قراءات ودراسات

شيخ الفيُّوم الذي علَّم شيوخَ الأزهَرِ

أحمد محجوب الرفاعي (1834ــ 1907)

د.أيمن عبد العظيم رُحَيِّم

تمهيد:

ليس عنوان( شيخ الفيوم الذي علم شيوخ الأزهر) عنوانًا دعائيًا يدفعك لأن تستزيد بقراءة المقال، وليس المقال صحافيًا يسعى إلى تسليط الأضواء على أحدهم هنا أو هناك، ولكنه عنوان صادقة يبين حقيقة، ومقال يستجلي الحقائق، فهذا الشيخ أحمد محجوب الرفاعي الفيومي، ولد بالفعل في محافظة الفيوم، وعلم حقًا كل شيوخ الأزهر وعلمائه في القاهرة، وأشهر الشيوخ في العالمين العربي والإسلامي.

هو شيخ الفيوم بلاشك، وشيخ الأزهر بلا منازع، أتقن كل فن من فنون العربية، ولمع اسمه في كل علم من علومها، كان نابغة عصره في علوم الثقافة العربية الإسلامية، فلا يخلو كتاب من كتب التراجم من ترجمة له موجزة أو مفصلة، وهو رائد مقدم عند أهل كل علم، وأستاذ في كل صنعة، ظاهرة فريدة مرَّ عليها الكتاب مرور الكرام،وما كان ينبغي لهم أن يمروا عليها مرور الكرام، بل كان ينبغي لهم أن يتوقفوا طويلا عند دراسة هذا الرجل.

جعلتُ من تراثِ الفيوم مشروعي العلمي الخاص، تأليفًا وتحقيقًا ودراسة وترجمة، وجعلت لذلك خطة منظمة لنشر هذه الأعمال، فلم تضطرب خطتي في نشرها إلا بأن صادفني ذكر هذا العالم الشيخ أحمد محجوب الرفاعي الفيومي الذي جعله الفقهاء إمامهم، وجعله النحاة أستاذهم، وجعلهم المحدثون سندهم، وجعله القراء شيخهم.

نشأته:
ولد الشيخ أحمد بن محجوب الفيومي في مديرية الفيوم، في قرية الصوافنة، سنة 1834م ــ 1250 هجرية ثم سافر إلى القاهرة مع عمته وهو وصغير القاهرة، فسكن مجاورًا للجامع الأزهر الشريف، قرأ القرآن الكريم بجامع المؤيد، ثم التحق بالأزهر طالبًا بين طلابه()، ولكن الأيام أثبتت أنه لم يكن مجرد طالب بين طلابه.
أساتذته:

تتلمذ الشيخ طالبًا في الأزهر الشريف محتفيًا بأساتذته الأعلام، مرتبطًا به أشد الارتباط، حتى قيل أنه كان يجلس بين يدي شيخه الجليل العالم مصطفى المبلط المتوفى سنة 1867م ، وتلقى منه علوم الحديث الشريف، وكان يجلس أمامه محسنًا الاستماع، حتى حفظ صحيح البخاري كاملا، وكان الشيخ المبلط رحمه الله يكثر من شرحه وقراءته().

وإذا كان شيخنا أحمد بن محجوب قد أخذ علوم الحديث الشريف عن المبلط فإنه نهل غيرها كثيرًا من العلوم عن أساتذته الأجلاء الآخرين الذين أخذ عنهم ، كالشيخ محمَّد عليش والشيخ محمَّد الغلماوي والشيخ إبراهيم السقا ، والشيخ أحمد الإسماعيلي والشيخ أحمد منة الله المالكي والشيخ محمَّد الأشموني والشيخ الدمنهوري والشيخ منصور كساب العدوي والشيخ أحمد كابوه العدوي.()

الشيخ أحمد بن محجوب أستاذًا في الأزهر الشريف
وإزاء نبوغه وتفوقه في علوم الإسلام واللغة العربية، قررت إدارة الأزهر تعيينه أستاذًا في الأزهر الشريف، ظنًا من الإدارة وقتئذٍ أنه سيقوم بالتدريس في علم واحد من العلوم، ففاجأهم ببراعة فريدة في التدريس،كشف بها شيخنا عن علم غزيز لايُوصف، ونشاط دائب.
أــ علوم الحديث الشريف:

وكان طلاب كل علم يرونه أستاذهم الأول في هذا العلم الذي يطلبونه، فهؤلاء ــ على سبيل المثال ـ طلاب علوم الحديث، يؤكدون شهرته في قراءة كتب الأحاديث وشرحها، وعن ذلك بالتحديد يذكر الدكتور الدكتور أسامة الأزهري: في كتابه أسانيد المصريين: ( وكان رحمه الله تعالى قائمًا بإقراء الحديث الشريف()، معنيًا بذلك، مشهورًا به، فقال عنه تلميذه: محمد البشير ظافر الأزهري:كان مواظبا على قراءة كتب الحديث كالموطأ والصحيحين والكتب الستة()
ب ــ علوم النحو والصرف:

أما في علوم اللغة العربية، والنحو والصرف منها بخاصة، فقد لمع نجم شيخنا، حتى ذكر اسمه في كتب علماء النحو والصرف في العصر الحديث على رأس كل قائمة تضم علماء النحو والصرف في الأزهر الشريف، وكثر ذكره في كتب التراجم بوصفه (فقيهًا نحويًا من المالكية)().

ترجم له الدكتور إميل يعقوب في كتابه موسوعة اللغة العربية، ثم كتابه، المعجم المفصل في أقوال اللغويين العرب، ذاكرًا أهم مؤلفاته في علم النحو علم الصرف().

وكذلك عبد الحميد محمد الأنصاري في كتابه الطرة:عن توشيح لامية الأفعال لابن مالك، إذ يذكر أن من بين كتب الحواشي في الصرف النحو كتاب حاشية أحمد الرفاعي على كتاب بحرق الحضرمي الصغير، يقول عنه: فقيه مالكي من النحاة.()

ج ــ علوم الفقه:

أما في علم الفقه، والفقه المالكي بخاصة، فيضعه الشيخ محمد محمد مخلوف في كتابه ضمن الطبقة الثالثة من فقهاء المالكية قائلا عن: هو أبو العباس أحمد بن محجوب الفيومي الرفاعي، وبه اشتهر، وهو العالم العلامة الفقيه المحقق الفهامة، كان مواظبًا على قراءة الحديث دؤوبًا على التدريس لايعرف الكسل ولا الملل) () ولذلك وردت ترجمته في كثير من كتب تراجم علماء الفقه الإسلامي()
د ــ علوم القراءات:

وبرع الشيخ أحمد محجوب الرفاعي كذلك في علوم القراءات، فققال عنه صاحب كتاب الأعلام الشرقية:”أحمد بن محجوب الرفاعي:أتقن التجويد، وعين شيخًا على المقارئ المصرية، وكان مولعا بختم القرآن الكريم، وكان عالما بارعا، إماما محققا، تقيا صالحا، مواظبا على الصلاة مع الجماعة،دؤوبًا على التدريس ونصح الخلق لايعرف الكسل ولا الملل() ولإتقانه فن التجويد والقراءات لقب بشيخ المقرئين()و بقي ذكره طويلا بعد موته بوصفه شيخا على المقارئ المصرية، حتى إن معركة فكرية وقعت بين القراء حول جواز الجمع بين القراءات، دعا فيها أحد القراء شيخ المقارئ حينئذٍ إلى التأسي والاقتداء بالشيخ أحمد الرفاعي شيخ المقارئ الأسبق الذي لم يمنعه كثرة اشتغاله بالتدريس والإدارة عن الاستزادة في العلم، حيث إنه لما عين شيخا على المقارئ المصرية وجد بعض التلاميذ يحسن القراءات ويحفظ الشاطبية، فحفظ الشاطبية في سن كبير()

هـ ــ علوم التصوف:

وفي التصوف أيضًا كان شيخنا علمًا من أعلام التصوف الإسلامي في العصر الحديث، وكان يلقب باسم سيدي أحمد محجوب الرفاعي، ونقلت عنه كثير من العبارات المأثورة في كتب شيوخ التصوف()

تلامذة الشيخ أحمد بن محجوب

إذا كان من الممكن أن نقدم عرضًا موجزًا لنشأة الشيخ أحمد محجوب وتعليمه وأساتذته وجهوده التدريسية ونبوغه العلمي فإنه من الصعب جدًا أن نقدم عرضًا موجزًا لتلاميذه، فالرجل عمل أستاذًا في الأزهر لمدة طويلة، ونبغ في علوم كثيرة، لذلك فإن تلاميذه أكثر من أن يذكرهم مقال أو تحصيهم دراسة مستقلة، وبخاصة أن تلاميذ الأزهر يفدون من كل حدب وصوب.
لكنَّ إشاراتٍ موجزة ًنذكرها الآن في هذا المقال توضح شيئا مهمًا عن تلامذة الشيخ أحمد محجوب الرفاعي، فأحد تلامذته وهو الشيخ محمد ظافر يقول: ( وكيفما قلبت طرفك في علماء الأزهر، لا تجد إلا من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته، ويمكنك أن تستثني الشربيني والبشري، ثم تقول إن كل الأزهريين عيال عليه في العلم()

وإذا كان الأستاذ الجليل يقوم به تلميذ نجيب فإن نظرة سريعة في أسماء تلاميذ شيخنا تبين لنا أنَّ “من بين تلامذته الشيخ محمَّد عبده شيخ الأزهر، والشيخ محمَّد بخيت مفتي الديار المصرية، والشيخ محمَّد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر في الفترة من 1907 ــ 1928، والشيخ محمَّد حسنين العدوي وكيل مشيخة الأزهر، والشيخ محمَّد النجدي الشرقاوي شيخ الشافعية، والشيخ محمَّد البشير، والشيخ محمد ظافر وغيرهم()

وكذلك من تلامذته النابغين الشيخ يوسف الدجوي العلامة المفسر كان يروي الأحاديث والتفسير عن أستاذه الشيخ أبي العباس أحمد بن محجوب الفيومي() ومن تلامذته الشيخ الجليل أحمد أبو خطوة()

ومن تلاميذه الذين رووا عنه الحديث طه بن يوسف الشعبيني المصري يروي عن الشهاب أحمدبن محجوب الرفاعي عن مصطفى المبلط() وكذلك “من تلامذته الشيخ أحمد نصر العدوي المالكي الذي كان يروي عن الشهاب أحمد بن محجوب الرفاعي صحيح مسلم سماعًا من لفظه حتى آخر كتاب النكاح وكذلك سمعت عليه كثيرًا من سنن أبي داوود() وكذلك روى عنه الأحاديث كل من عبد الرحيم الأسيوطي الأسيوطي الجرجاوي، ويوسف بن محمد شلبي الشبرانجومي() وكذلك من تلاميذه الشيخ أحمد مصطفى المراغي صاحب تفسير القرآن الكريم()

أما تلاميذه في خارج القطر المصري فهم أكثر أيضًا من أن نحصيهم أو نذكرهم حتى في عجالة، ولكننا نكتفي هنا بما أكده بعض هؤلاء التلاميذ احتفاءً بشيخهم أحمد محجوب الرفاعي، فالعالم التونسي الكبير الشيخ محمد الكافي غادر الأزهر سنة 1899 بعد أن قرأ فيه عشر سنوات على يد علمائه الذين كان من أبرزهم الشيخ أحمد محجوب() ومن تلامذته أيضًا الشيخ أبوشعيب الدوكالي العالم المغربي الشهير الذي تعلم على يد أحمد بن محجوب الرفاعي()

أعمال الشيخ أحمد بن محجوب في الأزهر الشريف

قلنا إنه إزاء نبوغ أحمد بن محجوب طالبًا في الأزهر قررت إدارة الأزهر الشريف تعيينه مدرسًا في الأزهر، ظنًا من الإدارة وقتئذٍ أنه سيقوم بالتدريس في علم واحد من العلوم فحسب، ففاجأهم ببراعة فريدة في التدريس،كشف بها شيخنا عن علم غزيز لايُوصف، ونشاط دائب لايُوقف.

فلم يكن شيخنا مجرد شيخ بين شيوخ الأزهر، فمنذ اللحظة الأولى لعمله في الأزهر جذب الانتباه إلى جده ونشاطه، حتى وصفه إبراهيم رمزي في إشارة سريعة قائلا:” إن الشيخ أحمد بن محجوب الفيومي من قرية معصرة عرفة بالفيوم من كبار مدرسي الأزهر الشريف”() أما عن اجتهاده في العمل، وإخلاصه للأزهر الشريف، فيعرض ذلك أحمد باشا تيمور في شيء من التفصيل قائلًا:” وكان من عادته ألا يقطع الإقراء طوال السنة،ولايسامح في أوقات المسامحات، ولايقعده عن الاشتغال عن التدريس إلا المرض، فقرأ الكتب المتداولة مرارا، وومهر فيها بسبب كثرة اشتغاله، حتى صار المستعصي منها عنده بمنزلة السهل عند غيره، وأتقن فن التجويد، فجل شيخا على المقارئ مدة طويلة()
وإذا كانت كتب التراجم قد اختلفت في تحديد مدة عمله في الأزهر بين ثلاثين عامًا كاملة( ) أو ثلاثة وخمسين عاما كاملة( ) فإنها قد اتفقت جميعها على ذكر جده واجتهاده، وبين دأبه وإخلاصه. ولذلك لم تلبث إدارة الأزهر أن عينتعالمناشيخًا لرواق الفيمة لفترة طويلة()
وبوصفه من كبار شيوخ المذهب المالكي فقد اختارت إدارة الأزهر شيخنا أحمد بن محجوب عضوا في اللجنة العلمية التي تمتحن الطلاب وتمنحهم درجة (العالمية)نائبا عن فقهاء المالكية، وكان أشهر هذه الامتحانات التي عقدتها هذه اللجنة امتحان العالمية الذي اجتازه الشيخ أحمد أبوخطوة() وكذلك كان الشيخ أحمد الرفاعي عضوا في اللجنة العلمية التي امتحنت الشيخ محمد حسنين مخلوف ساعات طويلة في رسالته التي تقدم بها لنيل درجة العالمية() كما كان عضوًا في لجنة الأزهر للتحقيق في المخالفات التي تقع من بعض المشايخ القراء() وإزاء هذه الأعمال الإدارية الجليلة لم يلبث شيخنا أحمد محجوب الرفاعي أن عين عضوًا في مجلس إدارة الأزهر() كما انتخب الشيخ أحمد محجوب عضوًا في اللجنة العليا التي تختبر المتقدمين للتدريس في الأزهر الشريف بعد التأكد من صلاحيتهم العلمية للتدريس()

وعند قام الخديوي عباس حلمي الثاني بعزل شيخ الأزهر سليم البشري عن المشيخة قام الخديوي على الفور بترشيح أحمد بن محجوب الرفاعي شيخًا على الأزهر الشريف، وكاد الأمر يتم له لولا أنَّ عوارض اعترضت ذلك()

ألقابه وصفاته المشهورة

حاز شيخنا في مسيرته العلمية كثيرًا من الألقاب، وألقابه الكثيرة نقطة لابد من تناولها، بشيء من التوضيح، لما في ذلك من بيان وإجلاء لهذه الألقاب وتفسير لأسبابها، بعض هذه الألقاب يتصل بشخصه، وبعضها الآخر يرتبط بمسيرته العلمية، فشيخنا اسمه أحمد بن محجوب، وكنيته أبو العباس، ولقب بالفيومي انتسابًا إلى الفيوم الواقعة جنوب غرب القاهرة، أما لقب(الرفاعي) فهي كلمة تصييب قارئها باللبس، وتذهب بها إلى الطريقة الرفاعية في التصوف، ولكن الرجل كان قد انتقل طفلا من الفيوم إلى القاهرة، ثم أقام شخصيته العلمية أستاذا في الأزهر دون ارتباط في نشأته الأولى بالطرق الصوفية، حتى إن كان يحظى بتقديرها الشديد، ولذلك فلا أطمئن لتفسير كلمة الرفاعي انتسابًا منه إلى الطريقة الرفاعية الصوفية، وبخاصة أن أحد المؤرخين قد أكد أن ” الفقيه المالكي المصري أحمد بن محجوب الرفاعي، يلقب بالرفاعي نسبة إلى الصحابي رفاعة بن زيد بن جذامة” ()

أما ألقابه العلمية فهي متعددة تعدد مجالات نبوغه في العلم، فهو ــ كما ذكرنا ــ (العالم العلامة المحقق الفهامة) عند علماء اللغة، وهو الشيخ (الشهاب) عند علماء الحديث، و هو(الفقيه) عند علماء الفقه، وهو (شيخ المقارئ المصرية) عند رواد علم القراءات، وأحيانا يلقبه البعض بـ ( الماجد الهمام الشيخ) ()ولذلك كان جديرًا أن” تلقبه مجلة الأزهر بشيخ مشايخ الأزهر الشريف”()

الخديوي عباس حلمي الثاني والشيخ أحمد بن محجوب الرفاعي

ولكن أحمد تيمور باشا قد اهتم كثيرًا بموضوع نية الخديوي عباس حلمي الثاني تعيين الشيخ أحمد محجوب الرفاعي شيخا للأزهر الأشريف، فيذكر هذا غير مرة، في كتابه أعلام الفكر الإسلام في العصر الحديث، وكذلك في بعض مقالاته التي نشرتها مجلة الرسالة()

فلما عزلَ الشيخ سليمًا البشري عن الأزهر في 2 من ذي سنة 1320 هجرية وأراد الخديوي إرجاع الشيخ حسونة النواوي أو تنصيب الشيخ محمد بخيت، ولم يرض النظار، رشح المترجم واستدعاه، وأعلمه بانتخابه له، فعاد الشيخ إلى داره جزلا، وأشاع الأمر، وهيأ السكر لشراب المهنئين، والرمل الأصفر لفرشه بصحن الدار، وكاد الأمر يتم له، لولا أن بعض مبغضيه من المقربين للخديوي صرفه عن توليته، وذكر عنه هنات ٍ الله أعلم بها، فعدل الخديوي عن تنصيبه، إلا أنه التمس لنفسه مخرجا من وعده الذي وعده به، فأعمل بعض المقربين الحيلة، واستدعوه بحضرة الخديوي، وسألوه عن قبوله للتولية، فقال لهم: نعم، ولاني مولاي وقبلتُ، فأخذوا يذكرون صعوبة مراس أهل الأزهر، والمشاق التي يعانيها شيخ الأزهر لإخضاعهم، ولمحوا له بأنهم لا يظنون أنه يقوى عليهم، فقال: ومن أهل الأزهر؟ أنا أدوسهم بقدمي، فقالوا: إنك ستكون مع الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان العضوين في مجلس إدارة الأزهر، فهل ترضى بأن يشاركاك في الإدارة؟ وكيف يكون شأنك معهما؟ فقال: كلا، لا أرضى بأن يشاركاني، بل أشترط لقبول التولية عزلهما، وهما عندي كافران لايوثق بهما، فاستغرق الخديوي في الضحك، وقال: شرطك لايمكن تنفيذه، ونحن نريحك من رئاسة الأزهر، ونعوضك عنها بشيء نجريه عليك من الأوقاف، فأسقط في يده، ورضي مرغمًا ثم صرفوه().

من الواضح في هذه القصة أن الشيخ كان على وشك أن يعين شيخا للأزهر الشريف، ويبدو أن أحمد تيمور باشا تأثر لذلك كثيرًا، وكان راضيا بأن يعين أحمد بن محجوب شيخًا للأزهر الشريف، فعرض تلك القصة ونشرها غير مرة، بل زاد على ذلك أن قال: “إن الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد سعى عند الخديوي عباس إلى عدم تعيين الشيخ أحمد بن محجوب وأن يعين مكانه الشيخ علي الببلاوي شيخًا للأزهر الشريف)()
الأيام الأخيرة من حياته
​ اجتمعت إذن على شيخنا عوارض الدهر، وخالفته الظروف بأن حرم من مشيخة الأزهر، وهو المستحق أن ينال المشيخة كاملة، إما لعلمه، وإما لإخلاصه للأزهر، وإما لطول سنوات تدريسه، وإما لجدارته في شئون إدارة الأزهر،ولكن العوارض والمؤامرات التي واجهته كانت أكبر من أن يواجهها، فعاد إلى عمله الذي يحبه أستاذًا في الأزهر الشريف، سعيدًا بالعلم، راضيًا بالعمل، محبوبًا مقدرًا من العلماء والطلاب، مفضلا الابتعاد عن كلام الناس.
ثم وقعت منه في أواخر أيامه زلة، قيل إنه تصرف في وقف بغير وجه شرعي، ولكن الله لطف به، فلم يقع منه بسبب ذلك غير فصله من المقارئ، وكثرت غمومه وهمومه لما لاكته الألسنة في هذه المسألة، فانقطع عن التدريس لمرض أصابه، إلى أن توفي بعد ظهر يوم الاثنين 18 صفر 1325 هجرية ودفن يوم الثلاثاء، وأذنوا له على المآذن كالعادة في موت كبار العلماء، عاش خمسًا وسبعين سنة،و دفن بالقاهرة().
بعض مقولاته الماثورة
على الرغم من أنه قد مضت على وفاة شيخنا مدة تصل الآن إلى قرن وثلاثة عشر عامًا، إلا أن تراثه ما زال حيا بيننا في عباراته المأثورة، أو في مؤلفاته المشهورة.
ويذكر علماء التصوف وشيوخه من العبارات المأثورة” عن أحمد محجوب الرفاعي رحمه الله تعالى الرحمة الواسعة،أنه كان يقول: لايبلغ الفقير مقام الكمال حتى يصير يرضى أن يضاف إليه سائر النقائص التي في إخوانه، ويستر إخوانه رضا بعلم الله تبارك وتعالى، وإيثارا لهم على نفسه، وإن تأثر من حيث دين نقص المنقصين” ()
ويروي الفقهاء ورواد علم الحديث:( رحم الله الشيخ أحمد الرفاعي فإنه قال قولة عظيمة، تدل على مقام حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرصه الكامل على اتباع سنته، قال: لوبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بقص الأعناق، لقصصناها اتباعا وامتثالا لأوامره صلى الله عليه وسلم)()

تراث الشيخ أحمد بن محجوب الرفاعي

ترك الشيخ أحمد بن محجوب الرفاعي كثيرًا من المؤلفات، وما وصل إلينا منها يقع أكثره في علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وعروض والعلوم الإسلامية من حديث وفقه()، وما وصل إلينا من مؤلفاته:

1ــ حاشية على شرح بحرق على لامية الأفعال لابن مالك()
2 ــ تقرير على المطول 3 ــ تقرير على السعد
4 ــ تقرير على الأشموني 5 ــ تقرير على جمع الجوامع في أصول الفقه لتاج الدين السبكي
6ــ حاشية على منظومة الصبان في العروض 7 ــ تقرير على المقولات

وفوق هذه المؤلفات ترك لنا الشيخ من تراثه كثيرا من أعمال المراجعة والتدقيق، يأتي على قمتها، مشاركته في تدقيق ومراجعة الطبعة السلطانية للجامع الصحيح للإمام البخاري، وهي الطبعة التي أمر بها السلطان عبد الحميد الثاني، ونفذتها المطابع الأميرية المصرية سنة 1313 هجرية، فورد اسمه في مقدمة هذه الطبعة ممثلا عن علماء المالكية، بين ستة عشر عالمًا من علماء الأزهر الشريف دققوها وراجعوها وأعدوها للطباعة؛ استجابة للأمرالسلطاني،وهي أكثر الطبعات دقة ومراجعة، وعليها الاعتماد فيما تبعها من طبعات إلى يومنا هذا.
رحم الله الشيخ أحمد محجوب الرفاعي الفيومي، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعل جهوده في خدمة العلم والدين في ميزان حسناته، رحم الله أحمد بن محجوب الرفاعي العلامة الفقيه، شيخ الفيوم الذي علم كل شيوخ الأزهر.
​د.أيمن عبد العظيم رحيم

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق