ثقافة السرد

متحف الجهود الضائعة

للكاتبة: كرستينا بيري روسي ترجمتها عن الإسبانية: إشراق عبد العادل

أذهب كل يوم إلى متحف الجهود الضائعة وأطلب قائمة وأجلس بمواجهة المنضدة الخشبية الكبيرة. تبعث صفحات الكتاب على شيءٍ من الضجر، لكن كان يروق لي تصفح أوراقه ببطء ، كما لو أني أقلّب أوراق الزمن. لم أعثر البتة على أحدٍ يقرأ هنا، ربما لهذا السبب تُعيَّرني الموظفة، الكثير من الاهتمام. ولأنني من زائري المتحف القلائل فإنها تدلِّلني. لأنَّها بالتأكيد تخشى أن تفقد الوظيفة لقلَّة عدد الجمهور. قبل الدخول انظر جيداً إلى الإعلان المُعلّق على الباب الزجاجي، المكُتوب بأحرف الآلة الطابعة، يقول: جدول الدوام، من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة الثانية بعد الظهر ومن الساعة الخامسة عصراً إلى الساعة الثامنة مساءً، الاثنين :مغلق. وعلى الرغم من أنني أعرف دوماً أن أي جهد ضائع هو ما يهمني البحث عنه، إلا إنني بالمقابل أطلب القائمة كي تنشغل الشابة بعملٍ تقوم به.
قائمة أي عامٍ تريد؟ تسألني الموظفة بأدبٍ جمٍّ.
فأجيبها: قائمة العام الف وتسعمئة واثنين وعشرين، مثلاً.
في الحال تظهر بكتابٍ ضخم، بغلاف جلدي بنفسجي، تضعه على الطاولة مقابل الكرسي الذي أجلس عليه. تبدو الموظفة لطيفة للغاية ،فإذا رأت أن الضوء الذي يدخل من النافذة بدأ يقل، تسارع في الحال إلى إشعال مصباح برونزي بغطاء أخضر ثم تضعه بطريقة يُوَجّه فيها الضوء ليكون على صفحات الكتاب. أحياناً وعندما أعيد إليها القائمة، أعلِّق لها بشكل مقتضب، فأقول لها على سبيل المثال:

– العام ألف وتسعمئة واثنان وعشرون كان عاماً مزدحماً بالأحداث. فالكثير من الناس كانوا مشغولين بجهود يستحيل تحقيقها. كم مجلد يوجد عنه ؟
– أربعة عشر مجلداً- تجيبني بمهنية عالية.
ثم أشرع أنا بالاطلاع على أحد الجهود الضائعة لذلك العام، أقرأ أن أطفالاً حاولوا التحليق في الهواء، رجالاً شُغلوا بصنع ثروة، أجهزة معقدة لم يتوصلوا إالى تشغيلها أبداً، وعددٌ كبير من الاشخاص المتزوجين.
– في العام ألفٌ وتسعمئة وخمسة وسبعين كان أكثرَ غنىً بالأحداث – تقول لي ذلك بشيءٍ من الحُزن- . لم نتمكن حتى الآن من إدخال الأحداث كافة.– ثمة عملُ كثير سيكون بانتظار المُصَنفين- أعلَّقُ بصوتٍ مرتفع.
– آهٍ، نعم – تجيب – بدأوا للتو بقائمة الحرف C وهناك عدد كبير من المجلَّدات المطبوعة. من دون احصاء الجهود المكررة.

إنه لأمرٌ يثير الفضول أن تتكررَ الجهود التي يستحيلُ تحقيقها، غير أن القوائم لا تضمُّها: لعلها ستشغل حِّيزاً كبيراً فيها. رجلٌ حاول التحليق سبع مرات ، كان مزوًّداً بأجهزة مختلفة، بعض البغايا أردن إيجاد وظيفة أخرى، امرأة أرادت رسم لوحة، أحدهم كان يحاول التخلُّصَ من الخوف، كان الجميع يحاول أن يصبح خالداً تقريباً أو كانوا يعيشون كما لو كانوا كذلك.
تؤكد الموظفة أنَّ جزءاً صغيراً للغايةِ فقط من الجهود الضائعة تمكَّن من الوصول الى المتحف. أولاً، بسبب أن الإدارة العامة تفتقر إلى المال، وعملياً لا يمكن إجراء مشتريات أو تبادل عمل المتحف في الداخل أو في الخارج أو إشاعته، وثانياً لأن الكمية المبالغ فيها من الجهود المُحالة التي كان يقومون بها باستمرار كانت تتطلب أن يعمل عدد كبير من الناس من غير أن ينتظر مقابلاً مادياً أو تفهماً للرأي العام. في بعض الأحيان، ويأساً من المساعدة الحكومية، كان يتم اللجوء الى المبادرة الخاصة، لكن النتائج كانت قليلة ومُثبِّطة للعزم. تؤكد فيرجينيا – هذا هو أسم موظفة المتحف اللطيفة التي تتحدَّث معي عادة – بأن المصادر الخاصة التي تم اللجوء اليها أظهرت على الدوام بأنها متطلِّبة وغير متفهَّمة قليلاً، وهي تزيف معنى المتحف.
تقوم بناية المتحف الواقعة في إحدى ضواحي المدينة، على ساحة أرض مهجورة تملؤها القطط والقُمامة، حيث يمكن الى حدِّ هذا اليوم العثور، أسفل سطح الأرض بقليل، على قذائف مدفع يعود لحربٍ قديمة، ومقابض سيوف صدئة، وفكوك حمير تآكلت عبر الزمن.
– هل لديك سيجارة؟ -تسألني فرجينيا بإشارةٍ لا يمكنها أن تخفيَ بها جزعها.
أبحث في جيبيَّ. أعثرُ على مفتاح قديم، مثلومٌ، وطرف مفكِّ المسامير اللولبية مكسور وبطاقة إياب للحافلة، وأحد أزرار قميصي وبضع نكلات، وأخيراً عثرت على سيجارتين مضغوطتين.
تدخن بشكلٍ متوارٍ مختبئة بين المجلدات الضخمة ذات الكعوب المثلومة.
لوح تسجيل الوقت الالكتروني المقابل للجدار يشير دوماً إلى وقتٍ مزيف، وقتٍ مضى عموماً، وقِطَع الأثاث القديمة يملؤها الغبار.
يُعتقد بأنَّ هناك، حيث المكان الذي يقوم عليه المتحف، حصناً قوياً في السابق، يعود إلى أزمنة الحرب. وقد استغلت الحجارة السميكة التي ُشيد بها الأساس، وبعض الدعائم خشبية كانت تسند الجدار. افتتح المتحف عام 1946 وقد احتُفِظَ ببعض صور حفل الافتتاح، صور يظهر فيها رجال يرتدون بدلات الفراك الرسمية السود الفخمة والسيدات بالتنوراتٍ الطويلة الغامقة، المزينة بالتطريزات ويضعن قبعات بطيورٍ وزهور، ومن بعيد يمكن تخمين وجود جوقٍ موسيقي يعزف ألحان الصالون، كان للمدعوين مظهر بين الرسمي والمثير للسخرية وهم يُقَطِّعون الحلوى المُزَيَّنة بشريطٍ رسمي.
نسيتُ أنْ أذكر أنَّ فرجينيا حولاء على نحوٍ خفيف. منح هذا العيب وجهها لمسة كوميدية تُقلِّلُ من عبقريتها، وكأن انحراف اتجاه نظرها يُعد تعليقاً مليئاً بالفكاهة يعوم منفصلاً عن السياق.
تُجمع الجهود الضائعة بحسب الأحرف، وعندما تنتهي الأحرف تضاف الأرقام. قائمة الحساب طويلة ومعقدة، وكل واحدة منها لها خزانة ذات رفوف مربعة ولها عنوانها ووصفها.
بدت فرجينيا قدِّيسة وهي تمشي برشاقةٍ استثنائية بين الكتب، عذراء معبدٍ قديم انهار بفعل الزمن.
بعض الجهود الضائعة جميل وبعضها الآخر كئيب، لم نتفق في الغالب على هذا التصنيف.
وإذ أتصفح أحد المجلَّدات، وجدت قصة رجلٍ حاول خلال عشرة أعوام التكلم إلى كلبه، وآخر صار يعشق امرأة مدة تزيد على عشرين عاماً. كان يحمل إليها الزهور والنباتات وقوائم بأنواع الفراشات، وكان يعرض عليها القيام بالرحلات، ثم نظم لها القصائد وأبدع الأناشيد وأشاد بيتاً وغفر لها كل خطيئة واحتمل كل عشاقها. ثم انتحر.
قلت لفرجينيا: كانت مغامرة شاقةً لكنها من الممكن أن تكون محفزة.
أجابت: إنَّه تاريخ غامض
-يملك المتحف وصفاً كاملاً عن هذه المرأة، كانت كائناً عابثاً، متقلبة غير مستقرة، وكسولة وحانقة. لم يصل ادراكها الى المستوى المطلوب، فضلاً عن ذلك كانت مُحِبَّة لنفسها.
ثمة رجال قاموا برحلاتٍ طويلة وهم يتعقُّبون أمكنة لم تكن موجودة. وثمة ذكريات لا يمكن استعادتها، نساء كُنَّ قد متْنَ وأصدقاء اختفوا. وأطفال التحقوا بوظائف مستحيلة، إلا إنها مليئة بالحماسة مثل أولئك الذين حفروا بئراً كان مغطى بالماء دوماً.
في المتحف التدخين ممنوع والغناء كذلك. ويبدو أنَّ الأخير هذا ألقى بتأثيره على فرجينيا وعلى الموظَّفة الأولى.
“-بين الحين والآخر كان يعجبني أن أدندن بأغنية”، تعترف بشوق.
أناس اقتصرت جهودها المحالة على محاولة إعادة بناء شجرة العائلة، والتنقيب في المنجم بحثاً عن الذهب، وتأليف كتاب، وآخرون كانوا يتطلِّعُون إلى الفوز باليانصيب.
– أُفضِّلُ قسم المسافرين – : تقول لي فرجينيا.
هناك أقسام كاملة في المتحف مخصصة لهذه الرحلات، نعيد هيكلتها في صفحات الكتب، وبعد انتهاء زمنٍ من التجوال في البحار المختلفة واجتياز الغابات الظليلة والتعرف إلى مدنٍ وأسواقٍ وعبور جسور، والنوم في القطارات أو على مسطبات رصيف المحطة، ينسون ما الذي كان عليه شكل الإحساس، وعلى الرغم من ذلك يتابعون سفرهم. يختفون في يومٍ ما من دون أن يتركوا أثراً أو ذكرى، يكونون مفقودين في أحد الفيضانات، أو عالقين تحت الأرض، أو نائمين إلى الأبد على عتبة أحدى البوابات، ولا أحد يطالب بحقهم.
في السابق ،تخبرني فرجينيا، كان يوجد بعض الباحثين الخاصين الهواة، كانوا يزوِّدون المتحف بالمواد. حتى إني أستطيع أن أتذكَّر أنه في فترة ما راجت فيها هواية جمع الجهود الضائعة، مثل هواية جمع الطوابع البريدية، أو هواية مراقبة الحركات الخاصة بالنمل.
– أعتقد أن كثرة القطع المتوفرة أفشلت الهواية – توضِّح فيرجينيا .
ما يشجع هو البحث عمّا هو نادر والعثور عما هو غريب فحسب . كانت المواد تصل إلى المتحف في ذلك الوقت من أمكنةٍ مختلفة، كانوا يطلبون المعلومات وكانوا يعيرون اهتمامهم لحالة معينة، وكانوا يخرجون بمنشوراتٍ صغيرةٍ ويعودون بعدها وهم مُحَمَّلون بقصصٍ يُعاد طبعها في المطابع مرفقة بالصور المناسبة. “جهود ضائعة” كانوا يحملونها إلى المتحف مثل فراشات أو حشراتٍ غريبة. قصة ذلك الرجل، مثلاً، الذي بقي خمسة أعوام مُصِرَّاً على تجنب الذهاب إلى الحرب حتى قَطعتْ رأسه أول قاذفة مدفع هاون. أو لويس كارول الذي أمضى حياته في الهروب من تيارات الهواء الباردة ليفارق الحياة وهو مصاب بالزكام بعد أنْ نسِيَ مِعْطَفه المَطَريَّ.
لا أعلم ما إذا ذكرتُ أن فرجينيا حولاء على نحو خفيف. كنت أحياناً أتسلَّى بملاحقة اتجاه تلك النظرة التي لا أعرف إلى أين تذهب.عندما أنظر إاليها وهي تجتاز القاعة محمّلة بالأوراق والمجلَّدات وجميع أنواع الوثائق، لا يمكنني إلا النهوض من الكرسي والذهاب لمساعدتها.
في بعض الأحيان وفي لُجَّة العمل تبدي قليلاً من الشكوى، قائلة: تعبت من المجيء والذهاب، أو تقول: لن ننتهي البتة من تصنيف جميع الجهود. فالصحف تمتلىء بالجهود التي من المحال تحقيقها، مثل قصة ذلك الملاكم الذي حاول خمس مرات
أن يستعيد اللقب إلى أنْ حرموه من المشاركة في المباراة بسبب ضربةٍ عنيفةٍ في عينه.
من المؤكد إنه يتسوَّل الآن من مقهى إلى آخر في أحد الأحياء القذرة وهو يتذكر العصر الذي كان فيه وهو بحالٍ جيدة و قبضتاه كانتا قاتلتين. أو قصة بهلوان العقلة المصاب بمسٍ من الجنون، الذي لا يستطيع أنْ يمدَّ نظره إلى الأسفل. أو قصة القَزَم الذي أراد أن يكبر وأخذ يسافر إلى كل بلاد العالم بحثاً عن طبيب يعالجه.
عندما تتعب من نقل المجلدات، تجلس على كومٍ من الصحف القديمة الممتلئة بالغبار، تُدَخِّن سيجارة- خفية، فالتدخين ممنوع – ، و تُفكِّر بصوتٍ عالٍ:
– إنَّه لمن الضروري أخذ موظفٍ آخر- قالت ذلك باستسلام.
-أوه!
– لا أعلم متى سيدفعون لي الراتب هذا الشهر؟
دعوتها لنتمشى في المدينة كي نتناول القهوة أو الذهاب إلى السينما، لكنها لم ترغب بذلك. تسمح فقط بتبادل الحديث معها بين الجدران الرمادية المغبرَّة للمتحف.
– اذا مضى الوقت فأنا لا أشعر به، إذ أنا مستمتعٌ كما أنا في كل مساء. إلاَّ في أيام الاثنين، فإنها أيام تعب وانقطاع، أعرف ما الذي أفعله فيها وكيف أعيش.
يغلق المتحف أبوابه عند الثامنة مساءً. فرجينيا نفسها هي من يضع المفتاح المعدني البسيط في القفل من دون احتياطات أخرى. إذ لا أحد سيحاول اقتحام المتحف، سوى مرة واحدة، فعلها رجل، – تخبرني فرجينيا- بقصد أن يمحو اسمه من إحدى قوائم المتحف، فقد أنجز هذا الرجل في سنوات المراهقة جهداً محالاً، والآن يشعر باستحياءٍ منه ولا يريد أن تبقى آثار لذلك الجهد.
اكتشفناه في الوقت المناسب -تحكي فرجينيا- كان من الصعب للغاية إقناعه، فقد كان يُصِرُّ على خصوصية جهده، وكان يرغب في أنْ نعيده إليه. بدوتُ في هذه المناسبة ثابتةٌ وحازمة بشدَّة، فقد كانت قطعة نادرة، تكاد تكون من مجموعة. وكان سيعاني المتحف خسارة كبيرة لو تمكن ذلك الرجل من تحقيق مراده.
عندما يغلق المتحف أبوابه، أترك المكان بحزن. ففي بداية الأمر بدا لي لا يطاق الوقت الذي كان يجب أن يمضي حتى اليوم التالي، لكنني تعلمتُ أن انتظر. واعتدت أيضاً على وجود فرجينيا، وبدونها بدا لي وجود المتحف مستحيلاً. أعلم أن السيدَ المدير يعتقد ذلك أيضاً، ( ذلك الذي يظهر في الصورة بشريط بلونين على صدره). لذا قرَّر ترقيتها. وبما إنه لا يوجد درجة وظيفية يخصصها القانون أو العرف لهذا العمل، فإنه ابتدع منصباً جديداً وهو في الحقيقة المنصب نفسه لكنه الآن باسمٍ آخر. فقد عينها، “خادمة معبد فيستا*” وليس من غير تذكيرها بالصفة المقدسة لمهمتها، وهي العناية بمدخل المتحف، ذاكرة الأحياء السريعة.

**خادمة معبد فيستا: هو أسم منصب يُطلق على جميع العذارى اللاتي كن يخدمن الآلهة الرومانية.

كرستينا بيري روسي

كرستينا بيري روسي واحدة من الأسماء المتميزة في عالم الأدب والكتابة في أميركا اللاتينية. هي شاعرة وقاصّة ومترجمة وباحثة من الأوروغواي. تميزّت أعمالها بالتمرّد والتجديد وبلغتها الشعريّة والمتقشّفة في آن معاً. تُرجمت إلى ما يزيد عن خمس عشرة لغة وحازت أهمّ الجوائز في الأوروغواي وخارجها، لكنّ كُتبها حُظرت خلال الحكم الدّيكتاتوري الذي امتد من 1973 و لغاية 1985..
ولدت روسّي في الأورغواي عام 1941، درست الأدب في جامعة مونتيفيديو، لتصبح بعد مدةٍ صحافية وأستاذة جامعية. كانت مطاردة سياسياً بسبب أفكارها المؤيدة للشيوعية، لجأت إلى الولايات المتحدة وأقامت فيها منذ عام 1972. تظهر أعمال كرستينا بيري روسي، من قصص وروايات وقصائد ومقالات ونقود أدبية، التي نشر الجزء الأعظم منها في برشلونة، موقفاً غير ملتزم إزاء القوانين والأعراف العامة. فهي ترفض أي توجه يحرم الفرد من التعبير عن الرأي الحر والحرية المطلقة، ونصوص مثل (أدلة مرعبة 1970). وجزء قصة وجزء قصيدة وجزء مقال ونص (متحف الجهود الضائعة 1983)، هو مزيج من القصة والأخبار الصحافية ونصوصٍ أخر استهانت فيها بالاصطلاحات الأدبية المقيِّدة والنظام الباطرياركي. ثمة ملامح متشابهة تميزت بها روايات روسي من مثل كتاب )أبناء عمومتي 1968) و(سفينة المجانين 1948)، في هذه الأعمال وظَّفت الكاتبة سلسلة كاملة من مصادر غير معتادة لتبدع أدباً غير خاضع للمقاييس التقليدية، فهي تُؤثر تغيير الملامح الأسلوبية في الكتابة من خلال مزج الشعر بالنثر وتغير أصوات الرواة في أعمالها وتضمين نصوصها أخباراً صحافية إضافة إلى اعتيادها على وضع الملاحظات أسفل الصفحة فهي بهذه المخالفات تحاول التعبير عن دفاعها عن تلك العناصر في المجتمع، تلك العناصر المهمَّشة التي تعيش خارج القواعد المألوفة – الشواذ، البغايا، أطفال الشوارع، ضحايا الاضطهاد السياسي والنساء اللاتي يجهضن أنفسهن بسبب العوز. ثمة أعمال أُخر لبيري روسي من بينها) قصائد ايفوهي 1977) و(وصف لغرق سفينة 1975 (و(سكون المراكب 1977) و(قصائد الحب واللاحب 1998) و(عرائس الشعر القلقات 1999 ( ومن بين أعمالها القصصية المهمة تبرز مجموعة (النكبات الباطنية 1997 (ورواية (الحب العلاج1999).

سمح خروج بيري روسي من الاوروغواي بإنقاذها من الاضطهاد السياسي والتحرر من سلطة أبيها وهو أحد الإيطاليين المهاجرين التقليديين الذي أراد أن يجعل منها ربة بيت.
كان شعورها بالامتعاض من الضغط الأبوي ورفضها للنظام الدكتاتوري المتمثل بالعساكر الذين حكموا الاورغواي من 1973-1984، فضلاً على قراءتها أعمال الناشطين الأوروبيين، كان لكل ذلك أثر في أن تنضم بيري روسي إلى حركة تحرر المرأة ومع مرور الزمن تحول الإحساس بالتضامن مع النساء إلى حالة دفاع عن جميع ضحايا التمييز الاجتماعي.
إنَّ البناء الأسلوبي لـ(سفينة المجانين) وهي واحدة من أكثر رواياتها غموضاً، استوعب العالم وكأنه قماشة تعايشت عليها جميع القطع والنفائس المختلفة بانسجامٍ متقن متفقة مع النموذج الإلهي المقدس ومختلفة مع المساوئ الاجتماعية التي تتعارض مع إرادة الله.
تتناول روسي في أعمالها عادةً الموضوعات ذات الطبيعة السياسية وقضايا الظلم الاجتماعي والحب والفن بشكلٍ عام. ويُعد (متحف الجهود الضائعة) نصاً يكمل مجموعة قصصية تحمل الاسم ذاته تنتقد وترفض فيه الإنسان الذي يتخلَّى عن التمسك بعواطفه.

انتقلت إلى إسبانيا مطلع السبعينيات وما تزال تعيش في برشلونة. من أهمّ أعمالها: “شتات” (1976، شعر)، و”مساء الديناصور” (1980، قصص قصيرة)، و”خوليو كورتاثار” (2000، سيرة)، و”حالة منفى” (2003، شعر).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق