقاصد الآيات، حسب أماكنها فالتزموا بذلك، وخيراً فعلوا.

ولكن دعاة هذا القرن، ظنوا أنهم قادرون على النزول بالإسلام إلى واقع التطبيق، من خلال علوم التفسير مباشرة، مما أوجد حالة من الفوضى والتخبط، سببه النزول إلى الواقع من خلال مقاصد الآيات المتناثرة والمبثوثة هنا وهناك، لم يقم الدعاة بنقلها إلى مرحلة الضبط، وكانوا بحاجة إلى علم جديد، يضبط العلاقة بين علم التفسير وبين التطبيق في الواقع، وهذا العلم هو “علم الفهم ” وهو علم ليس اقل قيمة من علم التفسير، بل هو العلم الذي ينظم جهود علماء التفسير في القرآن والسنة بأسلوب متخصص، ويقوم على تقسيم مقاصد الخطاب القرآني والنبوي، في علم التفسير وفي فقه السنة إلى قضايا متخصصة، فيجمع شواهد كل قضية جمعاً كاملاً، لا ينسى منها شاردة ولا واردة، ويستخرج منها فهماً علمياً متناسقاً يمكن أن يسمى “نظرية أو نظام الإسلام” في القضية كذا، وتكون وظيفة هذه النظرية، تفصيل خريطة هذه القضية، ووضع جميع شواهدها على ” الخريطة الشاملة ” لنضمن أفضل الطرق العلمية في فهم القرآن والسنة، هداية للعمل، وتعويضاً لأنفسنا عن تصويب السماء، الذي كان يتابع تجربة الإسلام الأولى.

فالأصل أن تُجمع نصوص القضية الواحدة، من القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والتطبيقات الإسلامية لها، ويستخرج منها نظرية شاملة، تحدد العام وتفصل الخاص، وتبين فروق التطبيق بين واقع وآخر، ووجوه الاستثناء.

وهذا هو المخرج العلمي الوحيد، لأنَّ علم التفسير علم عام يناقش تفاسير العلماء، للآيات في مواقعها من القرآن الكريم، فقد تتواجد آيات كثيرة لموضوع واحد، في عدة سور، والأمثلة على ذلك كثيرة وواضحة، آيات الاقتصاد الإسلامي، آيات النفس، آيات التاريخ وسنن الاجتماع البشري، آيات التربية، آيات السياسة الشرعية…

ولذلك كان الخلل كبيراً؛ عندما أخذ كثير من الدعاة ينزل إلى الواقع، وهو يعتمد الآية أو الآيتين أو اكثر مع بعض الأحاديث في التربية مثلاً، ويظن في نفسه، أنه أقام منهجاً للتربية الإسلامية، وقد نسي عشرات الآيات ” في نفس الموضوع، التي لو فطن لها لأدرك المنهج أو النظرية إدراكاً شاملاً، ولكنه بأسلوبه هذا، جعل فهمه لا يغطي خارطة المقاصد فأصبح فهمه مشوهاً وقاصراً يقوم على الانطباع السريع. وهذا الحال، أوقع الدعاة على اختلاف تياراتهم في الفقه المتضارب، والإفتاء المتعسف، الذي يعيش على الذاكرة والمزاج، والذي تكون فتواه على شاهد أو شاهدين أو اكثر، مما أوجد حالة مرضية في التطبيق يمكن أن يطلق عليها اسم ” الشمولية الفوضوية “.

إنها شمولية تنزل بالإسلام، إلى الواقع من خلال مقاصد متناثر، وغير مترابطة، ودون جمع كامل لشواهد القضية الواحدة، وتحكم المزاج والانطباعية في فهم الإسلام، دون تمييز بين العام والخاص والشمولية والجزئية والجانب الشرعي والجانب التخصصي للقضية الواحدة، لأنها مرحلة سيطرة ” المفكر العام ” وغياب ” الفقيه النظري المتخصص ” ولذلك وقعت الصحوة الإسلامية في حالة من الفوضى، في الفهم والتطبيق، واختلاط في المراحل العلمية: النظرية، والتنفيذية، وحالة الجماعات الإسلامية واختلافها في الفهم، وتضاربها في التطبيق، هو أكبر دليل على ما نقول؛ لأنهم لا يملكون تصوراً نظرياً واضحاً شاملاً عن إسلامهم، قبل النزول به إلى واقع التطبيق، وكان حصاد هذه الفوضوية واضحاً في الصحوة الإسلامية في الظواهر التالية:

1- عمل كثير، وثمار قليلة، وضعف متراكم، عند جميع التيارات العاملة في حقل الصحوة دون استثناء.

2- إنجازات مبعثرة، لا تخدم مرحلة معينة، وتتفرق في جميع المراحل، مما يضعف قيمتها، ويقلل فرص الاستفادة منها.

3- اختلاط الأولويات والغايات والأهداف، وضبابية الرؤيا، وكثرة المخاطر والفجوات، والتخبط الذي يوصل إلى الإحباط.

4- فقدان القدرة على التفسير والتعليل العلمي، والوقوع في السطحية والضياع بين العام والأعم منه، كمن يسبح من نهر إلى بحر، ومن بحر إلى محيط.

5- الوقوع في حالة الانفتاح الفوضوي الضعيف، وضياع الثوابت والمبادئ، أثناء التعامل مع الآخرين، والخضوع لمثاقفة الأقوى، من خلال خلط النظريات العلمية الغربية مع الإسلام، تحت اسم الانفتاح والبحث عن ضالة المؤمن ” الحكمة “.

6- غياب الأساليب العلمية الإسلامية (المستخرجة من القرآن والسنة) في العمل، والاحتماء بالأساليب الفطرية الفوضوية مثل (الفزعة، العونة، المساعدة، النخوة، الارتجال، الاستجداء…) بينما كانت الفزعة والعونة… في البناء الإسلامي الصحيح والسليم، مكملات تفيد العمل، أَصبحت هنا هي الأساسيات، واصبح العمل القائم على العلم أمراً ثانوياً يعود إلى رغبة الأفراد.

7- العيش تحت وهم الإنجازات والانتصارات، وتضخيم الذات، والهروب من النقد، ودفن الرأس في الرمال خوفاً من ” جلد الذات ” كما يزعم الزاعمون، مع علمنا أن الاعتراف بالحق أولى من التمادي في الباطل، والتوبة إلى الله من الأخطاء أفضل من مدارة الهوى وإتباع النفس.

2- المرحلة الثانية: (الشمولية النظرية)

نظريات العلوم الإسلامية (الفقه النظري المتخصص)

مقدمة: وقبل أن ندخل في الشمولية النظرية، أحب أن أقدم رأيين، رأي في أهمية النظرية والتنظير، ورأي آخر في أهمية التخصص.

أ- الرأي الأول في أهمية التنظير:

يقول الأستاذ محمد وليد سليمان تحت عنوان ” دعوة إلى التنظير ” (نزعم ابتداء أن كلمة (التنظير) قد ظلمت ظلماً شديداً في أوساط العاملين في الحقل الإسلامي، فما تكاد تذكر إلا وتتأفف منها الأنفس، أو تحيطها بالسخرية والازدراء، ونزعم أيضاً أن شيئا من الجهل هو السبب الرئيس لذلك، فما اتفق المفكرون على شيء اكثر من اتفاقهم على أن “الفكر يسبق الحركة ” وأنَّ وضوح الرؤية من أوليات أسباب النجاح.

إن المظهر الأساسي لظلم كلمة (التنظير) ومفهومها في الوسط الإسلامي، ذلك الغياب الكبير للتنظير والمنظرين، وما يرافق هذا الغياب من ظن المسلمين وأوهامهم انهم شبعوا تنظيراً وكلاماً وكتابات، وان الإسلام اليوم بحاجة إلى العمل الجاد والإخلاص والتضحيات… ولما كنا نريد بالتنظير هنا، التنظير للعمل الإسلامي خاصة، فان من السهل أن ندعو المتأملين والباحثين إلى جولة في المكتبة الإسلامية، ليصدموا بندرة الكتب التي تنظر للعمل الإسلامي، وتبحث في أهدافه ووسائله وطرائقه، وأسباب نجاحاته أو إخفاقاته)(22).

ب- الرأي الثاني: في أهمية التخصص:

يقول الأستاذ برغوث عبد العزيز بن مبارك تحت عنوان ” خاصية التخصص”

(لقد كان لخاصيتي العلمية والعملية، دور بالغ الأثر في طبع الواقع العالمي الراهن بميزة التخصص الدقيق في كل شيء، فعلى صعيد المعرفة مثلاً، تفرعت المعارف، وتخصصت بشكل لم يكن يتصوره ” دو كايم ” وهو يقدم ملاحظته في موضوع علم الاجتماع فقد تعب كثيراً في موضوع التسمية نفسه، واليوم نجد هذا العلمَ متفرعاً إلى اكثر من سبعين فرعاً، كل واحد منها بحاجة إلى وقت كبير جداً لاستيعابه وقد انتشر المنطق التخصصي في كل تفاصيل حياتنا العامة والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، والتعليمية والتربوية والإدارية، انه فيما يتعلق في هذه الفكرة بالذات، نتأسف كثيراً لما يحدث في عالمنا الإسلامي عندما نشاهد متخصصين مطلقين، يتكلمون في كل العلوم بلا علم ولا دراية، ما زالت تراودهم فكرة الموسوعية التي قضى عليها عصر العالمية والعلمية والعملية)(23).

كان القصد من ذكر موضـوع ” الـتنظير ” والتخصـص هو الإشارة إلى أهمية الشمولية النظرية (علم الفهم النظري) لكل قضية من قضايا العلم في القرآن والسنة، والتي كان غيابها سبباً من أسباب ميلاد “ظاهرة الفوضوية ” وبذلك فقدت الصحوة الإسلامية من يرشد خطاها في الفهم وينقلها من مرحلة الاعتقاد بصلاح هذا الدين وشموله، إلى نظريات شمولية متخصصة تترجم عقيدة الشمول في الفهم، وتوضح خرائطها وتأخذ بيدها نحو النهضة المهتدية بالعلم الإسلامي المتخصص.

الشمولية النظرية:

وحتى نسير في خطوات علمية تفصل شمولية العقيدة، وتنقلها إلى شمولية الفهم النظري المتخصص، في طريق تعويض الأمة عما فقدته من تصويب السماء، بعد انقطاع الوحي وبعد غياب النبي عليه الصلاة والسلام وفي ضوء المرجعية الشرعية، آخذاً بالأسباب التي تضمن للأمة خصوصيتها ونقاء دينها.

وهي علوم نظرية وسيطة بين علوم التفسير وعلوم التطبيق، هدفها نقل الفهم من حالة الأفكار والآراء المبعثرة هنا وهناك، إلى نظرية علمية كاملة الموقف.

هذه العلوم النظرية، هي التي تنقل الإسلام من معتقد الصلاح الشامل إلى تفصيل شمولية الإسلام علمياً، حيث تعطينا تصوراً علمياً نظرياً يعتمد النسق المترابط في الموضوع الواحد، حتى تنكشف أجزاء هذا الموضوع وعلائقه: الخاص، والعام، والاستثناء، والتفصيل من خلال فهم مقاصد جميع الشواهد على الخارطة الشاملة للنظرية:

(نظرية في علم النفس الإسلامي، نظرية في علم الاجتماعي الإسلامي، نظرية في علم التربية الإسلامية، نظرية في علم الاقتصاد الإسلامي، نظرية في علم السياسة الشرعية الإسلامية، نظرية في الأدب الإسلامي، نظرية في علم الإدارة الإسلامية، نظرية…..).

ويكون استخراج هذه النظريات بجمع النصوص الشرعية والتطبيقية من القرآن الكريم والسنة الشريفة والسيرة الشريفة، واجتهاد الصحابة والتابعين والعلماء في علوم التفسير والفقه والتطبيقات الإسلامية الصحيحة عبر العصور ومن خلال فهم أساليب اللغة العربية وأسباب النزول (للآيات) وأسباب الورود (للسنة)، حتى يتحقق الفهم في نظرية كاملة شاملة للموضوع الواحد نضمن من خلالها ما يلي:

1- جمع النصوص الشرعية في الموضوع الواحد، وتصنيف مقاصد هذه النصوص، وكشف مسارات الأحكام المستخرجة منها، وترتيب هذه الأحكام في نظرية مترابطة، كاملة البناء والموقف والخطوات المنهجية.

2- هذه النظرية هي انتقال من جهود علماء التفسير إلى جهد علمي جديد هو علم الفهم النظري، الذي يعتمد على جهود علماء التفسير ويستخرج منها فهماً متخصصاً، يحل كثيراً من المشكلات، مثل مشاكل الفهم الموضعي في علم التفسير، وتصنيف جهود العلماء في القضية الواحدة، وإزالة وهم التعارض بين النصوص الشرعية، والاهتمام بالتفصيل العلمي الذي يخدم هدف التطبيق، للوصول إلى الفهم العلمي المؤصل شرعياً.

3- أنها نظرية شاملة كاملة، تنقل جهود علماء التفسير من حالة تفسير المقاصد الشرعية إلى نظرية في فهم هذه المقاصد وتصنيفها وضبطها، بحيث تستغرق جميع الشواهد التخصصية من مصادرها الشرعية، دون إهمال أو تجاهل لأي شاهد، وتضع كل شاهد في موقعه الحقيقي من خارطة الشواهد، وتربط نسق العلاقات العلمي بين الجزء والكل، داخل النظرية الواحدة ثم علائق هذه النظرية مع الثوابت والمتغيرات من البناء الإسلامي الشامل، ولو افترضنا أن قضية ما، لها مئة شاهد من القرآن الكريم والسنة والسيرة والتطبيقات المختلفة لها في التاريخ الإسلامي، وتغيب عدد قليل من شواهدها فمعنى ذلك أن هذه النظرية مهددة بالضعف، لعدم اكتمال الشواهد، ولأن الشواهد القليلة المتغيبة عن البحث قد تقلب النسق العلمي والاستنتاجي لبناء النظرية، إلى اتجاهات جديدة في الفهم والفقه.

وتتلخص فوائد هذه المنهجية النظرية المتخصصة في إلى كثيرة منها:

1- إن التطبيق الحقيقي للإسلام لا بد أن يسبقه تصور نظري شامل، يهدي هذا التطبيق، ويحميه من الفوضى والضلال، لأَن العمل بدون علم يكون معرضا للضلال، والعلم بدون العمل يكون حجة ووبالا على صاحبه أمام الله سبحانه وتعالى.

2- التأصيل الشرعي لهذه النظريات أو الأنظمة المتخصصة هدفه حماية مقاصدها الشرعية من الهوى والإفتاء المتعسف الذي يعتمد الشواهد القليلة، التي تشوه الفهم وتوقع في السطحية، وتحارب التعمق العلمي وتخضع للأمزجة، وتتهرب من الخضوع لكامل الموقف الذي يفترضه الشرع، وبذلك يحمي التأصيل الشرعي فهم المسلم من مزاجية القياس والاستنتاج، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، كما انه يحمي المقاصد الشرعية من عبث العابثين، وبذلك تتأكد إسلامية النظرية والمنهج، وإسلامية الغايات والأهداف وإسلامية الفهم والتطبيق.

3- تحصين التفكير الإسلامي من حالات الغزو الثقافي والحضاري، والمحافظة على خصوصيته الحضارية المتميزة، في وقت يتم فيه التدجين الحضاري لصالح الآخر، عن طريق خلط منهجيات ومصطلحات من نظريات العلوم الغربية بشيء من عموميات علم التفسير وآية وحديث تحت اسم الاجتهاد والتجديد، ويسمى من يقوم بذلك مجدداً، مع أَنْه يعيش حالة من الترقيع الحضاري المزري والمكشوف.

4- ترشيد الانفتاح بالأصالة القائمة على وعي الذات الحضارية، لأننا نجد كثيراً من الناس من يضع الحديث الشريف (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها…) في غير موضعه، فيخلط ما تعلمه من علوم الغرب في النفس والتربية والاجتماع مع بعض المنطلقات النفسية والتربوية والاجتماعية في الإسلام تحت اسم البحث عن ضالة المؤمن والانفتاح على العلم، وهو فاقد لمنهج الأَخذ والعطاء الحضاري، ولكننا عندما نتوصل إلى النظرية الإسلامية المستخرجة من ” القرآن الكريم والسنة الشريفة ” في علم ما، نستطيع أن نختار الحكمة عند الآخرين، بوعي ودراية، ودون أن نعكر صفو منهاجنا وصفاء ديننا وخصوصيتنا الحضارية المتميزة، وهنالك فارق كبير بين اختيار الواثق وانفتاح الضعيف الذي لا يميز حكمته من حكمة الآخرين، لان فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يميزه أن كان عنده أو عند الآخرين.

5- حماية تفكير المسلم من الاقتطاع والاجتزاء في فهم الإسلام، وتربيته على أسلوب التفكير من خلال القاعدة العامة والشاملة التي تحدد العلاقة بين الكل والجزء والوشائج بينهما من خلال النظرية العلمية المتخصصة والخريطة الشاملة للإسلام الكامل.

6- الاسترشاد بهذه النظريات الإسلامية في إعادة مشروع بناء الحضارة الإسلامية المعاصرة من خلال علوم إسلامية، مستخرجة من الإسلام نفسه، وتأكيداً لمنهجية الأَخذ بالأسباب، في إتقان العمل للإسلام لقوله عليه السلام: ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه “.

7- وقد يقول قائل: لا يوجد في الإسلام نظريات بل أحكام ربانية، والنظريات قابلة للصواب والخطأ وهذا الكلام لا خلاف عليه في “الثوابت وآيات الأحكام والعقائد ” القطعية الدلالة.

لان القاعدة تقول ” لا اجتهاد في موضع النص ” ولكننا نقصد بالنظرية هنا تصور المسلم الشامل للخطاب القرآني،في القضية الواحدة، فإنه يقوم على فهم اللغة، وعلى الجهد البشري في تفسير القرآن وفهمه، في ضوء أسباب النزول والخطوط العامة للإسلام، وهو جهد بشري يحتمل الصواب ويتحراه ويحتمل الخطأ.

فالحقائق القرآنية هي حقائق ثابتة، في علم الله سبحانه وتعالى، وهي حقائق واضحة للبشر في كثير من جوانبها لان الله خاطبنا بقرآن مبين، يسهل على عقولنا فهمه واستيعابه ولذلك فنحن كبشر نحاول الاقتراب من حقيقة المقاصد الربانية، من خلال فهم اللغة،وضوابط علم التفسير ولهذا يبقى فهمنا للقرآن هو عبارة عن نظرية أو تصور، قد يقترب من الحقيقة القرآنية وقد يبتعد عنها بقدر الجهد المبذول والتوفيق من الله سبحانه وتعالى.

ونتصور أن الفهم الشامل لموضوع معين من القرآن الكريم هو نظرية وجهد بشري يطلب الصواب ويبحث عنه، ولكنه قد يقع في الخطأ، وقد يكون قابلاً لتعدد وجهات النظر فيه، لأنه اجتهاد قائم على النظر.

ومن هنا اختلف علماء التفسير وعلماء المذاهب الفقهية فيما ذهبوا إليه من آراء في تفسير الآية الواحدة أحيانا، لاختلاف عمقهم في فهم اللغة ولاختلاف إفهامهم وخبرتهم وتوافر الأدلة وظروف التطور الحضاري للامة.

ومن وجد شيئا يعترض عليه في مصطلح ” نظرية ” فله متسع فيما يقر ب منه كـ ” نظام فهم.. أو منهاج فهم..” أو غيره (وثمة فرق أساسي بين مفهوم ” النظرية ” عند المسلمين ومفهومها عند غيرهم فهي مجموعة حقائق ثابتة في الأصول الشرعية مبعثرة أو متباعدة في كتب الفقهاء، ووظيفة النظرية لم شتاتها في مقولة علمية مترابطة، لأن التنظير في الإسلام لا يكون إبداعا لشيء غير موجود البتة ولا إقامة كيانات صناعية في الهواء، بل هو فهم علمي مترابط لكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام)(24).

8- وقد يصيح صائح من دعاة الفوضوية، الذين يعيشون على الإفتاء المتسرع من خلال ما يتبادر إلى ذاكرته من الأدلة و الشواهد، أتريدنا أن نتوقف عن الدعوة إلى الله؟ حتى نصل إلى النظريات الإسلامية التي ترشدنا إلى علمية العمل بالإسلام، هذا الطريق طويل، وإضاعة للوقت، ونحن لا نطالب بإيقاف الدعوة، إلى الله، ولكننا نطالب بإيقاف التعسف العلمي الذي يمارس في فهم الإسلام، وهذا أمر لا بد منه، وحتى لا توقف الدعوة، ولا نبدأ من الصفر كما يتصور هؤلاء، فهناك كثير من النظريات الإسلامية التي طرحت مشاريعها بجهود علمية غيورة من الأفراد، ولكنها لا يُسترشد بها ولا يستفاد منها لماذا؟ ! لان دعاة الفوضوية لا يحبون الخضوع للعلم، وإنما يجدون سهولة في الاعتماد على ما علق بذاكرتهم من الإسلام كيفما اتفق، فهلا جمعت هذه الجهود العلمية وقيمت وطورت، بحيث يستفاد منها في العمل الجماعي العام إلى أنْ تصل الأمة إلى مرحلة إنضاجها.

3- المرحلة الثالثة (الشمولية التطبيقية)

الفقه الإسلامي (المرحلة التجريبية)

إن تكامل الخارطة الكلية لشمولية الإسلام النظرية المتخصصة، يؤدي إلى هداية العمل والتطبيق، تماماً كما يتضح البناء في مخيلة المهندس، ثم في خرائطه، قبل تنفيذه على ارض الواقع.

إن وجود نظريات إسلامية (أنظمة فهم أو مناهج فهم) في النفس البشرية، والاجتماع والتاريخ البشري، والتربية والاقتصاد والسياسة والأدب، سوف يعطينا صورة كاملة عن سياسة المجتمعات من خلال ما تعطينا هذه النظريات عن السلوك الجماعي، في التاريخ وتعهده من الناحية التربوية، وعن المال والتملك وعلاقته بحياة الإنسان، وصورة عن إدارة شؤون هذا الإنسان كمجتمع وفرد، وصورة عن الأدب وأثره في بناء وجدان الجماعة المسلمة، وحيث تقوم كل نظرية بهداية العمل المتخصص في مجالها. وهكذا تتعاون هذه النظريات وتتشابك في علائقها لتشكل الصورة الشمولية المفصلة للإسلام تحت مظلة العقيدة والمحاور الثابتة، لتسهل انتقال عقلية المسلم من الشمولية العقيدية إلى التطبيق الشمولي في الواقع اليومي، وعندها تخرج المؤسسات المشرفة على بناء المثال الإسلامي الحي في حياة الناس، وما دام الهدف من النظرية العلمية هو تفصيل العمل الذي يهدي التطبيق ويُبَصِّرُه، فالأصل أَنْ يبتعد المسلم عن التأمل الذي لا يهدف إلى العمل، لان التأمل المترف لذاته ليس من طبع ديننا.

وبهذا تكون النظرية مرشداً للتطبيق، تحمينا من الضلال والانحراف والأخطاء المكلفة، التي تضيع الجهود هباءً، وقد يدلنا التطبيق على خلل وقع في النظرية العلمية فنصحح النظرية من خلال التطبيق، ويهتدي التطبيق بالنظرية العلمية، وكلاهما يؤثر في الآخر ويصحح من مساره، ويكشف جدواه، وعلى ضوء ذلك إما أن يتم التصحيح في النظرية، وذلك بتحسين مفهومها من علم التفسير والسيرة، أو يهتدي التطبيق بالنظرية العلمية فيؤكد صحتها، أو يكشف العجز في جوانب منها فيدفعنا نحو فهم أفضل لمقاصد القرآن الكريم والسنة الشريفة، وبهذا نتعلم الكتاب والحكمة، كما وعدنا الله سبحانه وتعالى في كتابه ” ويعلمهم الكتاب والحكمة…”

إن النزول إلى الواقع بنظرية إسلامية مستمدة من تفسير العلماء للقرآن والسنة، من اجل التطبيق، يلزمه عناصر مهمة أساسية لمثل هذا الهدف هي:

1- النظرية الإسلامية الواضحة المستخرجة من الإسلام نفسه في موضوع محدد.

2- فهم الواقع الذي ستنزل فيه هذه النظرية وعناصر هذا الواقع.

3- المؤسسة المشرفة على التطبيق: وتتكون مما يلي: النظرية، الأهداف، المراحل الغايات، الوسائل، الخطة، الزمن المحدد.

– كادر من فقهاء التنفيذ، يجمعون بين إلى منها فقه النظريات وفقه الواقع، وفقه التنزيل على الواقع.

– كادر من فقهاء المتابعة وظيفته ضبط الفهم النظري والتجريبي والمؤسسي في الواقع، وتصويب الأخطاء بعد حصرها وتحديدها.

– تكرار التجربة والتوسع فيها، للتأكد من صحتها وصحة نتائجها، من اجل تعميمها.

إنّ الهدف من هذه المرحلة هو نقل الإسلام من المراحل السابقة، مراحل التصور الذهني العقيدي النظري، إلى الواقع التطبيقي، من خلال مؤسسات مسؤولة عن التجربة وتنفيذها، ونقدها وتصحيحها حتى نصل إلى أعلى مراتب التطبيق، وتكون النتيجة في الحصول على تجربة ناجحة، وفقه مستخرج من خلال المعاناة، وتصحيح يضبط صحة التجربة ويحافظ على نقاء الغايات والأساليب، من خلال الحصاد والثمر الذي تم التوصل إليه في مؤسسات تربوية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، وتصل في النهاية إلى:

– إثبات الشمولية عملياً في الواقع

– تطوير النظرية في اتجاه العمق

– تطوير التطبيق والعمل

– تطوير الواقع في اتجاه الأهداف والغايات

وبهذا نصل إلى مرحلة صحة النظرية في الفهم وصحة التطبيق في الواقع، والوصول إلى المرحلة الأخيرة، الشمولية العلمية (العلوم الإسلامية).

4- المرحلة الرابعة (الشمولية العلمية)

والشمولية العلمية، هي نتيجة طبيعية للشمولية التطبيقية، مثلما أن الشمولية التطبيقية، نتيجة طبيعية للشمولية النظرية والعقيدية.

وهي المرحلة النهائية لتحول النظريات الإسلامية إلى علوم إسلامية، بعد الاختبار والتجربة والتطبيق، والتصويب الذي صحح التطبيق وحكم مساره.

إنها مرحلة الوصول إلى استخراج السنن والقواعد والأصول، التي تحكم تلك العلوم، حيث تم التوصل إلى: علم الاجتماع الإسلامي وسننه، وعلم النفس الإسلامي، وسننه، وعلم الاقتصاد الإسلامي وسننه، وعلم التربية وسننها، وعلم السياسة الشرعية وسننها… وبعد أن كنا نطلق عليها اسم (النظرية) أصبحت النظرية (علماً) بعد أن تأكدت صحة السنن المشار إليها في مرحلة النظرية، المستخدمة من القرآن الكريم والسنة الشريفة، لأنها أصبحت حقائق مجربة في ميدان العمل، ومن خلال التجربة والبرهان والتطبيق والنتائج، أو إذا أردت أن تطلق عليه اسماً آخر، هو (الفقه الإسلامي) في صورته العليا بعد أن تخلص من مراحل التجريب، ووصل إلى مرحلة القواعد والسنن الراسخة، مع التذكير أن هذه المراحل لا تنفصل عن بعضها بل تتداخل تداخلاً سريعاً في عقل المسلم، وعمله، وواقعه، (العقيدية – النظرية – التطبيقية – العلمية)، والهدف من شرحها هنا مفككة هو، لتسهيل فهمها فقط.

هذه خطوات لابد منها، حتى نصل إلى مرحلة التعويض بعد أن انقطع عنا خبر السماء وتصويبه، الذي كان يرافق التجربة الأولى (السيرة النبوية الشريفة) وأسلوب التعويض هنا قائم على العمل والاجتهاد والتسديد والمقاربة.

لأن الاجتهاد والعمل وظيفة وخاصية من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم وما كان محمد صلى الله عليه وسلم مجتهداً، وإنما كان منفذاً مالياً من ربه في سيرته الشريفة، لأنها سوف تكون النموذج الحي، لأمته من بعده وقد شرع الله سبحانه وتعالى الاجتهاد، والأخذ بالأسباب على منهج النبوة، لأتباع محمد – صلى الله عليه وسلم-، حتى يبقى صلاح هذه المنهاج الخاتم متجدداً، بعد أن ضبط لهم الثوابت المستمرة في الحياة البشرية، في دين شامل كامل صالح لكل زمان ومكان.

هوامش الفصل الأول

(1) البخاري 7/5 حديث 3650، مسلم 4/1964 كتاب فضائل الصحابة.

(2) رواه المنذري في الترغيب والترهيب المجلد الأول باب التمسك بالسنة 6/80.

(3) أخرجه الترمذي عن أنس (2517).

(4) تفسير الظلال / ص497/ دار الشروق.

(5) أخرجه الترمذي عن أنس (2517).

(6) رواه البخاري ومسلم.

(7) أخرجه الترمذي في سننه (2681) وابن ماجه (222).

(8) أخرجه أبو نعيم في الحلية 10/15 عن أنس مرفوعاً بإسناد موضوع، ونسبه أحمد إلى عيسى عليه السلام.

(9) رواه البيهقي عن عائشة في صحيح الجامع الصغير.

(10) رواه مسلم.

(11) رواه مسلم.

(12) رواه البخاري (6133) ورواه مسلم (2998).

(13) رواه الديلمي والقضاعي، انظر كشف الخفاء – للعجلوني ص 293 جزء 2 رقم (2683).

(14) أخرجه الترمذي (3127) والطبراني في المعجم الكبير 8/121.

(15) رواه مسلم (2664).

(16) أخرجه الترمذي (2459) وابن ماجه (4260).

(17) كتاب (خصائص التصور الإسلامي) سيد قطب – فصل الثبات – دار الشروق.

(18) رواه البخاري في صحيحه (7352).

(19) كتاب (المنهج النبوي والتغيير الحضاري) برغوث عبد العزيز بن المبارك / كتاب الأمة 43، قطر.

(20) رواه الترمذي مجلده / ص45 كتاب العلم / باب في الأخذ بالسنة حديث 2677.

(21) كتاب (خصائص التصور الإسلامي) سيد قطب – فصل الشمول، دار الشروق، القاهرة.

(22) انظر كتاب (مسائل في العمل الإسلامي ص 5 ) محمد وليد سليمان / دار عمار- عمان 1989.

(23) كتاب (المنهج النبوي والتغيير الحضاري ص 79) برغوث عبد العزيز بن مبارك كتاب الأمة “43”.

(24) انظر كتاب ” مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي ص9 “الدكتور عبد الباسط بدر / دار المنار جدة 1985.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق