ثقافة السرد

اقتباسات أدبية

ترجمة: سعيد حران*

الكاتب: ميتش ألبوم*

تخيّل أنك تعيشُ حياةً لا وجودَ لحساباتِ الزمنِ فيها. قد لا تستطيعُ ذلك، لأنك تعرفُ السنةَ التي أنت فيها، وتعرفُ الشهورَ وأيامَ الأسبوع. فعلى الجدارِ أمامك ساعة، وفي لوحةِ القيادةِ في السيارةِ ساعة، وهناك تقاويمُ وجداولُ للمواعيد، وأوقاتٌ محددةٌ لتناولِ الطعامِ والشرابِ ومشاهدةِ التلفاز. في الواقعِ لا يوجدُ من بين المخلوقاتِ من يهتمُّ لتفاصيلِ الزمنِ غير الإنسان. ومع ذلك فإننا نجدُ الطائرَ لا يتأخرُ عن رزقِه، والكلبَ لا يعرفُ وقتًا محددًا للحراسة، والغزالَ لا يأبهُ لميلادٍ يحتفلُ به كلَّ عام.

إنّ الإنسانَ هو وحده من يهتمُّ لأمرِ الساعاتِ والأيامِ والسنين، وهو وحده من تكبلُهُ المخاوفُ من انتهائِها وانقضائِها.
****

الكاتب: Carl Sagan*

كم هو مدهشٌ ذلك الكائنُ الورقيُّ الجميلُ حين تمسكه بين يديك، فتتمايلُ صفحاته الرقيقةُ ليّنةً مطواعة، بما تحمله من عذبِ الكلماتِ التي تسافرُ بك إلى مخيّلةِ إنسانٍ ربما يكونُ قد مات منذ آلافِ السنين. هناك شخصٌ ما يتحدثُ إليك وحدك وأنت تقرأ، يتحدثُ إليك من وراءِ الزمنِ بكلِّ وضوح، وبكلِّ صمت. إنّ الكتابةَ برأيي أعظمُ مخترعاتِ البشر، لأنها تجمعُ بين أشخاصٍ ينتمون إلى أماكنَ مختلفةٍ وأزمان متباعدة، لم يلتقوا في غالبِ الأمرِ قبلها. فالكتابُ يحطّمُ أغلالَ الزمنِ وقيودَه، ويثبتُ أنّ للإنسانِ إبداعًا يفوقُ في قوّتهِ السحرَ والخيال.

***

الكاتب: Chris Cade*

في سالف الزمان عاش كلب صغير مع والده في إحدى القرى. كان هذا الكلب ذكيًّا خفيف الحركة، شديد الفخر والإعجاب بأبيه، يحاول على الدوام أن يكون مثله. ومع ذلك لم تكن طموحاته لتتوقف عند هذا الحد، فقد أراد الجرو الصغير أن يكون له أثره الخاص في الدنيا وبصمته المتميزة فيها.

كان ينظر إلى السماء في كل يوم، يراقب النسر وهو يحلق عاليًا بجناحيه القويتين ويطير بهما حيث يشاء، وينقض على فرائسه بسرعته العجيبة. فكان يرى فيه أصدق تعبير عن الحرية التي كان ينشدها.

ظل الجرو على هذه الحال، يراقب النسر في كل يوم ويعجب به. ومن فرط هذا الإعجاب قرر أخيرًا أن يتحول إلى نسر، فقد كان يمتلك حسب ظنه من مقومات الشجاعة والسرعة والقوة ما يؤهله لأن يكون نسرًا حقيقيًّا. ولكي يتمكن من تحقيق ذلك فقد عكف بكل جد واجتهاد على القيام بتدريبات يومية، أراد من خلالها أن تنمو لديه أجنحة يطير بها. وأراد أيضًا أن يكون له من حدة البصر وطول الأناة ما يكفي للانقضاض على فريسته في الوقت والمكان المناسبيْن. وكان يريد كذلك أن يجعل أسنانه ومخالبه أكثر قوة وحدة، وأن يعيش منفردًا على القمم الشمّاء حتى يحس بطعم الحرية والاستقلال.

بعد أشهر من التدريب المضني بدأ الإحباط يتسلل إلى نفسه. فبرغم ما تحقق له من استقلالية وصبر، لم ينجح بحال من الأحوال في تحقيق أي هدف آخر. فالأجنحة لم تظهر، والبصر بقي كما هو، والأسنان والمخالب على حالها.

في النهاية عاد إلى والده يجر أذيال الخيبة والفشل، وراح يبكي ويبكي. لقد كان يجهل حقيقة هامة في الواقع، وهي أنّ أباه من أكثر الكلاب حكمة وأقواها فهمًا وعقلًا. ظل الأب صامتًا ولم يقل شيئًا، وتركه يبكي حتى توقفت دموعه، ثم قال:

أي بني، أعرف أنك تحلم بأن تكون نسرًا وأنّ حلمك لم يتحقق. إنّ النسور مخلوقات رائعة وجميلة، لديها من الصفات والمزايا ما يجعلنا نعجب بها. لقد نجحتَ في أن تكون مثلها في قوة الصبر والاستقلال، لكنك أصبحت تدرك في الوقت ذاته أنك لن تكون واحدًا منها مهما حاولت، فأنت لست نسرًا، بل كلب. لقد أمضيت شهورًا وأنت تحاول أن تجعل من نفسك مخلوقًا آخر يختلف عنك تمامًا، وقد جلب عليك هذا العمل شعورًا قويًّا بالإحباط والألم، وأغمضَ عينيك عن ذاتك فلم تعد تراها. وجعلك تنسى الصفات الجميلة التي أنعم الله بها عليك.

لقد أصبحت على أفضل ما يمكن أن تكون عليه الكلاب. أنت لا تعلم يا ولدي كم أنا فخور بك وأنت تبذل ما في وسعك كي تحقق أحلامك. إنّ لديك من القدرات ما يجعل الحيوانات تنظر إليك بعين الإعجاب والتقدير، ويغري كثيرًا منها بتقليدك والاقتداء بك. تذكّر أنك جئت إلى هذا العالم وبداخلك مواهب تتفرد بها عن غيرك، تجعلك قادرًا على تحقيق ما تصبو إليه نفسك. فكما أنّ الطائر لا يستطيع أن يتحول إلى كلب، فإنّ الكلب كذلك لا يمكن أن يصير طائرًا. انظر إلى أعماق نفسك بعين ثاقبة متفحصة واكتشف ما فيها، ولا تنظر لغيرك أبدًا.

بعد أن سمع الصغير هذه الكلمات رفع رأسه، وبدأ يلمع فيه عينيه أمل جديد، ثم خرج ومضى نحو الحقول. لم ينظر أبدًا بعد ذلك إلى النسر المحلق في السماء، فقد أحس بذلك الحلم الذي استوطن مخيلته طويلًا يتوارى ويرحل عنه الآن إلى غير رجعة. لكنه ظل مع ذلك يحمل شعورًا بالرضا والامتنان لذلك الطائر المذهل، الذي قاده بما يمتلك من عظيم الصفات إلى رحلة البحث الحقيقية عن النفس والذات.

 

* ميتش ألبوم روائي أمريكي من أهم مؤلفاته:ولو ليوم واحد آخر
* كارل ساغان فلكي أمريكي
*Chris Cade كاتب مسرحي وممثل

 

*مترجم أردني مقيم في قطر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق