قراءات ودراسات

شهوة الغريب في رواية الملكة

د. عمر الخواجا

أمين الزاوي يكتب في رواية (الملكة) عن الغريب غريب المكان والصفات والمشاعر، الغريب الذي نراه من خلال ما ترويه بطلة الرواية سكورا (حين يفقد الغريب شهوة الغريب فيه، أفقد أنا السماء التي غرست فيها جذوري ص 6) … غريب في شكله ومعتقداته وتصرفاته، يثيرُ دهشتنا ويُفجر في مُخيلتنا كثيرا من الأسئلة المتناقضة، فنكتشفُ كم هو مختلف عنّا وكم نحن متشابهون … هكذا رأت الملكة سكورا ملكة العسل الجزائرية الصيني يو تزو صن أو الشينوي أو يونس.
يسرد الكاتب الجزائري أمين الزاوي حكاية الفاتنة التي قبّلت التنين على فمه مُوضحاً للقارئ أنّ جزءا من الحكاية وصلهُ عن طريق أحد أقارب البطل الصيني في شنغهاي ثم أتمّها بطريقته الخاصة أي أن هذه الرواية (الملكة منشورات الضفاف الطبعة الأولى 2015 ) مزيج من الواقع والأدب والخيال وهي رواية التقاء الحبيبين وصولا لاختراق حاجز المسافات الكبيرة واختلاف العادات والتقاليد والشرائع من خلال حب غير مألوف … انها رواية تتحدث عن الغريب ( … الغريب يعرف كيف يحكي لأنه غريب وأنا أيضا أحكي وأعرف كيف أحكي دون خوف أو تردد أو بهتان ، لأنني أحكي للغريب .. ص9) … هذا هو الغريب الذي يأتي للجزائر تاركاً وطنه وعائلته وذكرياته مُتخليا عن اسمه الحقيقي (… أنا غريب، إذا أنا حر، هكذا شعرت بنفسي وأنا أسكن اسم يونس …. ص 31).
للغريب عدة أسماء ، يو تزو صن هو اسمه الذي رافقه في طفولته، يونس الاسم الذي اختاره حين أتى للعمل في الجزائر كي يسهل مناداته به، أما الشينوي فهو المصطلح اللفظي الذي يطلقه الجزائريون على الشخصية الصينية فهم يرونهم متشابهين بالوجوه والأعين والأطوال والصفات والتصرفات.
يتحدّثُ الغريب عن طفولته قائلا (تربيت كسائر أترابي على أشعار الزعيم ماو تسي تونغ، كانت مكتبة بيتنا المكون من ثلاث غرف تحوي جميع كتبه، تعجبني بعض قصائده الرومانسية المليئة بالحديث عن الأشجار والغابات والطفولة ولا زلت أحفظ منها الكثير كنت احلم أن أكتب اشعاراً مثله يقرأها الناس ويرددها التلاميذ وأساتذة الجامعة …. ص 23)
ثم يتحدّث عن عمله متطوّعا أيام الآحاد في قطف العنب ونقله للمعاصر ومساعدة الفلاحين في أعمالهم حيث يسترسل في ذكرياته عن تلك الفترة (… كانت تلك الأيام من أجمل أيام الطفولة المطلة على المراهقة، أحببت روائح المعصرات، روائح خمائر غريبة، حتى الآن كلما تشممت عطراً يصنف ضمن أرقى عطور باريس أو روما أتذكر روائح المعصرات في قريتي، انها المصدر والمقياس لكل جمال شمي لدي! ص100 ) … يلتزم الغريب بعمله ويتمتّعُ بمهنيّة عالية فهو لا يدخن أو يشرب إلاّ يوم الخميس لأنه يسبق يوم العطلة ، ان هذه الصفات المميزة غريبة في مجتمع عربيّ اعتاد الكسل والمماطلة واستخدام الواسطة والمحسوبية ، والغريبُ يتحدّث عن مشاعره بصدق وحريّة وشجاعة ( الصيني صبور في الحب نفسه طويل ، الحب عنده ليس مركزا للعالم بل للعالم مراكز متعددة منها الإخلاص للعمل والتفكير في المستقبل الشخصي وفي مستقبل الاسرة أيضا ص 179 ) ويواصل الغريب سرد ذكرياته مصورا لحظات اكتشافه للملذات الجسدية ومغادرته مرحلة الطفولة من خلال علاقته الأولى بمعلمة الموسيقى والتي تعلم على يديها عزف الكمان وبقي مخلصا له في حنين دائم لعالم الطفولة وعفوية التجربة الأولى ولكنه عندما التقى بالملكة سكورا شعر بأنها عالمه الجديد وبأنها القادرة على أن تملأ ذلك المكان الفارغ الذي تركته معلمة الموسيقى في قلبه وعقله وحياته.
كيف يتصرف الغريب في مجتمع عربي مليء بالتناقضات؟ كيف يمارس حياته اليومية بدون دين؟ كيف يتعامل مع الحب والذكريات والرغبات وكيف ينظر للواقع والمستقبل والخيال؟ … سكورا تريد أن تعرف بشكل عمليّ كلّ الإجابات عن هذه الأسئلة الكثيرة! تريد أن تخوض غمار التجربة الغريبة (لكني متأكدة أن الرجل قصير الطول في بلد الصين لن يكون شبيها بالرجل القصير في بلاد الجزائر ان قصره يوصله الى قطف النجوم، ان لهم هناك في شؤون الدنيا أموراً لا يفقهها الرجل عندنا الغارق في التحليل والتحريم ص 168) … كيف يصف الغريب عشقه لسكورا ومتابعته لها؟ (… كانت مشية السيدة كالرقص تمشي قدامي راقصة وأنا من خلفها أنبح ولا أنبح وهو ما جعلني أفكر في آلة الكمان التي لأول مرة لم أتمكن من العزف عليها البارحة، المرأة التي لا ترقص في مشيتها لا يمكنها ان ترقص في سرير عشيقها والتي لا رعشة في مشيتها لا رعشة في سريرها … ص 90) … في هذه الشخصية الغريبة القادمة من الصين تجدُ بطلة الرواية سكورا ما تبحثُ عنه، تجدُ شهوة الغريب.


أمين الزاوي يختار لروايته عنوان الملكة فمن هي الملكة؟ (عن أي ملكة أتحدث؟ كل رجل يبحث عن ملكة يتوجها على قلبه ص 94) الملكة هي سكورا آيت صالح رئيسة مصلحة الأمن والوقاية والمراسم والجنائز في المعهد الوطني باستور، يراها الغريب ملكة غير متوجة تمشي بثقة وخفّة وكأنها ترقص بنظارتها المميزة على أرنبة أنفها الجميل المنحوت كلوحة فنية تنشر عطرها أينما حلّتْ، ها هو الغريب يصف لحظة اللقاء الأول لحظة الاندهاش واشتعال شرارة الحب (…. خلف المكتب تجلس امرأة في الثلاثينيات رأيتها وفي الحين شعرت بها وكأنها هي التي تحاول منذ البارحة التسلل إلى تلافيف رأسي لتجلس مكان معلمتي للموسيقى التي ما عدت أستطيع استرجاع ملامحها السيدة الجالسة خلف مكتبها هدوؤها يشبه هدوء الموناليزا … ص 78)
اما سكورا فتتحدث عن نفسها (… أنا سكورا في حي العناصر بمدينة الجزائر ولدت في أسرة عديدة الأفراد كبرت خمس بنات وأربعة أولاد جئت إلى الدنيا بعد الذكور والإناث لذا لم يثر مجيئي لا الاشمئزاز الكثير ولا الترحيب المصطنع جئت هكذا والسلام قالت أمي التي لا تكره الإناث بلغتها القبائلية التي لا تعرف الحديث بغيرها ربي يصلح مكتوب ربي …ص 109) … تتحدثُ سكورا عن ذكريات طفولتها وعن أمها ولكنها نادرا ما تتحدث عن والدها نظرا لغيابه لفترات طويلة عن المنزل وانشغاله بعمله العسكري والسياسي والحزبي … تتذكر سكورا جيدا علاقتها بمحيطها ومجتمعها وما واجهته من حملات التشكيك في أصولها نظرا لجمالها الاستثنائي وبشرتها البيضاء الرائعة وعينيها الخضراوين الجميلتين ثم تسترسل الملكة في وصف معاناتها الاجتماعية والنفسية من التمييز والكبت والاحتقار وهروبها من واقعها البائس باحثة عن المختلف باحثة عن شهوة الغريب.
أمين الزاوي يرسم شخصيات الرواية بخطوط واضحة ومؤثرة فبالإضافة للبطلين سكورا ويونس ظهرت عدة شخصيات جزائرية وصينية ساهمت في تشكيل الحدث الروائي وصياغة الفكرة وإيصالها للقارئ بوضوح وتشويق وإثارة ، فهناك شـخصية عبدالرحمن سائق سيارة الإسعاف أو سيارة نقل الجثث والذي ظهر دوره الكبير في سياق الأحداث الروائية من خلال المساهمة في حلّ معضلة التّخلص من جثة القتيل الصيني وتحويله للحاج الشينوي صاحب الكرامات وصانع المعجزات ، عبدالرحمن شخصية مميزة يترك لدى القارئ أثراً واضحا فهو قادر على التدخل وقت الضرورة واجتراح الحلول الصعبة وهو يمتاز بثرثرته وجرأته التي تظهر من خلال استخدامه سيارة الإسعاف كسيارة أجرة من اجل تلبية طلبات أسرة مكونة من خمسة افراد أم وزوجة اخ بثلاثة أولاد هجرها زوجها ( … قال لي السائق : أنا اسمي عبدالرحمن زملائي في العمل ينادوني ب رحو أو عبدو ، سمتني جدتي عبدالرحمن تيمنا بالولي الحارس لمدينة العاصمة سيدي عبدالرحمن الثعالبي … ص 64) ومن الشخصيات الجزائرية التي برع الكاتب في رسمها شخصية المحقق الذي تولى التحقيق في قضية مقتل الصيني سو ن با سن انه المحقق فتحي رئيس الشرطة الذي يحب التكلم والحديث عن نفسه وذكر تفاصيل كثيرة عن حياته الشخصية فهو يحبّ عبدالحليم حافظ بعكس أخيه الذي يعشق هيام يونس ، وهو يعاني من عقدة الذنب نظرا لموت أخية في عملية إرهابية حيث اعتقد منفذوها أنه هو ( كنت طوال حياتي عمري الآن ثلاثة وخمسون سنة أحلم ان أكون يوما كاتب رواية بوليسية فمنذ الصغر قرات عشرات الروايات البوليسية ، قرأت سلسلة ارسين لوبين كاملة وشييز و.. حين ضاعت مني فرصة أن أكون كاتب رواية بوليسية جئت مهنة البوليس فأنا في الحقيقة لا امارس سوى الكتابة على طريقتي الخاصة … ص 76)
كما رسم الروائي وبحذر شديد شخصية نزيم طبيب الاسنان زوج سكورا والذي ظهر كشخصية سلبية يسير كما توجهه والدته ذات النفوذ السلطوي الطاغي والذي ارتبط بسكورا من خلال ترتيب والدته وتخطيطها ولكنّ هذا الزواج التقليدي انتهى بالانفصال حيث تقرر سكورا ترك زوجها بعد أن اكتشفت ميوله المثلية.
وبالإضافة للشخصيات الجزائرية تميز الكاتب برسم العديد من الشخصيات الصينية مثل شخصية سون با سن ابن صاحب مزرعة الحجل رفيق الغريب في الرحلة والعمل وشبيهه في الشكل ( كبرنا معا وكثيرا ما نمنا على سرير واحد وأكلنا من بيض المزرعة ومن لحم فراخها ، يشبهني أو أنا أشبهه حد تسميته بأخي التوأم ص 31 ) لقد حاول تزو ان يفي بوعده لجاره وان يلتزم بوصيته ( عليك ان تظل مع سو نبا سن انه أخوك ، انه مثل اخيك … ص 33 ) وكذلك هناك شخصية الام والدة يو تزو صن والتي ساهمت بتشكيل علامات فارقة في حياة ابنها من خلال تشجيعه على القراءة وحب العمل ولكن هذه الام تصطدم اجتماعيا بواقع محكوم بنظام وقانون صارم يضع ضوابطا كثيرة لعملية تنظيم النسل وتحديد عدد أفراد الأسرة مما يضطرها للتخلي عن ابنتها الرضيعة ويقودها للإدمان على الكحول والحبوب والأعشاب المهلوسة .
ومن الشخصيات الصينية التي ساهمت في رسم مستقبل الغريب وأثرت كثيرا في ذكرياته وطموحه وآماله وآلامه شخصية العمة التي كانت تطمح ان يصبح تزو مسؤولا كبيرا في الحزب ولذلك كانت تأمل أن تزوجه ابنتها الذكية صاحبة الاسم الغريب ( نياؤو ) … لقد حاول تزو التقرب من نياؤو وتعليمها العزف على الكمان ولكنها تركته وأحبت ابن عمه الرياضي صاحب الإنجازات المشهودة والشخصية المميزة.
ومن الشخصيات التي شجعت الغريب على الذهاب للجزائر الشيخ المعمر مان فو تونغ والذي كان يلقب (شجرة الخروب) نظرا لكونه قد تجاوز المئة محتفظا بقوته الجسدية حيث كان يمارس رياضة السباحة في النهر صيفا وشتاء وهو شخصية محترمة يحبه الجميع وينادونه بالجد مان، لقد مثلت الشخصيات الصينية تحديا نجح الكاتب في اجتيازه حيث ظهرت قدرته على رسم هذه الشخصيات بشكل قريب من القارئ والواقع والأحداث.
تتحدث رواية الملكة عن أمكنة الغريب وأزمنته المختلفة، الغريب القادم من هناك من الصين من المكان الذي يضرب به المثل في بعده وغرابته المكان المرتبط في المخيلة العربية بمقولة ” اطلب العلم ولو في الصين ” وهو ذات المكان الذي أصبح بالنسبة للملكة الجزائرية سكورا منشأ ” أطلبي الحب ولو في الصين ” ما بين الجزائر والصين ما بين مكانين مختلفين في كل شيء تتجوّل شـخصيات الرواية الرئيسية والفرعية على مسرح الاحداث …
يأتي الغريب من البعيد، من مكان يمثل مهد طفولته وموئل الذكريات والاكتشافات الأولى مكان العائلة والام والعمة والحب والكمان (… لست أدري لماذا يعتقد الناس بأن الصين واسعة؟ لقد كنت أراها وأشعر بها ضيقة مثل خرم الإبرة! … لم أشعر يوما بأن الصين كبيرة ص 87) أما المكان الجزائر فقد صوره الروائي من خلال زاويتين مختلفتين فظهر مرة بعيون جزائرية ومرة أخرى بعيون صينيّة ، فكيف رأى الغريب المكان الجزائر؟ ( وحدها كرة القدم وساعة آذان الإفطار في رمضان قادرتان على توقيف ضغط حركة المرور بالعاصمة ساعتها تبدو المدينة جميلة وهادئة ، جالسة على مرتفع يشبه المدرج الروماني تتأمل بحكمة البحر الرابض عند اقدامها في مثل هذه الأوقات الاستثنائية أفضل المشي في الشوارع الخالية دون توقف أتفحص العمارات الكولونيالية العتيقة ذات الهندسة المعمارية المثيرة ببلكوناتها المنقوشة والتي أتعبها الزمن والإهمال وغياب الصيانة وأتأمل الأرصفة الفارغة من المارة فأجدها واسعة ومريحة وأكتشف جمال المدينة الذي اثار كثيرا من الكتاب والرسامين التشكيليين من أمثال البيير كامو وماركس وأندري جيد ودولا كروا وماتيس وبيكاسو .. في الأزقة الضيقة يثيرني لعب القطط وتزاوجها ومواء الرغبة المتصاعد من كل جهة وصراعها على بعض بقايا المأكولات عند بوابات المطاعم الصغيرة الشعبية المنتشرة بكثرة وسط المدينة . الدين والرياضة وموسيقى الراي أكلوا عقل الجزائري وروحه انه لا يعيش ولا يفكر خارج هذا الثلاثي .. ص 44 )
ترى كيف نظرت سكورا ملكة العسل للجزائر المكان؟ (… من هذا البلكون نطل على المدينة الجالسة بجلال الاميرات على ما يشبه مدرج مسرح من المسارح الرومانية أو اليونانية العتيقة، من هذا الصمت نراقب بحرها الذي من على موجه خطف الأجداد القراصنة سرفاتيس ذات يوم وساقوه إلى سجنها … ص 97)
ولقد انعكست صورة المكان في الرواية من خلال المقارنات الواضحة ما بين المجتمع الجزائري ومجتمع الصين من حيث العادات الاجتماعية والعمل وطريقة معاملة الرجل للمرأة وكيفية تناول فكرة العشق معنويا وجسديا وكيفية التعامل مع الأديان والعبادات والتغيرات السياسية والأنظمة والقوانين.
الصينيون شعب عملي لا يعرفون القيلولة ابدا (… يقول الصينيون في كتبهم الكبيرة إن المسلمين من العرب هم الذين جاؤوا بفن القيلولة، الصيني قبل وصول الإسلام إلى بعض مناطق البلد لم يكن يعرف نوم النهار ص 93)
لقد برع الكاتب في المقارنة بين المجتمع المحليّ ومجتمع الغريب (الصينيون يرمون البنات في أكياس الفضلات واما الرجل الجزائري فيحكم على المرأة بالعيش طوال حياتها في سلة المهملات وأكياس الزبالة …. ص 130) ويمكننا ان نلاحظ أن الكاتب في هذه الرواية المميزة قد عقد مقارنة حادّة بين الرجل الجزائري والصيني من حيث العمل والحب والزواج (… الصيني صبور في العمل وفي الحب! الصيني لم يخلق على عجل وفي ظلام كما خلق الذكر الجزائري أشعل سيجارة أسحب من قلب تبغها نفساً حارقاً أتسلق بجناحي حلماً أزرق وأتساءل ما شكل المرأة التي يحبها الصيني؟ … نموذج كلوديا شيفر او بريجيت باردو أو انجيلا جولي؟ عين الصيني ترى ما لا يراه الذكر الجزائري، الرجل العربي وقد ورّث هذا للرجل البربري عن طريق الدين واللغة والسياسة والنفاق يحب المرأة التي على شكل أمه وعلى شاكلتها … ص 172) ويورد الكاتب مزيدا من المقارنات التي تكشف الاختلاف بين الرجل الجزائري والصيني في العديد من الصفات والتصرفات وحتى طريقة الحديث (… لماذا يتحدث الصيني بهدوء وباختصار ولماذا يثرثر الجزائري ويرفع صوته ولو في محراب صلاة؟ الصيني يعيش الكلام والجزائري يعيش بالكلام … ص 97)
ويظهر المكان كشخصية رئيسية تفصل ما بين عالمين متقابلين حيث نقرأ عن نظرة الغريب للجزائريين بأنهم رجال بشوارب سوداء وعيون واسعة يشبهون بعضهم بأنوفهم وعيونهم اما نظرة اهل البلد للغريب وزملائه فتختلف بين الإيجابية والسلبية فهناك صورة ( آكلو لحوم الكلاب والافاعي والحشرات ) وهناك أيضا من ينظر لهم بشكل اقتصادي إيجابي من حيث مهارتهم العملية في الإنجاز السريع مقارنة بابن البلد الذي يبحث عن المناصب الإدارية والمهن المريحة ( … قال آخر يشيدون العمارة ذات الخمسين طابقا في ليلة واحدة لقد غيروا شكل المدن التي هجمت عليها البنايات من كل الجهات ، عمارات نبتت كالفطر مشروع مليون سكن الذي جاء به برنامج الرئيس كما تقول نشرات الاخبار لا يمكنه أن يعرف النور إذا لم تتسلمه شركات صينية … ص 67 )
رواية الملكة هي رواية الموضوع والفكرة والمعنى وهي حكاية الوقوع في حب الآخر فمن خلال تعقيدات ومفارقات مختلفة استطاع الروائي أمين الزواي أن يتطرق بشجاعة لكثير من الأفكار ذات الابعاد المختلفة ، لقد عبر الكاتب عن فكرته من زاويتين مختلفتين فمن خلال التحدّث بلسان البطلين الرئيسين منح الروائي للقارئ قدرة على رؤية الضدين معا وأضاف للسرد تشويقا وقوة ووضوحا ، لم يكن الهمّ السياسي غائبا بل تميز في الظهور في النقاط المفصلية للأحداث حيث طرح الكاتب العديد من القضايا الاجتماعية من خلال التطرق للعلاقة بين الرجل والمرأة وابعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية ، كما تناول الزاوي المسألة الدينية عبر طرح عدد من التفاصيل الهامة المتعلقة بالأديان والمذاهب والطوائف مركّزا على عملية استغلال الدين سياسيا أو اجتماعيا لتبرير عادات قبلية بالية مثل التمسح بالأضرحة وتقديس الأولياء .
أسهبت سكورا في وصف معاناتها في العلاقة مع الرجل والتي بدأت بالتعامل مع زوج شاذ مسلوب الإرادة مرتبط بأمه لا يستطيع أن يخرج عن أوامرها وإرشاداتها ثم عانت من نظرات الطبيب النفسي الذي لجأت اليه لعلاج ابتها ليليا فرأى فيها فريسة سهلة المنال وعانت من نظرات مديرها في العمل الذي كان يراها وليمة عارية جاهزة للافتراس مما الجأها للغريب ذلك الصيني القادم من البعيد والذي يحمل في صفاته وتصرفاته كلّ مُختلف وجديد حيث خاضت تجربة فريدة من نوعها وواجهت إعصار الرفض وعدم الرضى من مجتمع ينظر لكل مختلف بعين تقليدية متحجرة
للموضوع محور رئيسي في الحكاية هو العلاقة بين الملكة والغريب والذي ابتدأ بتلك الحادثة التي أدت للقائهما حيث تحدث جريمة قتل لرفيق الغريب ابن صاحب مزرعة الحجل فيضطر تزو للذهاب للتعرف على الجثة وهناك يلتقي بالموظفة الجزائرية سكورا وتبدأ علاقتهما ثم تسير أحداث الرواية ضمن إطار سردي مزدوج وتتطور العلاقة لعشق يصهر اختلافهما فينتج مزيجا فريدا من مكانين مختلفين وفكرين متباعدين
هي الغريبة في علاقتها مع هذا الغريب تواجه بنظرات الاستنكار والاستغراب من المجتمع المحلي الذي لا يرى في الآخر سوى الاختلاف الذي يدعو للريبة والاشمئزاز والتندر ( … قال شاب آخر وهو يتابعها وهي تهم بالخروج من العمارة : جزائرية تختلي بصيني يأكل لحم الكلاب والله تستحق الرجم في الشارع ص 105 ) ولكنها تصر على مواصلة العلاقة معه فهي بعكس الآخرين تعشق هذا الاختلاف وتجده مرآة جميلة ومصدرا للجذب والحب والمغامرة ( أريد أن أسبح عكس التيار تلك متعتي ص 106 ) وهي تجد متعتها في الاستماع وتكتشف حريتها في الحديث اليه وبثه أشجانها ( .. أن تحكي للغريب يعني أن لا شيء يحاصرك من تراكمات القمع الأخلاقي والثقافي والديني الذي يملأ الرأس والذاكرة … ص107)
هذه العلاقة الغريبة تواجه بكل المعيقات بل وبالرفض المباشر في الشارع في العمل في البيت كما واجهته مع صاحب مطعم حيث كانت تجلس هي وتزو ( … اسمعي يا سيدة نحن لا نريد في هذا المحل شينويين ( صينيين ) ، الجزائرية الاصلية تجيء مع جزائري اصيل ، هذه آخر مرة اسمح فيها بمثل هذا الاستهتار ، المرة القادمة سأطردكما ، أنا لا أريد آكلي الكلاب والذين لا دين لهم يجيئون محلي ، سمعة المحل قبل كل شيء … ص 124 )
ومن خلال هذه العلاقة المتحركة بين الغريبة والغريب تتدفق أحداث فرعية أخري يكون بطلها الشخصية الغريبة عبدالرحمن سائق سيارة الإسعاف والذي يتكفلّ بعملية دفن الصيني القتيل نظرا لرفض أغلب البلديات دفنه في مقابرها لخلو خانه الديانة لديه من أيّ صفة حيث ان هذا الصيني لا يتبع دينا سماويا .
تم البحث عن طريقة لإعادته لبلده ولكن الشركة الصينية صاحبة مشروع بناء الحيّ السكني لا تؤمن عودة عمالها في حالة الوفاة ( وحين فكرنا في دفنه في الجزائر بحثنا عن عقيدته فلم نجده لا مسلما مالكيا كي ندفنه في واحدة من مقابرنا الكثيرة ولا إباضيّا كي ندفنه في مقابر الإباضيين وبحثنا اذ قلنا ربما كان مسيحيا فإذا به ليس كذلك ولا يهودياً انه مواطن صيني بدون دين ص 158 ) وهنا يستنجد الضابط الرئيس بخدمات عبدالرحمن في مساعدتهم بالتخلص من جثة الصيني القتيل فيلجا عبدالرحمن لابن عمه زهير اورابح رئيس بلدية بني فرطاس وهي بلدة حدودية تبعد عن العاصمة اربعمائة وخمسين كيلو مترا يشتهر سكانها بالتهريب وبالأعمال غير القانونية ويخبره ان هناك شيخا صوفيا جاء من الصين طلبا للعلم وأوصى أن يدفن في هذا البلد ويقترح على ابن عمه ان يتم تكريم الشيخ المتوفي بإنشاء ضريح على قبره يكون مزارا للتبرك والدعاء والزيارة مما سيضيف للبلدة قيمة معنوية ومادية فما كان من ابن عمه سوى الترحيب بهذه الفكرة ومن هنا تحول القتيل الصيني ابن صاحب مزرعة الحجل سون با سن الى( الحاج الشينوي ) صاحب الكرامات الدينية ومحقق المعجزات والشفاء للمرضى واليائسين والمحرومين ( تناقل الناس في قرية بني فرطاس والقرى المجاورة خبر وصول جثمان الشيخ الشينوي البخاري ومن قرية لأخرى كان الناس يزيدون في الخبر فبعضهم روى ان الشيخ وصل مشياً على الاقدام وحين دخل القرية جلس إلى ظل مسجدها ونام قليلا ثم مات … ص 164 ) وانتشرت الكثير من الحكايات المختلقة حول بركات الشيخ وكراماته الكثيرة فأصبح قبره مزارا للقرية ولسكان القرى المجاورة.
وبالعودة للموضوع الرئيسي في الرواية فإن الكاتب أمين الزاوي اختار للعلاقة بين الملكة والغريب ان تستمر بطريقة غريبة أيضا فيمكننا ان نستدل ان النهاية المفتوحة للرواية قد جاءت في الصفحات الأولى حيث سكورا تنظر في البعيد الى ميناء مدينة الجزائر في انتظار عودة الغريب يو تزو صن وتحدث نفسها ( … أنا حامل من غريب في شهري السابع وسيجيئ من هذه الغربة طفل يكون أول السلالة الجزائرية الصينية التي ستحكم البلاد مع نهاية هذا القرن .. امير الغرباء ص 7)
ختاما نكتفي بالقول ان هذه الرواية حملت بين سطورها عوامل نجاحها كعمل أدبي استطاع ان يحمل في بنيته الداخلية أفكارا تستحقّ أن تكون مادة للسرد والرواية والأدب انها رواية البحث المستمر عن شهوة الغريب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق