ثقافة المقال

قراءة في سلوكات الشخص المتسلط

أحمد بابكر حمدان

– مقدمة:
تختلف طبائع الناس وسلوكياتهم باختلاف العوامل المكونة لشخصية كل منهم، كالصفات الوراثية والبيئة ودرجة التعليم وما إلى ذلك، ولعلّ أكبر موجّه ومؤثر في سلوك الشخص، حتى في ظل اعتبارنا للعوامل السابقة، هو إداركه لطبيعة تصرفاته وسلوكه، ووعيه بما يصدر عنه، إضافة إلى اهتمامه بما يحدثه التصرّف من ردّات فعل من قبل الآخرين. وما دامت التصّرفات الاجتماعية الصادرة عن أي شخص، تؤثر على طرف آخر، فلا بد من اعتبار ردّة فعل ذلك الطرف..
1️⃣
إن المكارم والقيم السائدة في المجتمع كثيراً ما تفسدها تصرفات الأشخاص. إن الأشخاص ذوو الشخصيات المتسلّطة (الفظّة) يفسدون في المجتمع أكثر مما يصلحون، في وقت يرون فيه أنفسهم قادة وموجهين، خاصة إذا ما تدثروا بميزة اجتماعية أو أكثر!!.

تفرض الشخصية المتسلطة وجودها بطريقة أقرب إلى “السلوك الأمريكي”.. وإذا ما حصلت مثل هذه الشخصية على أية ميزة اجتماعية، فإنها تسقط كل مخزونها من التسلط، بكل مخزونها من الفظاظة والغلظة، على الطبقة أو الفئة التي تمتاز عليها بتلك الميزة الاجتماعية.

– تسلط مدرسي:
لعلك تذكر من مرّ عليك من المعلمين القساة الذين لا يعرفون للرحمة معنىً ولا للرفق سبيلاً.. ولعلك وقفت حينها تسائل نفسك عن السبب أو الأسباب التي تجعل من ذلك المعلم ملكاً للرفق والرحمة والسمو، وتجعل الآخر من الفظاظة بحيث يحيل المدرسة إلى جحيم؟!.

إذا تذكرت معي بعضاً من تلك المشاهد، فإنني أعود إلى القول بأن مثل ذلك المعلم الفظ، لم يصبح فظاً بعد أن عمل في مجال التدريس، لكنه كان كذلك من قبل. إن صعوبة الأمر ليست في مجرد الفظاظة، وإنما في إسقاطها على من يفترض أن يتلقوا منه سلوكاً راشداً ويتعلموا منه قيماً رفيعة.. والأعجب من ذلك كله، أن يتم تغليفها بما يسمى بمكانة المعلم: “من علمك حرفاً صرت له عبداً” ومن ثَم إضافتها إلى مخزوننا من القصص (التربوية) التي تحكي عن زمان كان التلاميذ فيه يتركون الطريق للمعلم، ويخافون منه خوفا شديدا. إن ما يؤرق ليس مجرد السلوك الخاطئ أو الأخطاء التي تقع من أي شخص كان، ولكن المؤلم حقاً هو تغليف تلك الأخطاء وتقنينها وتبريرها بما يعطي المخطئ حصانة اجتماعية تدفعه لمزيد من الأخطاء واللامبالاة..

– تسلّط أسري:
ولنأخذ مثلاً بالزوج في الأسرة سواء كان زوجاً فقط، أو كان أباً كذلك.. فكثيراً ما تسمع شكوى الرجل من زوجته حيناً ومن عقوق أبنائه أحياناً أخرى، لكنك قليلاً ما تسمع عن محاسبته لنفسه أو شجب تصرفاتها على أقل تقدير..

ومثل هذه الشكوى عادة ما تصدر من شخص يحمل بين أضلاعه نفساً تحب أن تطاع فلا تعصى، وتقول فلا يرد قولها، وتأمر فيستجاب لها.. ولكن، ما يفوت على مثل هذه الشخصية أن السلوك يورّث والطبع يعدي، فإذا ما أكثرت من التعامل بتلك الطريقة، انتقل الطبع تلقائياً إلى الزوجة والأبناء، وبالتالي تتصادم الشخصيات المتماثلة في الغلظة والفظاظة، وها هنا تتنافر الأقطاب المتشابهة. ولعل المدرسة والأسرة أهم محاضن إعداد الأفراد للنجاح، لا سيما في التعامل مع المجتمع المحيط.
2️⃣
يا ترى، ما عوامل تكوين الشخصيات المتسلطة؟
أولاً: ما دامت مشكلة (الشخصية المتسلطة) اجتماعية، فإنها ترتبط بطرفين أو أكثر من مكونات المجتمع، وينبغي ألا يوجه اللوم إلى طرف واحد، ومن ثم تحميله المسؤولية؛ لأن المسؤوليات متداخلة ومشتركة ومتبادلة..

ثانياً: عند تعرضنا لمعالجة مشكلات اجتماعية، يجب ألا نعطي بعض الأطراف حصانات دائمة، لما يمتازون به من (ميزات اجتماعية تفضيلية).

– عوامل متداخلة:
من العوامل المؤدية لتعزيز التسلط لدى بعض أفراد المجتمع، أن الخطاب التربوي بصفة عامة والديني بصفة خاصة، عاش حيناً من الدهر وهو يتناول الموضوعات التربوية والاجتماعية مثل (برّ الوالدين وطاعة الزوج واحترام المعلم وتوقير الكبير ومساعدة الضعيف) من جانب واحد فقط، بالرغم من أن التفاعلات تخص طرفين اثنين أو أكثر. وقد أدى الخطاب أحادي الاتجاه والتوجيه، إلى ترسيخ مفاهيم خاطئة عن حقوق المذكورين وصلاحياتهم، وأفرز احتقاناً في الأطراف المقابلة، مما أدى بمرور الوقت، إلى حدوث ردّات فعل وانفجارات اجتماعية، هنا وهناك. وفي فترات قريبة نسبيا، برزت اصوات تدعو إلى التوازن في الخطاب الديني، لا سيما بعد دخول بعض المتخصصين في المجالات التربوية والاجتماعية، ساحات التوجيه الديني عبر القنوات والوسائط الاليكترونية.
————————-
* معلم سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق