ثقافة المقال

معجزة الشعر أنه يقف على قدميه بعد كلّ خراب

سيف الملوك سكتة
كأحد معطوبي الكتابة أتساءل: هل حان الوقت لندعو إلى قانون الوئام الثّقافي وإلى تمجيد الشعر بما أنه أحد رموز السّيادة الوطنية (النّشيد الوطني)؟ هل آن أن نتحدّث عن الشعر بمفهومه المطلق الذي تدخل في تركيبته الفيزياء؟.. ومتى تكون القصيدة حدثًا سياسيًا وشعبيًا وما هي الاحتياطات الشّعرية للعشرية القادمة..؟ هل حان الوقت لإرسال تعزيزات إبداعية جديدة لتحصين السّاحة الأدبية الجزائرية وصناعة الذّوق العام بأدب رفيع؟..

معجزة الشعر أنه يقف على قدميه بعد كلّ خراب.

وما يدهش أكثر هو أن الشّعر في الجزائر عمل تطوعي رغم (أنف ذلك) الشّعراء يتم إبادتهم على رؤوس الأشهاد بكلّ الوسائل المعنوية والمادية والمجازية وهناك محاولة لتجفيف منابع الشّعر كما لو أن دمهم وعرقهم أريقا من قبل أن يرتكبوا الأحلام (كأننا الشنفرى) لا ثمن للشّاعر إن مات أو ظلّ حيًا ..

إنه الفنّان الوحيد الذي لا يتقاضى أجرًا على فنّه، فالأمسيات و الملتقيات وطبع كتبه لا تؤمن له ما يسدّ به كرامة الكلمة (الكلمة المبدعة لا كرامة لها)، شعراء ماتوا قهرًا وقتلاً وانتحارًا وشعراء هاجروا أو كسروا أقلامهم أو دفنوا أشعارهم وشعراء توقفت قلوبهم وشعراء أكلهم المرض و.. وكل هذا الاستنزاف لروح الجسد الأدبي الجزائري لم يحرك شعرة واحدة في الجمجمة الصلعاء!

* * *

هل الشّاعر هو ذاك الذي عليه كي يُبدع أن يكون مريضًا واقفًا على حافة الموت أو حفلة الجثث! فوضويا، صعلوكا، متمردًا، متشردًا متأبطا شرًا، سكيرًا، عربيدًا، مدخنًا بشراهة، مفلسًا لا بيت ولا طاولة له!

هل وألف هل!.. مهما الشعراء شرّفوا الجزائر خارجيا وحرّكوا المشهد الثقافي داخليا ودفعوا الشّهداء في العشريتين الحمراء والسّوداء(كي لا يكون اللون الأسود والأحمر علما للوطن) إلا أنّهم ظلّوا غرباء، كما لو أن ما حدث لمفدي زكريا صار سنّة لا تحمر الوجوه لها.. إن من أنتجوا تراثًا للأجيال القادمة وتركوا لهم قيما جمالية وإنسانية لا تقدر بميزانية هم آثار حيّة فلا أقل من أن يُعاملوا كالآثار المادية واللامادية والحيوانات والطّيور الآيلة للانقراض، في الوقت الذي نجد فيه كتاب الغرب لهم أكثر من سكرتير وسكرتيرة، وقائم بالأعمال وتوضع لافتات أمام منازل كبار الأدباء (الرّجاء الهدوء “فلا ن” يكتب!)، حتى أننا نجد شاعرًا مثل جيمس وايتكومب عيد ميلاده عطلة رسمية في ولاية إنديانا الأمريكية.

الشّعراء ساهموا في النّشاط الثقافي في عزّ الإرهاب وفقدوا أسماء في عزّ الإبداعية وإن تغييبهم جعل المستوى الخطابي يصبح أكثر خطبا وانتشر العنف اللفظي الذي من تبعاته الإرهاب والعنف الاجتماعي. إن اللغة الجزائرية في حاجة إلى تطعيم شعري وإذا لم يتم الانتباه إلى ما يهدد الأجيال القادمة إذا استمر تغييب الشّعر فلا أستبعد قيام عشريات ظلماء أخرى، فكيف لمن لغته فاسدة أن يكون مواطنا صالحا؟!

إن إعادة الاعتبار للأدب الرفيع لا يستنزف ميزانية بل هو استثمار سياسي واقتصادي واجتماعي بامتياز وبأقلّ الأثمان وأقترح القيام بدراسة جدوى لذلك، ذلك أن من وظائف الشّعر تحسين الحالة الاقتصادية للوطن وتحقيق الرخاء الاجتماعي والصّحة النّفسية والجسدية وتوفير الأمن، فعلى الشعر أن يتحوّل إلى عُملة معدنية بوجوه لا تحصى.. وتؤسّس الشركة الشعرية لتطرح أسهمها في سوق التداولات النقدية بواقعية حتى لا يصاب الوطن بكساح المعنى..
كيف يمكن استثمار الشّعر؟

كيف يساهم الشّعر في السّياحة مثلاً؟

في التّجارة (إثراء لغة الإشهار والإعلانات = القدرة على إقناع الزبون).

في السياسة، في الأمن الاستراتيجي للبلاد، يسهم الشّعراء كذلك في تنمية التّفكير الإبداعي والذّكاء اللغوي.. إن الأقليات المبدعة ثروة وطنية تنمّي الخيال والتّفكير الجانبي والأفقي وتطور لغة التّفكير ومن ثم طريقة التفكير وطمس معالم التكفير، وظيفته تطهير القلوب وربط علاقات جمالية جديدة مع الكون ليكون الإنسان مرنًا – قادرًا على النّظر إلى الأمور من زوايا مختلفة.. ومن ثم على السّياسي أن يستعمل كلّ كلمة بمهارة شديدة.

يقول علماء النّفس: إن هناك علاقة وثيقة بين كمية وقوة الكلمات التي يستخدمها الشّخص ونجاحه في حياته. يقول “توني بوزان” مثلا… وهو أحد مستشاري الرؤساء الأمريكيين وكثير من الشركات العالمية الناجحة.. “إن القوة الكامنة في الكلمات أصبحت من أهم العملات الرابحة في عالم المعرفة”. لقد وجدنا الإجابة على سؤال من مثل: هل يمكن تغيير العالم بالكلمات؟ بسؤال أشدّ.. وهل تغير العالم إلا بالكلمات!

ينقص الوطن كثير من الذكاء اللغوي، عندما يكون لدينا مجتمع مختل ومعتل ثقافيًا فمواجهته بالخطب وحدها خطأ قاتل، الوطن يحتاج أرضية فنيّة ثريّة ليزدهر الاقتصاد بوسائل صحيحة، يحتاج الرّاهن السّياسي إلى فضاءات لغوية فاتنة، فحتى أسماء الحروب الحديثة صارت كأنها عناوين قصائد ليتهيأ لها المتلقي نفسيا وجماليا ودلاليا.. إن الكلمة تقتل الكائن وتحييه، تقتل الدول وتحييها، فالمجتمع المتذوّق للفنّ يكون أقل عنفًا.. إن الاستثمار الثّقافي الفنّي ضروري لتفادي الكوارث. إن الفن وُجد لمكافحة الشّر جماليا وتجديد خلايا الأحاسيس المعطوبة.. ذلك أنه إذا شاع الجمال في اللغة شاع في كلّ وجوه الحياة ..

من فوائد الشّعر أنّه:

ينمي المهارة اللغوية والتّفكير الإبداعي ويحسّن من طرق طرح الأسئلة ويهذّب النّفس.
يضع أرضية أحاسيس مشتركة توطّد المصير المشترك والقيم الإنسانية.
يُعالج أمراض القلوب بنوعيها المعنوية والعضوية.
يجعل الإنسان فخورًا بإنسانيته وجديرًا بها.
إن الشّعر سلعة استراتيجية ينبغي دعمها واستهلاكها كالحليب ومشتقاته وإلا أصيب أطفالنا بكساح لغوي وخلل بنيوي لا قبل للمستقبل به، والتّطعيم بالشعر من أفضل الحلول لمواجهة شراسة الشرّ وشرعية الشعر المبستر( منزوع الزبدة)، وحتى لا يقف الشّاعر وحده في مواجهة العالم وحتى لا يكون وطننا مقبرة جماعية للمبدعين.. أذكِّر: إن أي حضارة تُقاس بوضع الأقليات المبدعة فيها وأحذِّر من أننا نستهلك أدبًا تجاوز مدة صلاحيته ونعيد إنتاجه بما يهدّد البنية النفسية والعقلية للقارئ الجزائري. إن خطأ بسيطًا في استعمال الأدوات الفنية يُؤدي إلى تخريب الذّات الجزائرية ويحدث كوارث لا يصلحها الزمن.. والآن من يملك جرأة أن يكون مبدعًا؟ ويستعمل قوة الكلمة التي لها قوة الإقناع وقوة السّحر للّتأثير على الآخرين!

لقد قال نابليون: “إننا نحكم الرّجال بالكلمات”.

ولاستثمار الشّعر كضربة استباقية لكل أنواع الإرهاب أقترح:

القيام بحملة وطنية للكتابة والقراءة.
بما ان القصيدة صيدلية متنقّلة أقترح معالجة المرضى بإقامة امسيات شعرية داخل المستشفيات والسّجون ودور العجزة.
– إقامة أمسيات شعرية تحت قبّة البرلمان للرفع من مستوى الخطاب السياسي ونقل الأمسيات الشعرية عبر القنوات التلفزية لتهذيب الذّوق العام.

الإدراج الفوري لشعراء وكتّاب ينتمون إلى هذا العصر يحملون روحه ولغته لإعادة التلاميذ إلى متعة القراء ة واكتشاف حياتهم من خلال لغة قريبة منهم لترسيخ قيم الجزائر التي أرادها الشّهداء وثمّة ما يسدّ الذرائع من الإبداعات التي أنجزت في العقود الأخيرة.. على جميع المستويات الإبداعية بما يمثل تراثًا فاخرًا تفتخر به الأجيال القادمة.
إن ما يُبعد تلاميذنا عن متعة القراءة هو برمجة شعراء وكتّاب ينتمون إلى زمن دَارسٍ تتناول كتاباتهم مواضيع لا شأن لهم بها! كيف نقرأ لغة لا تنتمي إلى أحاسيسنا؟! نقرأ لغة صلبة غير قابلة للاشتعال بينما كل لغات العالم صارت سائلة تعبأ في قوارير شعرية.

يجب القيام بحملة ذات منفعة عامة بقيادة الشعراء لتنظيف اللغة الجزائرية من البذاءة والرداءة، ذلك أن العنف اللفظي يؤدي حتما إلى العنف المادي.
– أن يضاف للأحكام القضائية ما يلي: على المتهم أن يحفظ عشرين قصيدة ويقرأ ثلاثين رواية سنويًا تختار حسب حالته الإجرامية وحسب تقدير القاضي فذلك هو الردع الفعال لكل نوايا الإجرام عنده. ينبغي إقامة محميات شعرية.

ملاحظة:

لغتنا قد تنتج العنف لأنها ترعرعت داخل الصّراعات المذهبية الدّموية وقُعدَ لها في جوّ من النزاعات بين البصرة والكوفة. إنها تشكّل التفكير التكفيري وتؤثر في طريقة رؤية الأشياء والعلاقات السوسيولوجية. إن خطأ بسيطًا في استعمالها قد يُؤدي إلى حروب أهلية لا تنتهي لذلك ربما هناك أطراف تعمل على تكريس الشعر الرّديء وعلى استمرار الهشاشة اللغوية لأن ذلك يخدم تصوّرها لمشروعها المجتمعي للوصول إلى طرح الفرنسية كبديل.

إن منظومتنا التّربوية تعمل على نمدجة وتنميط اللغة، لغة مزيفة كاذبة خافضة لا تنسجم مع سرعة وخفّة حياتنا لذلك لا يستسيغها تلاميذنا لأنهم لا يجدون فيها أنفسهم.. طعم الكلمات فاسد ورائحة حرائق تنبعث منها وخيالات أشلاء بشرية ترفعها النّار الى أعلى الكلام..

أقول: لا يُمكن أن تتغيّر سياستنا واقتصادنا و يتحقق أمننا إن لم تتغير لغتنا، إن كل هذا لن يتم خارج اللغة ودون إذن الشّعراء.

في النهاية:

إذا لم يكن مستقبلنا شعريا ماذا سيكون؟! هل لكم القدرة على تخيل ذلك.. وما مداه.. بينما العالم يشهد شعرية عاتية. العلم ذاته تحوّل إلى قصيدة لها إيقاع الكون، إيقاع الموجة. التكنولوجيات مَهّد لها الشّعر بينما نشهد تصحرًا للخيال لم تشهده صحراؤنا الخصبة وحتى لا نعود إلى الحضارة الما قبل شعرية وفي حين لم نعد نملك إلا القليل من الوقت للثقافة الجادّة، والقليل من الإيمان بالشّعر دون الانتباه إلى هيئة الفنّ الآخذة في التغيّر السريع. ودون أن نطمئن على إمكانية تلبية الحاجة الإنسانية للشعر، هل حان المستقبل لإقامة نظام جمالي متكامل نحرس به الجزائر من البشاعة الجشعة التي تنميها نظرية ميكيافيلي الممارسة بوجاهة وحتى لا يتحول الشرّ إلى سلطة مطلقة؟!..

إن الشّعراء ثروة وطنية غير مستغلة ينبغي تداركهم قبل أن يعبروا اللغة إلى برّ النّسيان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق