ثقافة المقال

قلب الرجل وقلب المرأة

د. نيفين عبد الجواد

لم يكن يقوى على العيش بمفرده فتجلت رحمة الخالق بأن خلق له من نفسه زوجًا يسكن إليها وتسكن إليه، ولأنه لم يكن آنذاك إلا هو وهي، فقد كانت هي كل الناس بالنسبة إليه وكان هو كل الناس بالنسبة إليها، وأضحت تلك هي الفطرة السليمة التي ستظل مصاحبة للإنسان السوي مهما ادعى خلاف ذلك، والتي سيظل ينشدها في حياته ويتطلع إليها حتى بعد موته مهما حالت الظروف بينه وبين تحقيقها.
ولكن سرعان ما خلَّف التكاثر النسل الكثير الذي به تمكنت البشرية من الاستمرار والذي معه اتسع قلب الرجل في الدنيا فاعتقد أنه بإمكانه أن يسع أكثر من امرأة في نفس الوقت، فهل أيضًا نال قلب المرأة بمرور الوقت نفس القدر من السعة أم ظلت تملك قلبًا لا يمكنه أن يسع رجلين معًا في وقتٍ واحد؟
إننا نسمع كثيرًا عن رجال على مر الزمان لم يكتفوا بالزواج من امرأة واحدة ومع ذلك فإنهم يؤكدون أن قلوبهم معلقة بواحدة فقط لا ثاني لها، فهل هذا صحيح؟ وهل حقًّا قلوب الرجال تشبه قلوب النساء لا تتسع لحب حبيبين في نفس الوقت؟
إن الرجل الذي يبحث عن التمتع بالمرأة وجسدها حتمًا لن يكتفي بواحدة؛ لأن لكل واحدة مذاقها الخاص بها والذي تشتهي نفسه الشهوانية ألا يكتفي بمذاق واحد فقط منه، وبالتالي فإنه لن يصل إلى حد الاكتفاء حتى لو تمكن من معاشرة كل نساء الأرض. أما تلك الصورة التي أضحت أسطورية للرجل الذي قد يتزوج أكثر من مرة لظروف تقتضيها الشهامة والرجولة كي يكون حاميًا وسندًا لمن هي مهيضة الجناح ولا يمكنها مواجهة الحياة بمفردها، فقد أصبحت هذه الأيام من فرط ندرتها غير مصدقة ومن قبيل الخيال، وهذا أمر طبيعي في مجتمعات فرطت في معنى الرجولة ولم تعد تعي أي معنى للشهامة والنخوة بعدما افتقدت غالبية الأسر والعائلات مفهوم “كبير العائلة” وهو ذلك الرجل المسئول عن لم الشمل وتوفير الحماية والأمان لعائلته مهما كانت كبيرة العدد.
وإذا كانت كل من سلطة الشهوة ومقتضيات النخوة والشهامة تفرضان أحيانًا تعدد النساء والزوجات فذلك لا يعني أن قلب الرجل يتسع لحب أكثر من امرأة في نفس الوقت حبًّا حقيقيًّا؛ بل إن كل من حوَّلوا قلوبهم إلى مساكن شعبية تسكنها الكثير من النساء هم أيضًا يتوهمون حب أكثر من أنثى والحقيقة هي أن قلوبهم لا يمكنها أن تتسع لأكثر من امرأة واحدة ما داموا ما زالوا أسوياء. ذلك أن الاستواء بالنسبة للرجل وللمرأة يعني أن يعشق القلب ما تميل إليه الروح وليس الجسد، وهذا أمرٌ فطري لكل من الذكر والأنثى، وبالتالي فإن الروح التي لا تسكن إلا لزوجها الذي يتكامل معها لا يملك أمامها القلب سوى أن يحبها وحدها دون غيرها.
إن فطرة التزواج ليست فطرة اختيارية بل هي غريزة طبيعية فُطِر عليها البشر ذكورًا وإناثًا، والأقدار وحدها هي التي تسوق كل منا إلى رجل بعينه أو أكثر أو إلى امرأة بعينها أو أكثر، وليس بالضرورة أن يكون نصيب كل منا من الزواج سواء كان لمرة واحدة أو أكثر يتوافق مع فطرته التي يتحقق معها التكامل الكامل والمنشود من التزاوج؛ إذ أن رحلة الحياة تفرض علينا أحيانًا أمورًا نلتزم بها كي نستمر أحياءً وكي نهرب من نفق الوحدة المظلم الذي لم يقو عليه منذ بدء الخليقة من نحمل جميعًا شرف انتمائنا إليه وكوننا من ذريته.
فما دام الزواج غايته هي التكاثر فلن يتوقف إذن أبدًا، وما دامت هناك حياة على الأرض فلابد للبشر أن يتكاثروا بالطريقة التي تقبلها غالبية المجتمعات وتعترف بمشروعيتها، أما القلوب فلها شأن آخر ربما لا تكترث به كثير من المجتمعات فيتم تجاهله وغض الطرف عنه على مضض ودون معارضة.
إن ما نلاحظه من فشل في كثير من الزيجات في الآونة الأخيرة ليس بسبب الظروف مثلما يدعي البعض معلقين أخطاءهم الشخصية على تلك الشماعة السهلة والجاهزة، ولكنه يرجع بالأساس إلى عدم وضوح الرؤية منذ البداية عند كلا الطرفين. فكل من يعرف غايته من الزواج ثم يحصل عليها سيكون سعيدًا في حياته مهما صادف من عقبات أو واجه من محن، أما أولئك الذين ليس لديهم أي دافع واضح للإقبال على خطوة الارتباط ومع ذلك يقومون بها من قبيل الانقياد للسائد وعدم الخروج عن المألوف فقطعًا لن يجدوا أي طعم للسعادة مع أزواجهم حتى لو توفرت لديهم كل السبل المهيئة لتلك السعادة.
وهؤلاء الذين فشلوا في الارتباط بمن امتلكوا قلوبهم وسكنوها بالقطع لن تكتمل سعادتهم إذا تزوجوا ممن لا يكنون لهم مشاعر الحب، ولذلك فإن أقل المشاكل الحياتية البسيطة تصبح عادة بمثابة كوارث لا يمكن النجاة منها، ومع ذلك تستمر الحياة في كثير من الأحيان طالما بدت للجميع أنها مستقرة وثابتة ظاهريًّا حتى لو كانت غير مرضية لأي من الطرفين.
إن الحياة تستمر في جميع الأحوال سواء كنا سعداء أم تعساء، والزمن لا يتوقف كي يعيد لنا ابتسامتنا إذا ضلت طريقها إلى وجوهنا، ولكننا نحن من نقرر أن نوقف حركتنا في الحياة لوهلةٍ ما كي نقرر أن نعيش سعداء أو أن تستمر تعاستنا؛ لذلك فإن كل من حصل على سعادته بنفسه فهو بالقطع يستحقها أما من فرَّط فيها بكامل إرادته فهي لم تكن له من البداية.
ولن يعرف أي منا طريقه إلى السعادة إذا فقد القدرة على فهم نفسه أو التعرف عليها معرفة صحيحة. وأولى خطوات تلك المعرفة هي أن البشر فُطِروا على التزاوج، وبالتالي فإن لكل ذكر أنثاه الوحيدة التي يتكامل معها روحيًّا فيتوافق معها دون غيرها من النساء ومن ثم يشعر كل منهما أن زوجه ليس غريبًا عنه بل هو نفسه وكأنه منه ومن روحه ولكن في صورة مغايرة.
ولكن للأسف قد لا تتوفر في الحياة الدنيا الظروف التي تتيح التقاء كل زوج بزوجه الوحيد المتكامل معه فلا يحدث اللقاء بينهما بل ربما لا يكون هناك أي تلاق بصري أو جسدي على الإطلاق، وهذا لا يعني أن تتوقف الحياة التي لابد لها أن تستمر وبالتالي لا عجب أن يحدث التزاوج ويظل يحدث بغض النظر عن ملائمة الأزواج بعضهم بعضًا بأية درجة من الدرجات.
ووفقًا لذلك فإن قوام العلاقات الزوجية السليمة ليس هو أن نعيش مع من تسكن إليه أرواحنا قبل أجسادنا أو من يغمر قلوبنا عشقه ومحبته، بل هو حسن المعاشرة النابع من التحلي بمكارم الأخلاق، فحتى لو لم يحب الرجل زوجته أو لم تعشق المرأة زوجها فمن الأولى لكليهما أن يعاملا بعضهما بعضًا بالمعروف فلا يسيء أحدهما إلى الآخر أو يظلمه أو يخونه ولو حتى في خياله؛ إذ أن ذلك من مقتضيات الأمانة التي تعهدا كلاهما بها عندما قررا أن يكملا حياتهما سويًا. فإذا ما حدث ذلك فستقوم العلاقة الزوجية على التودد والرحمة وعدم الغلظة أو القسوة، ومن ثم ستنجو الأسر من الأوضاع المشينة التي تمر بها وسيتم تنشئة جيلًا سويًّا نفسيًّا وعاطفيًّا ومن ثم مؤهلًا لخوض الحياة بكفاءة أكثر ووعي أكبر.
وإذا كان قلب الرجل السوي لا يتسع إلا لامرأة واحدة تسكن روحه شأنه شأن قلب المرأة السوية الذي لا يتسع إلا لرجل واحد يسكن روحها، فإن الحياة كي تستمر بكفاءة وحماس فليس على الأسوياء إذا اقتسموا حياتهم مع من يشاركونهم فيها بحب وإخلاص سوى أن يظلوا دومًا يمنحونهم السعادة وألا يكونوا هم السبب في تعاستهم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق