قراءات ودراسات

صورة البطل في رواية الشراع والعاصفة

محمد حسين عبد الرحيم السماعنة

توطئة :
يقول حنا مينا :”البحر كان دائما مصدر إلهامي حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة. أما العواصف فقد نقشت وشما على جلدي”. لا أدعي الفروسية، المغامرة نعم! أجدادي بحارة هذه مهنتهم، الابن يتعلم حرفة أهله، احترفت العمل في الميناء كحمّال، وكنت كذلك بحارا ورأيت الموت في اللجة الزرقاء ولم أهبه لأن الموت جبان فأنا ولدت وفي فمي هذا الماء المالح، لكنه هذه المرة كان ملح الشقاء وملح التجارب وملح العذاب جسديا وروحيا في سبيل الحرية المقدسة صبوة البشرية إلى الخلاص ولذلك كان بديهيا أن اطرح منذ وعيي الوجود أسئلتي على هذا الوجود وان أتعمد في البحر بماء العاصفة وان أعاني الموت كفاحا في البر والبحر معا وما الحياة قولة الطروسي بطل الشراع والعاصفة إلا كفاح في البحر والبر وبغير انقطاع لأن ذلك قانونا من قوانين الطبيعة أمنا جميعا “.
الشراع و العاصفة قصة بحار من مدينة سورية ساحلية في الحرب العالمية الثانية , صور فيها حنا مينا ببراعة أثر الحرب في المجتمع السوري وما تركته من عواصف في بلاد يحتلها الفرنسيون، و أبرز التناقضات التي كانت تفترس ذلك المجتمع، ولكن هذه الصور كلها جاءت من تصوير الكاتب لمعاناة محمد الطروسي الفردية لتبقى قصة الفرد الإنسان في مواجهة البحر، و قصة الانتصار على الطبيعة القاسية، قصة الإرادة البشرية،والمغامرة، وقصة التصميم على إثبات الذات وإعادة الاعتبار لها ؛إذ تقوم هذه الرواية على حكاية بطل تعيش في ظلها حكاية وطن فيه تظهر معاناة أناس يسعون نحو الأفضل الذاتي أو الأفضل الجمعي أو الأفضل الوطني ؛ بحارة وصيادون وسياسيون ، وبرجوازيون ، وكتل سياسية متنافسة متصارعة على الكرسي ، همُّها أن تكون أولا.أما الوطن فمحاط بالحروب الطاحنة المدمرة ، وأرضه تغمس فيها يد الاستعمار أقلامها لتخط فيها سطور مرحلة تاريخية أثناء الحرب العالمية الثانية .
فما الذي أراد أن يقوله لنا حنا مينا في هذه الرواية من تصويره لشخصية البطل الطروسي بهذه الصورة، وما علاقة هذه الشخصية بالواقع الذي تعيش فيه، بل ما علاقة الواقع بظهور مثل هذه الشخصية ؟
وأرى أنه لا يمكن فهم شخصية البطل بعيدا عن رؤية الكاتب التي لا يمكن فصلها عن طبيعة المرحلة التاريخية التي تصورها القصة ، وهي مرحلة مليئة بالقلق والخوف والانتظار والاستبداد، فهي مرحلة حرب واستعمار ، وظهور بدايات تنظيمات سياسية ونقابية ، وتحرر ، ورغبات تحرر ، ومحاولات تحرر ، ولا يمكن فهم البطل وهو بعيد عن فئة من المجتمع في ذلك الوقت . فما الطبقة التي يمثلها البطل ، وما موقف هذه الطبقة من كل ما يجري على الساحة العربية ؟
الطروسي
أما الطروسي في هذه الرواية، فهو الشخصية المركزية فيها . فهو بحّار يعيش للحظة رسمها وزينها وتمسك بها وعاش على أمل تحقيقها فربط ماضيه ومستقبله بشاطئ اللاذقية، بعدما غرق مركبه أثناء عاصفة هوجاء عام 1936. وظل دائماً رفيق البحر و«جاره في الفصول الأربعة» في مقهاه على الشاطئ. يحلم أن يمخر عبابه على مركب هو ريسه.
لقد رغب في العودة إلى البحر وحلم بذلك وعاش من أجل تحقيق ذلك الحلم ، ولكنه لا يملك المال لفعل ذلك، وقد وجد نفسه وحيدا في مواجهة كل أنواع التحديات، بعد موت والديه وسفر إخوته، يدير شؤون مقهى صغير يستقطب مشاغل البحارة،وحيدا في مواجهة صراعين، ينعكس الأول على حياة الميناء، ويقوم على مواجهة بين رجلين ينتميان إلى أسرتين تتقاسمان النفوذ في المدينة، وتنتميان إلى تجمعين سياسيين مختلفين يتصارعان بدورهما في سبيل الوصول إلى الحكم بعد جلاء الفرنسيين، وينعكس الثاني على حياة الوطن عامة ويقسم الشعب بطريقة أو بأخرى، وهو يعكس الخلاف الكوني بين قوتين متصارعتين، المحور والحلفاء.
آثر الطروسي أن يسعى إلى تحقيق حلمه الخاص ،ووجه طاقاته من أجل تحقيق ذلك الحلم ، ولم يسمح لأي صراع أن يختطف حلمه منه؛ فعاش على الحياد بين البر والبحر في المقهى،ولم يقبل كل الإغراءات المادية والمعنوية للانضمام إلى طرف على حساب طرف فهو له بوصلته التي يسير عليها ، وهدفه الذي يسعى لتحقيقه أما كل ما تبقى، ما دام بعيدا عن دربه ولا يعيق مسيره نحنو حلمه ،فهو ليس من شأنه يقول السارد: لأن البحر هو مصيبته التي لم تهن عليه كيف يعيش بعيدا عنه ص51.ولهذا وجدنا الطروسي متميزا عن باقي الشخصيات الأخرى بالاستمرارية على مستوى السرد وعلى مستوى القصة. فكل الأحداث المسجلة في الرواية لها مرجع واحد هو هذه الشخصية : كمشارك، أو متفرج، أو صاحب مصلحة، أو موضوع لفعل ما. وإذا كانت هذه الخاصة لا تحدد ماهية الطروسي، ولا دور لها في تشكيل هذه الماهية، فإنها على مستوى آخر، تعد الخيط الرئيسي المؤدي إلى تشكيل كينونة الشخصيات الأخرى. فإنه يمكن النظر إلى الطروسي كمرجعية قيمية تقاس عليها كل القيم المبثوثة في النص. فالطروسي، بالإضافة إلى كونه محددا من خلال اسم علم كامل ( محمد بن زهدي الطروسي )، فإنه مميز من خلال امتلاكه لقصة، وهذه القصة هي من الجدة والأصالة لدرجة أن السارد يمهد لها بتقديم يتخذ شكل حكم مسترسلة كخلاصة لما سيروى فيما بعد. فالوجه المجرد للقصة ( الحد المفهومي الذي يتخذ شكل حكمة )، يسبق وجهها المتحقق. ولهذا وجدنا بقية الشخصيات المكونة للرواية ففقيرة لا تحمل كثيرا من المواصفات والأدوار ، والوظائف. فعلى مستوى المواصفات لا نعلم أي شيء عن هذه الشخصيات سوى ما يتعلق بالانتماء الاجتماعي ( الفقر أو غنى) والانتماء المهني ( بحارة أو عمال في الميناء أو متحكمون بهؤلاء )، وما يتعلق بالهوية الاسمية ( عند البعض على الأقل ). ذلك أن السارد يتحدث أحيانا عن مجموعة كبيرة من الشخصيات من خلال تحديد مهني ( بحارة قدري الجانودي ). فهذا الاسم نفسه يشتغل كمؤشر تمييزي بسيط لا امتداد له خارج هذه الدائرة، ولا يحيل على كيان مستقل وممتلئ. فلا وجود لإمارات أو مخبرات تخبر عن هذه الشخصيات وتمنحها عمقا إنسانيا يميزها عن غيرها. إذ لا معنى لوجودها إلا من خلال وجود الطروسي ( كإحدى الصور الممكنة لوجود هذه الفئة )، أو من خلال الانتماء المهني، فالطروسي بحار، والآخرون إما بحارة وإما لهم علاقة ما بالبحر ( عالم الميناء ). إن وجود هذه الفئة مرتبط بأسلوب سردي يسعى إلى تدعيم الطروسي وتزكية تلك الصورة التي نحتت له، كما يشكل هذا الوجود المادة التي سيدور حولها الصراع بين الطروسي والمجموعة الثانية.فإن ندرة المواصفات، تجعل من هذه الشخصيات عناصر رمزية بالمعنى العميق للكلمة. فإذا كانت هذه الشخصيات غائبة على مستوى المواصفات، فإن حضورها مع ذلك حضور وظيفي. إذ أن موقعها داخل الأفعال الوظيفية يتحدد من خلال موقعها الاجتماعي. إنها الشعب أو جزء من الشعب الذي يجب أن يربى وأن ينظم ( مناقشة الاستاذ كامل لقانون العمل أمام مجموعة من العمال ).
تنبني الشراع والعاصفة على فكرة أن الإنسان وحده قادر على الانتصار على كل قوة بما فيها قوى الطبيعة إذا امتلك الإرادة والتصميم والإصرار والحظ.وهي تنبني لتحكي قصة الفرد الذي كرَّس حياته من أجل الوصول إلى راحة النفس التي أثقلتها هزيمة الجسد أمام البحر ، تلك النفس القلقة التي تريد أن تثأر من البحر وتمسك قياد أمواجه مرة أخرى ،بعد أن اختطف مركبه المنصورة وأخذه إلى أعماقه .فهي تتحدث الرواية عن طموح فردي هو طموح الطروسي بالعودة إلى البحر على مركبه الخاص ليثأر لنفسه ويرد الاعتبار إليها ،وهو حلم فردي ،وتصوير لحياة فرد امتزجت بوشائجها كثير من التناقضات الفردية ؛عنايته بأبي محمد ، واهتمامه بنجوى، ومساعدته للبحارة والصيادين ، واشتباكه مع البرو، واصطدامه بأبي رشيد ، مدير الميناء. والتناقضات الجماعية ؛ جماعتي الميناء ،والحروب العالمية ، والتكتلات السياسية.
ولعل نظرة فاحصة إلى ما توحي به أبعاد الشخصية: البعد الفيزيولوجي، والبعد النفسي، والبعد الأخلاقي، والبعد الاجتماعي تجعل الطرح المقدم مقبولا بل سائغا .
أولاً: إن الطروسي في الرواية بطل كامل، بطل يصدر عن أيديولوجيا تقدّس البطل الفرد قدم وحيدا بلا أهل ولا زوجة ولا علاقة اجتماعية سوية ، قدم بطلا وجوديا خالصا في بداية الرواية ، وهي أيديولوجيا تبالغ في إغناء البطل المفرد وفي إفقار من يقف إلى جانبه،ويصبح البطل نواة الرواية ويكون ما خارج النواة قشوراً زائدة، ، يظهر واضحاً في عمره ومشيته ونبرة صوته ومعاركه المنتصرة المتتالية، ، وإذا كان إغماء البطل يستدعي إفقار من يحتاج إليه، فإنّ فقر الملامح والسمات ملازم للشخصيات الأخرى، فلا تحضر في أفعال لها حضور، إنّما تطفو كأسماء تستدعيها الحكاية، لا تعلن الرواية عن الشخصيات الأخرى إلاّ في أسمائها، ولا يسمح لها بالظهور إلاّ إذا التقى بها البطل، لكأنها حاضرة وغائبة، تحضر في أسمائها وتغيب إن حضر البطل، إنّ ارتهان أيديولوجيا الرواية إلى أسطورة: “الإنسان الحقيقي”، “الإنسان الأصيل”، “الإنسان الكامل” .
ثانيا : يصارع الطروسي الشريرَ في النهار وينتصر، ويصارع الموج في الليل وينتصر، وينقل السلاح في زمن الكهولة ولا يصيبه سوء، ويصادف غواية الأثرياء وينجو، وينتظر حلمه ويصل إليه ،وهو لا يلهث وراء النصر، لأنّ النصر يقيم فيه ويساكنه بلا انقطاع، ولهذا تفقد الشجاعة، كما النصر، بعدها التاريخي، وتقف معلّقة لا زمن لها، لأنّ الخلق يسبق الزمن ولا يأتلف معه.
وجد البطل نفسه خارج البحر في مواجهة صراع من نوع مغاير فرضته الحرب، ذلك أن مجموعة يونس بحري تساند ألمانيا في حرب الحلفاء، مقتنعة اقتناعاً تاماً بأفكار الدعاية النازية التي تربط استقلال الدول العربية بانتصار هتلر في حربه، إلى درجة أن أبا حميد زعيم المجموعة يرى العالم في وضعيتين ،ويعتقد أن المسألة لا تكون إلا ألمانية أو إنجليزية، في حين يبدو الأستاذ كامل رجلاً ملتزماً بقضايا السياسة دفعته ظروفه الشخصية إلى أن يكون نصيراً قوياً للحلفاء وللاتحاد السوفياتي بصفة خاصة، وصاحب أطروحة ترى أن القضايا السياسية معقّدة وأن ما يحدث في العالم يوجه قضايا الوطن. وقد كان الطروسي في البداية متعاطفاً مع أنصار ألمانيا، لا يكترث بتنظيم العمال داخل النقابات في الميناء، ويسهل الاستماع إلى راديو برلين بالنسبة إلى «مجموعة يونس» في مقهاه، ولكنه لا يفهم جيداً تحمس الناس لألمانيا وروسيا وقضايا العالم. وبعد خيبة ألمانيا، عمّق اتساع العمل السياسي في الوطن وتأثير أفكار الأستاذ كامل حبه الوطني والتزامه السياسي،لكنه لم ينس هدفه الذي يعيش من أجله فقد جعل الكاتب الطروسي يعود إلى حلم حياته وأعاده إلى البحر والحرية بعد أن جعله البطل الخارق الذي أنقذ مركب الرحموني من الغرق. ليعرض عليه الرحموني مشاركته في المركب، ويوافق على العودة إلى حلمه البحر ليستعيد منه ما أخذه منه ، ويصل إلى من تعلق قلبه بها(ماريا) على طرف بعيد من أطرافه.
استخدم السارد عدة أساليب لرسم شخصية البطل وشكلت كلها معا لوحة جميلة مشرقة للبطل فهو قد استخدم المونولوج الباطني ، والحوار ، والوصف ، والقطع الاسترجاعي ، والسرد، واستخدم الشخصيات الأخرى، وبالتمليح تارة وبالتصريح تارة أخرى .

البعد النفسي لشخصية :
كان السؤال الذي يؤلم الطروسي ويجعله يسرح ويلتحم بشاطئ البحر : هل فعلت ما يلزم لإنقاذ المنصورة من الغرق بفعل العاصفة والبحر وموجه ؟ كانت الحسرة على المنصورة دائمة، وكان وقوفه على الصخرة واستئنافه للجلوس عليها وكأنه طقس يومي من طقوسه التي لا يتخلى عنها 58ص “كان البحارة يحسبونه من المغامرين المتهورين لكنه يعترف أنه كان كذلك فيما مضى ولكنه غير ذلك في المسائل العامة خاصة في السنوات الأخيرة”هل أثر العمر فأصبحت كثير الحذر”ص244هذا السؤال الذي عاتب بها نفسه وهو يحمل شحنة السلاح ، لقد صرح أكثر من مرة أنه لا يخاف الموت فلم قال ما قال؟ لقد كان حريصا أن يبقى حيا ليحقق حلمه ، ويركب البحر ريسا ، فعليه أن يكون حذرا لكي لا يأتيه الموت وهو بعد لم يحقق ما خطط من أجله طويلا وعاش من أجل حصوله وتحققه .
وكان الطروسي يتساءل عن هذا الولع بالسياسة ، وكيف يطيقون كثرة الكلام حول موضوع بعينه ، ولماذا يتعصبون لآرائهم هذا التعصب ص154.وقد تساءل بينه وبين نفسه ” هل أنا صادق في دفاعي عن هؤلاء الضعفاء ؟ فهو لم يكن مشغولا بهموم الناس ولا بهموم الوطن.وكان لهدفه الكبير الذي يعيش من أجله ركوب البحر ومواجهته ، وأن يصبح ريسا ينعكس على كل مواجهة للبطل مع البحر، وسواء أكانت منه أم من غيره ، فها هو يودع مركب الرحموني فيصف السارد هذا الوداع ويحكي عن الطروسي وهو يدفع المركب بكفه وكأنه مولود جديد ينزل بعد مخاض، والبحر إنسان يفتح ذراعيه الكبيرتين ، وصدره الرحب وموجه ذي الذوائب ص187 فيأخذ المركب صفات الحصان والبحر صفات الفارس ويكون البحر صحراء مختلفة اللون والملمس الجميل.” ضرب الطروسي مؤخرة المركب بكفّه ضربة فارس على كفل حصانه وهو يبعث به وحيداً لأداء رسالة. ص 190 أخذ الزورق يتراقص ويجمح كفرس. ص 236 انتهى ميلان الزورق … وقد بدأ، وهو يحاول الاندفاع فلا يستطيع، كحصان أجفل فاشرأب وارتكز على قائمتيه الخلفيتين، وأخذ يدور عليهما مهدداً فارسه بالسقوط. ص259 كان في وقفته تلك يشبه فارساً يضع قدميه في الركاب. ص 260 كان الزورق يعلو ويهبط، كأنّه فرس تسير خبباً.ص 272″
وها هو يغضب بقوة عندما علم أن أبا رشيد يراه غريبا عن الميناء، فقد كان البحر حبه الذي يسعى إليه .ويقاتل الدنيا من أجل الوصل إليه للنيل منه. ففهم الآخرون هذا الحب منافسة، وفسروا إخلاصه في البحث عن الطرق التي توصله إلى هدفه تحديا،أما هو فلم يكن يهدف إلى ذلك مع أنه كان يعرف حقيقة موقفهم ، وقد أخذ حذره منهم ، وتنبه إلى مكائدهم. كان يكره الغدر ويحب المواجهة لأنه بحار والبحار لا يغدر ،ولذا كره صيد السمك بالديناميت؛ لأنه غدر لا حرام .
لكن أكثر اللحظات التي رأينا فيها الطروسي مرتبكا هو ذلك اليوم الذي قرر فيه أن يركب البحر ويخوض التحدي الأجمل الأصعب النهائي الذي انتظره زمنا وعاش من أجله،وحصر عالمه فيه، ووجه خطواته إليه.كان ارتباكه ظاهرا واضحا احتاج فيه إلى من يقطع الحبل إلى دفعة للمركب كي يخوض التحدي الذي انتظره . أما السبب فكان تلك الأهداف الجانبية التي حاول جاهدا أن يبعدها عن طريقه ؛ المرأة ، والوطنية بفلسفة، وأبو محمد العجوز الضعيف الذي لا حاضن له ، ولعل لاستعذابه الحالة التي وصل إليها دورا في هذا التردد، أو لشعوره بالضعف وهو على سرير الشفاء في المشفى.
البعد الاجتماعي :
قدم السارد البطل وحيدا بلا زوجة أو قريب أو أب يعيش وحده نحو أهدافه لا يطلب مساعدة من أحد بلا أب ولا أم ولا أخ ، يقول السارد في وصف الطروسي : كان الطروسي يقول دائما: أنا وطني بدون فلسفة ص351 وكان متواضعا يشبه طالبا انقطع إلى مدرسته وأعطاها كل حياته وحبس نفسه راضيا مختارا ص 48،وهو لا يفهم الأفندية وهم لا يفهمونه لأنه لم يسع إلى أهدافهم وهمة لا يوافقون على حياده. إن متتبع الأعمال البطولية لشخصية الطروسي يجد أنها كلها دون استثناء ردَّات أفعال لم يسع البطل إليها بل هي التي اضطرته إليها، ودفعتها إليها، فقد كان حريصا على حياده والسير إلى هدفه الذي رسمه لنفسه؛ فكان لا يتدخل عادة في أي أمر ويحفظ على هذا الحياد فهو دائما يقول لكل سائل لا أعرف؛ وهو لا يشي بأحد إلى الحكومة .أما إذا كان الأمر يتعلق بالبحر وبأخطاء البحارة ، فإنه كان يقف ويتدخل بقوة ص59 فذاك عالمه المحبوب الذي يسعى لتحديه وامتلاكه ، وأن لا يشغله شاغل عنه .وكثيرا ما أظهرت الرواية أن الطروسي لا تهمه المواعين،ولا تهمه المنافسة ولا ما ينتج عنها ، بمعنى أنه لا تهمه السلطة ولا المال ؛فقد كان يقول: “اصرف ما في الجيب يأتك ما في الغيب”ص49 ولا تهمه السياسة فهو يقول لأبي حميد : أنت ضيعت حالك ص224وهو ليس بالرجل الذي يصطنعه الآخرون، يقول: ” أنا لست صالح برو “ص42 كان الطروسي يعرف قدرات الذين صفقوا له وفرحوا لهزيمة البرو ، فلم يخاطر أكثر ولم يعلن معاداته لأبي رشيد لا لأنه ضعيف ولكنه يريد أن يتفرغ لهدفه، فتنازل عن قضيته في المحكمة ،”ومع كل رغبة الطروسي في تجنب ما لا يعنيه، ومع حرصه على النأي بنفسه عن شؤون الميناء ، وجد نفسه مسوقا إلى أن يرى رأيا في أمرها ، ومن هنا عنته حياة الآخرين فتعرض لنقمة أبي رشيد ص58″فهو لم يسع إلى محاربة الظالمين ولا محاربة المستغلين، ولم يسع إلى تغيير هو قادر عليه لأنه لا يريد أن يبتعد عن هدفه . كان الطروسي يواجه التحديات والمصاعب والعقبات ” بصبر تارة ويطيف طورا، ويدفعها بالأحسن ويدفعها بالأسوأ لكنه لا يهرب منها ولا يتخاذل أمام مصاعبها ص57 يعيش بأخلاق البحارة الذين لا يهربون من تحد فقد ظل عزيزا عصيا بحارا في مقهى على الشاطئ ، فكيف يواجه البحار البحر إن لم يكن يملك صفات التحدي ولذا حافظ الطروسي على صفات البحار على البر، لم يتزوج الطروسي لأنه يبتعد كثيرا ويغيب طويلا ولا يريد أن تتألم امرأة بسببه،ويؤمن بحرية المرأة فهو لا يغار . وأما نجوى فكانت قبل زواجه منها أداة لإشباع حاجته الجنسية، لم يبادلها الحب وإن كان يحرص على زيارتها بانتظام إلا في مراحل متأخرة ، وبعد أن منحته كل ما تملك ليشارك الرحموني ، وفي السرد ما يشير إلى أن الطروسي التزم لها ردا للمعروف لا حبا، وذلك لأنه كان يخفي عنها حبه لماريا ولأنه أعلن شوقه للقائها، وبحثه عنها مع أنها ليست زوجته ، ولأنها حبه الذي لم يحبب أحدا مثله . يقول السارد ” لم يكن يعرف أيهما يهيجه أكثر حبه للبحر أم حبه للمرأة التي وراء البحر ولربما كان البحر والمرأة كلا واحد “364 هذا الجزء المخفي من حياة الطروسي جعلنا نؤكد أن الطروسي عاش لنفسه وأهدافها الذاتية فهو قد أحب البحر والمرأة البعيدة التي جاء ذكرها في نهاية الرواية ليوضح التزامه بأخلاق البحارة وعدم تخليه عمن يحب ، وهو سيبحث عنها لا محالة وإن كان يتمنى في داخله أن لا يجدها ليكون لأم حسن وحدها.
كان الطروسي يتمسك بأخلاق البحارة، فهو لم يتدخل في طريقة إنزال مركب الرحموني إلى البحر ، ولم ينتقص من قدرته على الإبحار، وعندما طلب منه الرحموني أن يكون إلى جانبه رفض لكي تبقى للرحموني صورته، لأن الريس لا يجوز أن يتدخل في عمل ريس آخر ، ولأنه يريد أن يبقى على الحياد، وهو لم يقدم نصيحته للرحموني بعدم الإبحار بسبب احتمال هبوب عاصفة قوية؛ فهو يريد أن يواجه البحر وحيدا ، على مركب هو ريسه، وهو في تلك اللحظة لم يكن يعبأ إلا بسلامة من سيذهبون إلى البحر لمواجهة أمواجه وغضبه ، وسلامة المركب الذي يواجه البحر معهم .فهو لا ينافس أحدا ولا يريد ذلك ،فهو قد فرغ نفسه للصراع الحتمي مع البحر، وهذا البطل لا يبحث عن السمعة ولا المجد ولا التصفيق .وقصته التي جعلت منه بطلا يشار إليه، ويسعى الجميع بحارةً وسادة للتقرب منه ،لم تكن إلا لأنه شاهد قلق النساء، وحزنهن على هؤلاء الذين يصارعون من أجل الحياة في عرض البحر ص230، كانت ردة فعل ، ومحاولة الخلاص من ألم طارئ آلم نفسه ، فكان فعله البطولي. ولهذا اختزل السارد كثيرا مما يمكن أن يقال في تصوير مشهد عودة مركب الرحموني بفعل فردي بطولي. وتدخله من اجل إرجاع أحد عمال النقل بعد طرده لتعاطفه المعلن مع زميل له وقع أرضا وأوقع ما يحمل،كان تدخل الطروسي لأن العامل جاءه شاكيا متوسلا تدخله .
كان يحب التحدي والشجاعة والشرف ، كان يحب البحر ويتحداه ولا يبصق في وجهه ، ولكنه في مواجهته الأخيرة مع البحر بصق فيه ، فهل بصق فيه كرها أم غضبا منه، وهل تغير موقفه منه ، فقد أعلن السارد أن في بداية الرواية البحر هو مصيبة البطل التي لم تهن عليه كيف يعيش بعيدا عنه ص51،وقد انعكس حبه للبحر على تعامله مع أدوات الصيادين ، التي كان الصيادون يلقونها على أرض المقهى ، فهو لا يرميها بعيدا مع انه أغلظ الأيمان على فعل ذلك ص58.
كان يحب أن يخوض كل تحد وحيدا ، لتأكيد فرديته ، وبطولته وتميزه فهو لا يقبل مساعدة في اصطدامه بطموحات أبي رشيد ، ولم يقبل مشاركة أحد في إنقاذ الرحموني ومركبه خوفا عليهم ، ولأنه يعرف البحر ويعرف كيف يتعامل مع غضبه ،ولكنها عملية تثير كثيرا من الأسئلة حول الهدف الذي أراده من إنقاذ الشختورة، أسئلة حول سبب احتضانه لأحمد الذي غطس في الماء ولحق بالطروسي في ذلك الجو العاصف ، فهل احتضنه لأنه وجده مخلصا، أم لأنه رأى فيه نفسه ، أم لأنه سيكون مجبرا على قبول المساعدة لأول مرة في حياته ،أم لأنه اكتشف أنه ضعيف ولعل الاحتمال الأخير هو الأصح لأن هذا الضعف قد لاحقه إلى المشفى وكان من الأسباب التي جعلته يتردد في ركوب البحر مرة أخرى .ومن الأسئلة أيضا سبب تقليده لأسلوب طارق بن زياد في احتلال الأندلس فهل رأى الطروسي أن إنقاذ الشختورة أهم من حياته، وهل سعى الطروسي لإنقاذ بحار آخر من أن يلقى مصيره الذي ألقى به إلى الشاطئ ليبيع القهوة. ولم أعطى السارد مساحة أكبر لإنقاذ الشختورة من المساحة التي خصصها للحديث عن إنقاذ الأرواح فلم فعل ذلك ؟ لعلها تلك محاولة للتطهر وإقناع النفس أنه بذل جهده من أجل إنقاذ المنصورة ، المنصورة التي غرقت وأكلها البحر الذي بصق فيه قبل قليل لعله يريد أن يتخلص من ذلك الكابوس الذي لاحقه ويهزم البحر ليكونا في جولة التحدي متعادلين وتكون جولة فاصلة يعود بعدها إن نجا إلى البر إلى حضن نجوى .ولكنه كان أكثر حرصا على هزيمة البحر بعد اكتشاف أن الرحموني ما زال حيا.
أ – العلاقة الرابطة بين الطروسي والاستاذ كامل علاقة قائمة على عنصرين : الفعل من جهة، والمعرفة من جهة ثانية. هناك طرف مالك لسلسلة من المواصفات والوظائف تقوم في تضافرها، بالإحالة على حياة بأكملها. وهناك طرف ثان مالك للمعرفة كجهاز نظري إيديولوجي. فإذا كان الطروسي هو التجسيد الأمثل لسلوك يتمفصل في مواصفات وأفعال، فإن الاستاذ كامل هو صوت المعرفة الصافية بدون منازع. إن هذه العلاقة تحيل على تقابل بين المعرفة والسلوك( بين الحياة بكل تناقضاتها، وبين المعرفة كجهاز مجرد ). فمرجعية هذا الطرف تختلف عن مرجعية الطرف الثاني. فالمعرفة كونية وعامة ولا تحيل إلا على عالم النظريات المجردة، أما السلوك فهو فردي وواحد، ولا يتحقق بنفس الطريقة إلا مرة واحدة.
صحيح أن الشخصيتين معا تنتميان إلى عالم مخيالي ( ائنات من ورق )، لكن طريقة هذا الانتماء تختلف من الشخصية الأولى إلى الشخصية الثانية. فالأول (الطروسي) محدد من خلال سنن عام: إنه سنن الأخلاق والثقافة والسياسة والدين، وبالتحديد من خلال العنصر الحضاري الذي نحتت منه عناصر تشكيل وخلق شخصية مقبولة من لدن المتلقي. أما الثاني فمحدد من خلال سنن خاص، إنه سنن إيديولوجي ضيق (الماركسية) ولا يشكل هذا السنن داخل السنن العام سوى جزء بسيط، وهو الجزء الذي يعمل النص على رسم معالمه كسلوك مخيالي قابل للتحقق في الواقع.
ج – إن الإشارة إلى ماضي الطروسي – مع كل ما تعنيه هذه الإشارة من نبش في حياته الماضية للكشف عن الجوانب المتنوعة لديه – هي المبرر الرئيس للوظائف التي قام بإنجازها. فلا يمكن أن نحذف وظيفة من وظائفه ( معركته مع صالح بن برو مثلا ) دون أن نخل بقصته الكاملة. ولا يمكن أن نحذف أمارة من الأمارات الدالة عليه دون أن نخل بالصورة التي رسمت له.
لا يتحدد الأستاذ كامل إلا من خلال حاضره البسيط والفقير في الآن نفسه ( الرواية لا تشير إلى حياته الخاصة إلا مرة واحدة). فنحن لا نعرف هواياته ولا رغباته، كما لا نعرف الأشياء التي يحب والأشياء التي يكره. إن قصته تستمد وجودها من قصة السياسة في سوريا وفي الوطن العربي. إنه عنصر داخل قصة لا نرى منها إلا فعلا واحدا هو الفعل الذي يحتويه النص الروائي.
– الانتماء السياسي. فكل شخصية محددة من خلال انتماء إلى حزب سياسي معين.
– الانتماء الاجتماعي الطبقي. فكل الشخصيات محددة طبقيا بانتمائها إلى فئة المستغِلين(الميناء أبو رشيد، النقل نديم مظهر، المقاهي إسماعيل كوسا).
التغيرات التي حدثت على شخصية الطروسي بعد إنقاذه لشختورة الرحموني:
1-​قبل المساعدة من أم حسن وهو الذي لا يقبل مساعدة أحد.
2-​حضر الاجتماعات السياسية .
3-​نقل أسلحة إلى المقاومة.
وكلها أعمال تتسم بصفة الوداع ،بمعنى أنه شارك فيها دفاعا عن نفسه، ولكي لا تتوجه إليه الألسنة ، فهولم يفعلها لذاتها وإنما عملها لأنه رأى أن عدم عملها سيعيقه عن الوصول إلى هدفه.
البعد الفيزيولوجي :
​الطروسي بجسمه الضامر الأسمر بغير هزال ، وحركاته الرشيقة ، صاحب الوجه النحيل البيضاوي ، والذقن المستدير ، والنظرة الجارحة ،وأنفه الأقنى ، والجرح الذي يشطر الخد الأيمن ويترك أثره فيه ،وكتفان مجمعتان متحفزتان لمواجهة خطر مجهول ، رجل صلب مشبوب النزوات ، نزق الطباع ، صاحب شموخ وصلابة ،179ص هذه الصورة التي رسمها السارد للطروسي توضح الانحياز الكامل له ؛فهي صورة مشرقة يانعة مليئة بالمدح والتضخيم والتزيين، لأن هذه الشخصية ستحمل همَّاً فردياً، ولا بد أن تكون محبوبة ليتقبل القارئ وجودها الدائم في كل مفاصل الرواية، بل في أغلب صفحاتها ، ويتأثر إيجابا بكل سلوك أو تصرف أو قول تقوم به.
لعل القوة الجسدية التي منحها الكاتب لشخصية الطروسي هي سبب في تجمع الرواية حوله ، وسيرها مع خطواته وكلماته ومعاناته ،وكان أكثر ما جمع الشخصيات حول البطل هو الفعل الجسدي المغامر عندما خاض البحر وتحدى أمواجه العاتية ، وعندما تعارك مع البرو، ونقل السلاح في البحر، وكل تلك المواجهات والتحديات التي انتصر فيها لم تكن بإرادته وإنما دفع إليها دفعا، إذ هو لم يسع إليها ، وكان الهدف منها التخلص من ألم آني للتفرغ للألم الكبير الذي يملك عليه أفكاره .
ولعل أكثر الصفات التي ألح عليها السارد هي صفات البحار الماهر ، الذكي ، الخبير الذي يعرف ما يفعل ، فهو يشير إلى تلك الصفات دائما ويؤكدها ولعل سبب ذلك هو الهزيمة التي تعرض لها البطل في البحر ، وأدت إلى فقدانه المنصورة ، ولكي ينفي عن الشخصية صفات تتبادر إلى الذهن الخالي بان الريس الطروسي لم يبذل جهده لإنقاذ المنصورة ، ولم يكن يملك المهارة الكافية لإنقاذها . وهذا يعني أن التحدي بين البحر مرسوم ومحتوم ومخطط له وأن السارد يسير كل أحداث القصة وحركة شخصياتها باتجاه هذا التحدي .
البعد الديني :
“أنا عنيد ، كافر ، مؤمن ، أربح ، أنفق ، أشرب ، أحب ، آخذ حظي من الحياة،وأخالف الدين طمعا في المغفرة ، ولكنني لا أشرب من بئر وأرمي فيها حجرا ، ولم أقض ليلة مع امرأة إلا وشكرتها ، وتمنيت لو أن معي زهرة أتركها لها على الطاولة” ص45. ولعل رفضه فتح خمارة ص50 سببه الصورة السيئة لهذه المهنة، وكثرة ما تسببه من مشكلات دينية ونفسية واجتماعية وثقافية وهي صورة لم يعرها السارد كثيرا .
الصورة الشعبية للبطل كما رسمها السارد للطروسي :
فما” دامت خيزرانته في يده فلن تطاله أيّة مدية. ص 17 وما دام “البحارة حدّثوني عنه، قسماً بالله لا يخاف الإنس ولا الجن. ص 248 لقد سكت المتجرئون على البحر ولم يبق إلاّ هو متكلّماً. ص269 لا تنال منه السنون إلاّ ما ينال الموج من صخرة الشاطئ، يخرش بعض جوانبها، لكنّه يعجز عن أن ينال من شموخها وصلابتها. ص179 لقد صغر الرجال الذي عرفتهم في ماضيها جميعاً أمام هذا الرجل، إذا نظر كانت نظرته نداء لا يمكن للأنثى أن تتجاهله طويلاً”ص 123.
البطولة المرسومة في الجمل السابقة هي بطولة مضخمة فهي تتشكل من الجرأة،و القوّة الجسدية، والفحولة ،والشجاعة وهي صفات يتعلّق بها وعي العربي الذي يحيا تحت سطوة القسوة الإقطاعية وتوالي السياط على جسده .
الخاتمة
قدم الطروسي في بداية الرواية فردا بلا قريب ،فرديا أحاديا ثم تغير ونمت شخصيته ليصبح مشاركا في السياسة ويتزوج من أم حسن ليرتبط أكثر بالبر فهل أراد الكاتب يريد أن يقول لنا إن الفرد لا يستطيع أن يحقق ذاته بعيدا عن الآخرين ؟
يمثل الطروسي البطل فئة كبيرة من المجتمع بل طبقة منه تعيش من أجل أهدافها الذاتية وتسعى بجد لتحقيقها ، ولا تأبه لأي شيء غيرها إلا إن كان يتعارض مع رغبتها في تحقيق ما تصبو إليه أو تعيق الوصول إليه فهي لا تنخرط في العمل السياسي ولا تسعى لتحرير الوطن إن لم تصطدم بما يعيق رغبتها وطموحاتها وأحلامها ، ولا تدافع عن الآخرين إذا لم تجبر على ذلك وتدفع إليه، وهي ذاتها الطبقة التي تجتاحها طبقة المثقفين لتنير لها الدرب وتجمع منها ما تستطيع من الأتباع.
البطل في الشراع والعاصفة قوته مستمده من حلمه وحرصه على تحقيق حلمه وكلما ابتعد عن حلمه تضعف عزيمته ويصيبه التردد وكلما اقترب من حلمه والتصق به زادت عزيمته،وابتهجت أسارير قلبه وزال القلق من روحه .فما هو حلم هذه الشخصية التي هي أساس الرواية بل هي الرواية كلها وعليها انبنت .فكل أحداث الرواية تسير إلى البطل وتخدم حلم البطل وتتشكل لكي يصل البطل إلى حلمه وهدفه ،وكل الصراع الجانبي الذي يعيق وصول البطل إلى هدفه محكوم عليه بالفشل وصراعه الحقيقي الذي يحسب له ألف حساب هو صراعه مع الطبيعة صراعه مع البحر الذي استطاع أن ينتصر عليه مع أنه كان قد تصرف مع العاصفة بكل احتراف. أما الصراع على البر فهو صراع سهل حتى لو كان مع الاستعمار هو صراع سهل، والانتصار عليه شيء مؤكد في منظور البطل فهو قادر على الثبات في وجه أبي رشيد بل والتدخل في أمور الميناء ، وهو قادر على حمل السلاح إلى المقاومة وقادر على خوض النضال السياسي ولكنه في مواجهة البحر يعد العدة جيدا ويتأهب بكل قواه .
هي قصة ثأر وإلحاح على الثأر من البحر الذي سلبه اعز ما يملك فهو لا ينظر إلى البحر بعين هانئة مع أنه كان دائما يقول البحر حبيب ص342 وأرى أن الرواية هي امتداد لعقيدة الثأر العربية التي تنسى كل ما يحيط بها وتنشغل بالهم الفردي. وأوافق أن البطل عمل من أاجل الوطن وعمل من أجل البحارة والصيادين وعمل في السياسة ولكنه لم ينس ما له على البحر من دين ولم يشفه انتصاره عليه حين أنقذ الرحموني أراد أن يؤكد انتصاره بالعودة إليه ومخر عبابه هي قصة هم فردي تتجه كلها إلى حلم فرد.
لم يتراجع الطروسي أمام إغراءات الحياة المادية والمعنوية ؛ مشاركة نديم في المواعين وهي مشاركة ستجلب له أموالا طائلة ومكانة مرموقة ،وأصر على الذهاب إلى البحر وباع كل ما يملك من أجل ذلك ،وتخلى عن صاحبه أبي محمد، وترك زوجته أم حسن نجوى، وترك كل ما حققه من سمعة وصيت على البر ليصل إلى البحر حبيبه العدو ليرد له الضربة .
يمثل هذا البطل فئة كبيرة من المجتمع بل طبقة منه تعيش من أجل أهدافها الذاتية وتسعى بجد لتحقيقها ، ولا تأبه لأي شيء غيرها إلا إن كان يتعارض مع رغبتها في تحقيق ما تصبو إليه أو تعيق الوصول إليه فهي لا تنخرط في العمل السياسي ولا تسعى لتحرير الوطن إن لم تصطدم بما يعيق رغبتها وطموحاتها وأحلامها ، ولا تدافع عن الآخرين إذا لم تجبر على ذلك وتدفع إليه، وهي ذاتها الطبقة التي تجتاحها طبقة المثقفين لتنير لها الدرب وتجمع منها ما تستطيع من الأتباع.

*عمان – الأردن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق