ثقافة السرد

مسرواية: (زمن نجوى وهدان)

بقلم / مجدي جعفر

[ 3 ]

” يزيح الستارة التى تفصل غرفة المكتب عن الغرفة الأخرى ويدعوها لتتناول معه مشروبا “
هو ” واضعا يده على بطنه :
= أنا مدين لك بهذا العشاء الفاخر والشهى ، امتلأت بطنى عن أخرها وكأنى لم آكل من قبل !
هى :
ـ بالهناء والشفاء .
” مخرجا زجاجة خمرة من الثلاجة “
هو :
= أتتناولين معى كأسا ؟
هى :
ـ لا بأس . قليل منه يشفى .
” يصب فى كأسين ، يناولها كأسا ، ويتناول كأسا .. قائلا فى صحتك !
” تصب كأسا أخرى له ، وكأسا لها ، تقرع كأسها فى كأسه ، قائلة فى صحتك ! “
” يضحكان ، ويجلسان على أريكة وثيرة بجوار السرير “
هو : ” موزعا نظره بينها وبين السرير “
= هذا السرير ..
هى :
ـ ماذا به ؟!
هو ” وهو يدفع بجوفه ما تبقى فى الكأس “
= شهد معارك عنيفة !
هى ” ناظرة له بجانب من عينها “
ـ يبدو أن مفعول الخمر ظهر! ، أعرف أنك داهية !
هو ” مدعيا أنه مخمور ” :
= تمددت عليه برنسيسات ، وأميرات ، ” ضاحكا ” .. ، وخادمات ، ها ها.. ثيبات وأبكار ، مصريات ، عربيات ، أفريقيات ، أوروبيات ،..
هى ” ضاحكة ضحكة ممطوطة ” :
ـ يخرب بيتك يا دكتور ،كل هؤلاء قدرت عليهن!! ناولنى كأسا ليلتك ” للصبح “
هو “مصفقا بيده “:
= أيوه كده ، اشرب ، قربع ياجميل ؟!
” متماديا فى تمثيل الدور ، ومخرجا من الدولاب ، ملبوسات داخلية أنيقة وجميلة ، ومثيرة ، مختلفة أحجامها ، وأشكالها ، وألوانها ، يفردها أمامها ويمسك قميص تلو قميص ..
= هذا القميص ” ويشم رائحته ” ، لزنجية ، وهذا القميص لخليجية ، وهذا ” ويقربه من أنفه ” : مازالت رائحتها فيه ، عرقها أشتمه عطرا ، تخللت أنوثتها نسيجه وصارت من مكوناته .
وهذا القميص ! ” يحتضنه ويشرد قليلا .. “
= كانت ليلة !
= لا أعتقد أن قضى مثلها واحد من خلفاء أمية أو حتى من بنى العباس
هي ” والخمر تدور في رأسها ” :
ـ وكيف تعرفت عليهن ؟ !
هو ” مقتربا منها ، وواضعا يده علي كتفها ” :
= أقول لك ، شوفي يا ستي ، بعضهن يأتين ليدرسن الأدب العربي ، أو ليحصلن علي الماجستير والدكتوراه ، ولكل شيء ثمنه ! ، ومن يأتين أيضا طالبات للشهرة ، فمصر كما تعلمين هي جواز المرور للشهرة ، والأدب مثل الفن وغيره ، تحتكره مصر ، هل سمعت مثلا عن مطربه أو ممثله أو حتى راقصة حققت شهره إلا من خلال اعتمادها في مصر !
هي ” ضاحكة ” :
ـ وما أكثر اللواتي اعتمدن في مصر
هو “ضاحكا ” :
= والعبد لله هو الذي يعتمد الأديبات اللائى يفدن إلي مصر !
هى ” ضاحكة ” :
ـ هنا .. على هذا السرير !
هو :
= على هذا السرير ، وكل من دخلن هذه الغرفة اعتمدن ! وأصبحن نجمات يملان سماء دنيا الثقافة والأدب .
هى ” متطوحة ” : وهل مازلن يذكرنك ؟
هو ” متطوحا ” : أحيانا ! ، و” شاردا” ..
= غالبا ما يأخذهن الحنين ، ويأتين .
قد أفاجأ بواحدة منهن أحيانا ، تأتى ، بعد مرور سنوات فى محاولة منها لاستعادة الماضى والذكريات .
هى ” وهى تدفع بآخر رشفة فى قاع الكأس فى جوفها “
ـ وتعتمدها من جديد !
هو ” وهو يصب كأسا جديدة “:
= نعم .. واعتمادها هذه المرة يكون أوقع وأمتع وألذ ، فانتفت المصلحة !
هى ” وهى تتناول منه كأسا ” :
ـ ” هى دى مصر !”
هو ” ضاحكا ” :
= من ذقن حلاوتها لا ينسينها أبداُ ، ويعاودهن الحنين بين الفينة والأخرى .
هى ” تناوله كأساُ ” :
ـ صب لى كأسا ، فمازال فى عقلى نبض ، أريد أن يتوقف !
هو ” يصب لها كأسا وله كأسا ” :
[ لحظة صمت ]
” يدير جهاز التسجيل تنبعث منه موسيقى ، هادئة ، ناعمة .. “
هو ” قاطعا الصمت ” :
= لماذا لا تفضفضين ؟!
هى :
ـ فيما أفضفض ؟!
هو :
= تطلعيني على السر أو الأسرار التى تدفنينها فى أعمق أعماقك .
هى :
ـ أى سر وأي أسرار تقصد ؟
هو:
= ما خفى عنى ، وعن كل الناس .
هى :
ـ ليس عندى ما أخفيه ؟
هو :
= بحثت عنك فى قصصك ولم أجدك .
هى :
ـ كيف تجدنى ، وأنا لا أكتب سيرة ذاتية .
هو :
= الكاتب مبثوث بطريقة أو بأخرى فى أعماله ، وأستطيع بحكم دراستى ، وخبرتى ، أن أستخرج الكاتب بسهولة من أعماله .
كل من قرأت له ، حددت ملامحه العامة والخاصة ، وطرائق تفكيره ،وأسلوب حياته ، ومزاجه النفسى و ..
” يوقف جهاز التسجيل ، يفر فى أشرطة أمامه ، ينتقى شريطا ، يضعه فى جهاز التسجيل ، يديره ، تنبث موسيقى أكثر نعومة ، و… يقلل كمية الضوء ، بالكاد تنير الغرفة “
هى : ” تسترخى ” تغمض عينها :
هو :
= لما لا تتمددي على هذا السرير ، وتتحررى ..
هى ” سابحة مع الموسيقى ” :
ـ تريدنى أن أتحرر من ملابسى ! وأصير مثل صديقاتك . مجرد قميص نوم شفاف ، أترك لك فيه رائحتى ، ذكرى لليلة الجميلة أو حتى ليلة خائبة . ويأخذ رقماً ، ويدون عليه تاريخ الليلة ، ويدس فى الدولاب مع غيره من القمصان .
هو ” مقتربا منها وواضعا يده على كتفها ” :
= صدقينى . لم أقصد هذا التحرر ، لكنى أقصد التحرر من الداخل .. تطلعينى على صفحات نفسك المطوية .
من فضلك ، وبنعومة :
ـ هذا السرير . [ يبسط لها يده ، تقرأ فى عينيه رجاء ، تمد له يدها ، شئ خفى يدفعها للنهوض ، مغمضة العينين تسير وكأنها مغيبة ، يتناول يدها برفق ، تخلع حذائها الأبيض ، تصعد إلى السرير ، تحت تأثير الخمر والموسيقى ، وسحر كلامه ، تستلق ]
هو :
= أصغى إلى الموسيقى ، وانظري إلى اللوحات المعلقة على الجدار ، أو أغمض عينيك ، وانظري إلى داخلك ، واسمعيني نبضات قلبك ، وأصداء نفسك ، ولا بأس من كأس تلو كأس ، فالخمر تغيب العقل الذى يحد من الفضفضة ، كلنا بحاجة إلى البوح ، بوحى ؟!.. اشربي حتى الثمالة ، لتخرجى كل المدفون – هناك فى القاع وفى الأغوار ، وتأكدى ، تأكدى أنك لو غبت تماما عن الوعى ، فجسدك فى مأمن.
هى ” مغمضة العينين ” :
ـ نعم .. أحتاج للفضفضة .
هو ” بصوت ناعم ودافئ ” :
= بوحى ؟! .. اتركي نفسك على سجيتها ، لا تقفى فى طريقها ، غيبى العقل أو نحيه جانبا .
هى :
ـ أراني !
هو :
= ماذا ترين ؟
هى :
ـ أراني فى حجرة صغيرة ملحقة بمسجد صغير بجوار مقابر القرية
هو ” مندهشا ” :
= استرسلي ، بوحى .. ؟ .. بوحى ؟! .. بوحى ؟! .
هى :
ـ كنت أحبو بين المقابر .
ويُحكى أن أمي ، كانت تأتى أخر الليل عندما تعود من العمل فى الغيطان أو فى دور الموسرين . تجدنى قد دخلت قبراُ مفتوحاُ ، وغلبنى النعاس ونمت فيه .
وكان أبى كفيفاُ ، حفظ فى طفولته بعض سور القرآن ، كانت كفيلة بأن يوكل إليه الرجل الثرى الذى بنى المسجد – بإقامة الصلاة على وقتها ، وبالصلاة على الميت ، والقراءة عليه ، نظير أجر ، وحراسة المقابر .
” يبدل شريط الموسيقى ، بشريط أخر، تنبعث منه موسيقى أكثر شجناُ .
ـ أذكر أن أبى كثيرا ما كان يقيم الصلاة ، ويصلى بمفرده ، فلم يكن للمسجد من رواد ، إلا عابر سبيل ، ونادرا ما يطرق هذا الطريق عابر .
أحيانا ، أحيانا قليلة ، يرتاد المسجد بعض من يعملون فى الغيطان حينما يريدون قضاء الحاجة أو الهروب من الشمس وقت الظهيرة !
[صدى صوته يتردد فى أركان الحجرة .. بوحى ؟!.. بوحى ؟!.. بوحى ؟! .. ب..و..ح..ى.. ح.. ى..ى..ى …. ]
ـ قـُدر لنا أن نعيش مع الأموات ، فالمسافة بيننا وبين القرية ، تزيد عن الثلاثة كيلومترات .
هناك على طريق غير مأهول ، على أرض كانت فى الزمن البعيد تنكر الزرع ، أقاموا مقابرهم ، كنت أفرح بكل ميت جديد ، فهو بالنسبة لنا فلوسا ، تدس فى يد أبى خفية وجهرا ، أو فى جيبه نظير قراءته ، ولحوما وفاكهة تملأ حجر أمي ، وحكايات النساء عن المتوفى ، زوجته أو أمه ، أخته ، وعمته ، خالته وجارته .
على صغرى كنت أندس بينهن ، وأصغى لحكايتهن عنه ، أعرف تفاصيل حياته ، وأقف على أفعاله ، أعرف الأموات واحدا واحدا ، الشرير والطيب ، الكريم والبخيل ، النبيل واللئيم ، المريض والسليم ، البدين والنحيف ، الجميل والدميم . كنت أعجب بهذا ، وأبغض ذاك .
” وتضحك ضحكا متواصلا لدقائق ، يناولها كأسا ، تتجرعه دفعة واحدة “
ـ أول حب فى حياتى ، كان لواحد ميت . تصور !
اقتحمنى من خلال حكايات أمه وأخته وابنة عمه عنه . اللائى رحن يعدون محاسنه ومآثره ، وينعين جماله وشبابه ، ومن الصدف – كان اسمه يوسف ، واقترن فى ذهنى بيوسف الصديق ، وظللت لأيام أراوده فى نومى عن نفسه !
” وتضحك ، فيناولها كأسا “
ـ فى المدرسة . كنت أجتذب البنات بحكاياتى ، وخيالاتى ، وشطحاتى ، كنت أجذبهن لى ، بل كن يسعين إلى ويخطبن ودى ، ويتمنين لو أظل أحكي لهن طوال العمر ، وكم تكون سعادتهن عندما يتغيب مدرس أو يعتذر عن الحصة ! يتحلقن حولى ، وأنا كل يوم أصنع حكاية جديدة ، فالمدد عندى لا ينفد ، شهرزاد حكت ألف حكاية وأنا حكيت ألف ألف حكاية . حكايات الأموات ، والأحياء .
الأموات الذين يتعاركون ويتصايحون فى الليل ! الذين يخرجون من مقابرهم ، ويحكون لى عن حياتهم الخاصة ، فهم لا يظهرون إلا لى ، ثقة منهم فى ” هئ هئ هئ هئ ” هل فعلا يتصايحون ويتعاركون ؟! .. هل فعلاً يخرجون ؟! .. هل حقا يثقون بي ؟!.. هئ هئ .. هئ ….
من تطلب مني أن أحكي لها عن أبيها ، ومن تطلب منى أن أحكي لها عن أمها أو أخيها ، هذه تسألنى عن عمتها أو خالتها ، وتلك تسألنى عن حبيبها الذى اختطفه الموت ..!
كيف يعيشون ، وماذا يأكلون ؟ وماذا يلبسون ؟ .. عشرات الأسئلة تحتاج إلى إجابات .. عرفت كيف أستقطبهن ، وكيف أستثمرهن . أحكي لهذه همسا بأن أبيها فى الجنة ، وأن أبو البنت التى لا تحبها فى النار ، .. وأطلب منها ألا تخبرها ، فتفرح بما أسررته لها ، فتزيد من عطاياها لى ، كتبا وكشاكيل ، وأقلاما وملابس ، والأخرى أخبرها بعكس ما أخبرت به عزيمتها ، فتكثر من عطاياها لى ، عرفت كيف تكون لحكاياتى ثمن ؟! .. وأصبح على أن أدافع عنها ، فهى تعطينى نوعا من الوجاهة والتميز ، وتدر على دخلا ، ومصدر رزقى ، ومدرس اللغة العربية و التربية الدينية يمثل خطرا لى وعلى ، فيقول للبنات بغير ما أقول .. أحيانا أجدنى لا إراديا ، أقف فى الحصة معترضة ، ومحتدة على ما يقوله ، فيبتسم ، تغيظنى ابتسامته ، وثقته وهدوءه ، أشعر به يعرينى ، ويسفه من أفكارى ، وحكاياتى للبنات .
تطفر الدموع من عينى ، وأنا أقرأ فى كلماته – تلميحا لحياتى مع الأموات ، ونشأتى فى هذه البيئة ، كرهته . نعم كرهته. وزادت كراهيتى له عندما حفرت أصابعه خطوطا على خدى وقال علنا : بأن بنت التربى ستفسد البنات !
” تتحسس خدها ” ، ” يبادر بصب كأس لها “
ـ أول يد تصفعنى ، ابتلعت غيظى ، وأقسمت ألا أعود إلى المدرسة ، وظللت يومين أو أكثر منقطعة عن المدرسة ،حتى زارتنى بعض زميلاتى ، أول مرة يزورنى أحد ، وأول مرة أخجل من غرفة واحدة هى مسكننا ، وحصيرة متآكلة مفروشة ، على أرضيتها ، ولحاف متسخ مثقوب تخرج منه قطع القطن ، و” حِرام ” من الصوف ، الخشن متهرئ ، وبعض أطباق وحلل صدئة ، ووابور جاز، وقلة ماء هى كل متاعنا ، ورجل ضرير ، بالى الثوب ، صامت دائما ، عايرنى به فى المدرسة فى الفصل أمام البنات ، وامرأة عجفاء ، ناحلة ، وطويلة ، تخرج مع أول ضوء للنهار ولا تعود إلا فى منتصف الليل معها الزاد والزواد .
ولأول مرة أشعر بالفارق ، بالمسافة الواسعة بينى وبينهن ، أخذنني من يدي ، وسرن بي بعيدا عن الغرفة الرطبة والنصف مظلمة ، وجلسنا هناك فى ظلال شجرة عند أحد المقابر .
قلن : ولا يهمك يا بنت .. نحن نعلم أنه يغار منك ، لأن حكاياتك أكثر تشويقا وإمتاعا ، تتسلل إلى القلب ، وتدغدغ النفس وتلهب الخيال ، أما هو فحكاياته باردة ، والأحاديث التى يوردها مأخوذة عن فلان .. عن علان .. عشرات العنعنة ، أما أنت ، فتأخذين منهم حكاياتك مباشرة ، تلقى فى روعك ، إنهم يثقون فيك ، يبوحون لك بأسرارهم ، يوقفونك على أحوالهم ، أحيانا يأتى الميت لمن يحب فى المنام ، ويوصيه وصية أو يطلب منه طلبا أو يخبره بأمر أو يسر له بسر ، وأنت هنا ، تعيشين بينهم ..
” وتضحك ، يناولها كأساُ “
ـ أخرجت إحداهن كتاباً كانت قد دسته فى حقيبتها ، لأول مرة أرى كتابا غير كتب وزارة التعليم ، كتابا أكثر أناقة وأكثر فخامة ، قلبت الكتاب بين يديها وقالت : هذا الكتاب يتحدث مؤلفه ، وهو بالمناسبة رجل مشهور – عن الأرواح والأشباح والجن والعفاريت والأموات !
وراحت تقرأ من الكتاب بعض الحكايات – كانت قد خطت تحته بالقلم ، تتفق فى مضمونها ، وفى معظم تفاصيلها مع ما أحكيه لهن ، الفارق هو اللغة الأنيقة ،والساحرة التى يكتب بها،وتناولت منها الكتاب بفرح،واستأذنتها فى استعارته كنت أتعجل انصرافهن حتى أخلو بالكتاب ، وانفردت به بعد انصرافهن ولم أقم ، إلا بعد أن أتيت عليه جملة ، التهمته كلمة ،كلمة،وسطرا ، سطرا..رد لى هذا الكتاب اعتباري ، وحضنته ،وقبلته ،وقبلت صورة مؤلفه الوسيم على ظهر الغلاف ، وفى الصباح ، ذهبت إلى المدرسة ، وقد أعاد لى هذا المؤلف المشهور كبريائى أمام هذا المدرس المغرور والمغمور ، وقلت للبنات بزهو وأنا أقرأ لهن صفحات من الكتاب : احكمن أنتن ، ومن الذى يوثق فيه ، هذا المدرس المغمور ، الذى لا يعرفه أحد أم هذا المؤلف المشهور الذى تعرفه الدنيا كلها.
وانحزن إلى المؤلف المشهور ، وبالطبع انحزن لى ، وأعدت الكتاب لزميلتى التى أخذته من مكتبة أخيها لتعيده ، ورجوتها أن تبحث لى عن كتب أخرى لهذا المؤلف ، وفاجأتنى فى اليوم التالى بكتابين آخرين له ، وسعدت بهما سعادة لا توصف ، ومن يومها عرفت القراءة ، وأحببتها ، وأدمنتها ، وهذا الكاتب – بنى إمبراطوريته من حكايات تشبه حكاياتى ، ورحت أوثق صلتى بالأموات ، أجلس أمام مقابرهم – فى أوقات متفرقة من الليل والنهار ، أتصنت على قبورهم ، أرهف السمع وأدقق النظر ، أعيش بالكلية معهم ، ومع حكاياتهم التى تتناثر من أفواه المشيعين والزوار ، صرت أسمع نحيبهم وضحكهم ، أنينهم ونجواهم ، يخرجون .. نعم .. أراهم يخرجون ، ويمرقون بسرعة تفوق سرعة الريح ، وبعضهم يومض كالبرق الخاطف ، كالشهب ، دربت أذني على سماع دبة النملة ، وعيني على رؤية كف يدي فى الظلام ، وأنقى على الشم دون أخذ الشهيق ، خففت جسدى بالامتناع عن الأكل والصوم لفترات طويلة ، حتى دق ، ورق ، وشف ، وصرت من النحافة ، بحيث تذرونى الرياح ، فى الليل تستطيل أذناى وأشعر بها وأنا أستعيد صورتي في ذلك الزمان ـ كأنهما طبقان هوائيان مثل تلك الأطباق التي تملأ الآن أسطح عمارات القاهرة ، ويتمدد أنفي ويصبح بطول ذراع ، وتستدير العينان ، وتتسع الحدقتان ، وانشغلت بها لفترات طويلة عن كل ما حولي ، عالم غريب وعجيب ولجته ، وعشته ، كل قبر دخلته ، أتحول إلي عينين كبيرتين أو أتحول إلي أذنين ، أتعذب بما أري وبما أسمع ، قصص مثيره وعجيبة ، تجاوزت حدود العقل ، وفاقت الخيال .
[ كانت تتحدث ، وجسدها كله ينتفض ]
[ الناقد ناظرا لها ، مأخوذا ومذهولا ، بالرعشة العنيفة التي ترج السرير ]
” مد يده إلى جبينها ، غاصت يده في عرق مالح ، وكأنها محمومة ، راحت تهذي ، تذكر أسماء غريبة ، ومصطلحات لم يسمع بها من قبل ، وتحول لسانها فجأة إلي لغة . ليست بالعربية ولا الإنجليزية ولا الفرنسية ولا الفارسية ولا الألمانية ، ولا أي لغة يعرفها ، قال في نفسه : لابد أنها لغة …. ، ارتعدت فرائصه ، أخذ يهزها بعنف ، هزت رأسها ، فتحت عينها ، دعكتهما بيديها ، وقالت :
ـ دكتور ! .. أنا تعبانه يا دكتور
[ يمد يده ، يربت علي كتفها ، يصب لها كأسا ، تدفعه في جوفها دفعه واحدة ]
ـ هل يمكن أن تجد لي علاجا يا دكتور ؟! ..
” هو قائلا في نفسه : ماذا تظنني ؟! “
= شهورا انقضت يا دكتور ولا أمل في الشفاء ، مرتين في الأسبوع ،
وأحيانا ثلاث مرات ، أتردد علي عيادتك .. قالوا أنك أفضل طبيب للأمراض العصبية والنفسية في مصر ، صارحني ، صارحني يا دكتور
هو ” في نفسه ” :
= طبيب ،طبيب نفسي ، لا بأس !
هو ” متقمصا دور الطبيب النفسي “
هي :
ـ لا أدري يا دكتور ـ لماذا يقفز إليّ ، من هوة سحيقة في أعماقي ، يبدأ بحجم القزم ، يتنطط أمام عيني ، ويتنامي شيئا فشيئا حتى يصبح عملاقا يقطع علي الطريق ، ويسد كل منافذ الرؤية ، شبحا أسود قاتما رهيبا ، يقلق مضجعي ، ويعكر صفو تفكيري وحياتي ، يصارعني وأصارعه ، في النوم وفي اليقظة
هو :
= ومنذ متي يأتيك هذا الشبح ؟!
هى :
ـ تحديدا منذ أن مات بهاء !
هو :
= هل تستطيعين أن تحددى ملامحه ؟
هى :
ـ أصوات تتعارك ، وتتصايح ، لا أتبين لها ملامح ، تتداخل ، وتنمو ، وتكبر ، شيئا فشيئا ، وتصير شبحا واحدا ، عملاقا ورهيبا ، يجثم فوق صدرى ويكاد يزهق روحى .
هو :
= هل تستطيعين أن تحددى من أين تأتى هذه الأشباح الصغيرة قبل أن تتحد فى شكل واحد ؟
هى :
ـ من فوهة قبر !.. من مشرحة فى مستشفى !.. وربما لقمة فى حنك أرملة تصير شبحا .. أو جنيها فى جيب موظف .. أو .. أو ..
هو :
= استرخى أكثر .. وارجعى إلى القبر .
هى :
ـ القبر .. القبر لا يفارقنى .
هو ” متخابثا ” :
= هل تعرفين القبر ؟
هى :
ـ أعرفه ؟ نعم أعرفه .. لا أحد يعرفه مثلى .. إنه يسكننى وأسكنه .
هو :
= أتخافين عذابه ؟
هى :
ـ ليس فيه عذاب .
هو :
= وما أدراك أن ليس فيه عقاب ؟
هى :
ـ كنت أعيش فى المقابر ، لم أر الثعبان الأقرع ، ولم أسمع طقطقة العظام ولا اختلاف الأضلاع ، ولا رأيت ملائكة العذاب ولا حتى ملائكة الرحمة .
هو :
= ما دينك ؟
هى :
ـ دينى ؟! ” لحظة صمت “
هو :
= لا بأس . هل تستطيعين أن تتذكرى تاريخ ميلادك ؟
هى :
ـ ميلادى !
[ لحظة صمت ]
ـ ميلادى الحقيقى – مع قرار الانفتاح الذى اتخذه الرئيس السادات
هو :
= والسنوات التى قبلها .
هى :
ـ الانفتاح يجب ما قبله !
هو :
= أهجرة جديدة إذن ؟!
” تفرط يدها ، وبصوت مرتفع “
هى :
ـ نعم .. بزغ عصر جديد ، ودين جديد .
هو :
= ودخلت فى الدين الجديد ، والعصر الجديد ؟
هى :
ـ نعم .. كنا من الطلائع !
هو :
= الطلائع ؟!
هى :
ـ نعم .. فلكل دين طلائع ومبشرين .
هو :
= وكيف دخلت هذا الدين الجديد .
هى :
ـ زارني لأول مرة .
هو :
= من ..؟
هى :
ـ بهاء .
هو :
= زوجك ؟
هى :
ـ نعم ، كان يكبرنى بثلاثة أعوام ، تعرفت عليه فى كلية التجارة ، قابلته لأول مرة فى مبنى شئون الطلبة ، كنت أسأل عن استمارات الإعانة الاجتماعية ، ساعدنى ، وسهل لى مأموريتي ، سرعان ما تصادقنا ، وتحاببنا ، كنت مبهورة بثقافته ، فمع الناصريين كان يعرف عن ناصر وثورته أكثر من الناصريين ، ومع الشيوعيين يعرف عن ماركس ولينين والثورة البلشفية أكثر مما يعرفون ، ومع الإسلاميين ، يعرف عن حسن البنا وسيد قطب والإخوان أكثر مما يعرفون ، ولأن الناس على دين ملوكهم .. اختار الملك !
وزارنى لأول مرة ، فالقرية التي يعيش فيها لا تبعد عن القرية أو المقابر التي نعيش فيها غير بضعة كيلو مترات ، فاجأني ، وأسعدني بزيارته ، جلسنا بجوار مقبرة وقال : ـ اسمعي يا هنومة ،
هو :
= أكان اسمك هنومة ؟
هى :
ـ نعم .. كان اسمي ” هنومة ” واستبدلته بنجوى وكانت أمي تدعى على ألسنة الناس بشيتا وكان إسمه ” شرخبيل ” واستبدله ببهاء ، وكما غادرنا إسمينا ، غادرنا قريتنا ، والمحافظة كلها ، وسرنا بإسمينا الجديدين إلى محافظة أخرى بعيدة نبدأ فيها من جديد !
قال لى : لا اشتراكية ، ولا شيوعية ، ولا ناصرية بعد اليوم .
قلت : كيف ؟
قال : الرئيس سيفتح المنافذ .
قلت : إمبريالية أم رأسمالية ؟
قال : إمبريالية ، رأسمالية ، لا يهم !.. المهم أن الرياح ستأتى من الغرب ، وهذه فرصتنا !
قلت : كيف ؟
قال : دائما – تكون هناك قرارات مصيرية فى حياة كل مجتمع ، قرارات – تحول المجتمع مائة وثمانون درجة ، المهم من يكون مؤهلا لاستقبال هذه القرارات ، واحتضانها ، والاستفادة منها . ” وأضاف “
منذ عام 1952م والمجتمع المصرى معبأ بشعارات ، وأحلام ، وحدة عربية ، قومية عربية ، ثوار يا عرب ثوار ، أمجاد يا عرب أمجاد ..
من الصعب أن يتقبل الشعب المصرى هذه القرارات ، أو يتحول بين عشية وضحاها ، قد تحتاج معظم شرائح المجتمع إلى وقت أطول ، كل حسب قناعته وإيمانه بمبادئه ، والتخلص من ناصر صعب ويحتاج إلى وقت ، فتحول المبادئ وإحلال القناعات ، مبدأ بمبدأ وقناعة بقناعة يحتاج إلى زمن ، ونحن مقبلون على قرار ، سيتحول فيه المجتمع من الضد إلى الضد ، وحتى يستقر النظام الجديد ، سيحتاج إلى وقت ، وقد تكون هناك حالات ارتباك ، وهنا فرصتنا !
قلت وأنا مبهورة بتطلعاته وتحليلاته :
ولكن ما هى بشائر هذا الانفتاح ، وكيف نتعامل معه ، وما الأدوات التى سنستخدمها ، كنت أقصد الآليات التى نتعامل بها مع النظام الجديد .
قال : أنا لا أكف عن المتابعة ، والقراءة ، والبحث . فى الدول التى تحولت من النظام الاشتراكي إلى النظام الرأسمالى إلى النظام الديمقراطى ، إلى الاقتصاد الحر ..
قلت : إذن سنجعل النموذج الغربى نبراسا لنا .
قال : أمامنا وقت طويل حتى نصل إلى النموذج الغربى ، فالنموذج الغربى نضج وإكتمل واستقر . أما هنا فالأمر يختلف .
قلت : ولماذا لا تكون المسالة كلها لا تعدو أن تكون مناورة سياسية .
قال : لا أظن ، فالمسألة تبدو لي عند الرئيس ، مسألة قناعة ، ومنذ أن طرد الخبراء الروس وقام على الناصريين فى مايو ، وأنا أرى فى أفق خياله وفى مرامى كلماته البعيدة بذرة التحول ، وعندما وافق على وقف إطلاق النار فى 1973 م ، وزار إسرائيل ، وعقد الصلح ، خرج الأمر من حيز الظن إلى حيز اليقين ، وها هو الأمر يتحقق بقرار الانفتاح السعيد ، السعيد علينا ، ” ونظر إلى مبتسما “
والسعيد على أولادنا !
فرحة قلت : أولادنا !
قال وهو يداعب وجنتيّ : نعم أولادنا .. هل عندك شك ؟
وسرقنا الوقت ، وسرقتنا الأحلام ، ودخل الليل ، ولم نشعر بالبرد إلا عندما برقت الدنيا ورعدت ، وهطلت بالمطر…
أسرعنا بالدخول إلى المقبرة ، نحتمى بها من العواصف والأمطار .
فى ظلام القبر ، جلسنا القرفصاء ، نرتعد ، التصق بي ، والتصقت به ، كل منا ينشد الدفء فى الآخر ، ورحنا نلتصق أكثر . وكانت تلك الليلة الأولى التى أسلمه فيها جسدى .
ولا أدرى لماذا بعد سنوات ، رحت أربط بين الانفتاح هنا والانفتاح هناك !!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق