حوارات هامة

إننا لا نكتب في الواقع إلا لأصدقائنا ولمن نتوقع أنهم يحبون أن يقرأوا ما نكتبه

حاورته : نـوّارة لـحـرش

الحبيب السائح روائي جزائري من مواليد 1950 بمنطقة سيدي عيسى ولاية معسكر. نشأ في مدينة سعيدة، تخرّج من جامعة وهران (ليسانس آداب ودراسات ما بعد التخرّج). اشتغل بالتّدريس وساهم في الصحافة الجزائرية والعربية. غادر الجزائر سنة 1994 متّجها نحو تونس حيث أقام بها نصف سنة قبل أن يشدّ الرّحال نحو المغرب الأقصى ثم عاد بعد ذلك إلى الجزائر ليتفرّغ منذ سنوات للإبداع الأدبي قصة ورواية. صدر له عدة أعمال أدبية منها المجموعات القصصية التالية: “القرار” 1979. “الصعود نحو الأسفل” عام 1981. “الموت بالتّقسيط” عام2003. “البهية تتزيّن لجلادها” صدرت في سوريا عام 2000. أما الروايات فصدرت له… “زمن النمرود” عام 1985. “ذاك الحنين” عام1997 وترجمت إلى الفرنسية في العام 2002. “تماسخت” عن دار القصبة عام2002 وفي نفس العام ترجمت أيضا إلى الفرنسية. “تلك المحبّة” عام 2003. “مذنبون، لون دمهم في كفي” عن دار الحكمة عام 2009.  في هذا الحوار يتحدث السايح عن روايته مذنبون وعن الرواية الجديدة في الجزائر وعن الجيل الجديد، وعن هموم وانشغالات أدبية

”مذنبون، لون دمهم في كفي” هل يمكن اعتبارها الرواية/ الشهادة، الرواية التي غاصت في أجواء العشرية السوداء بكل زخم المناخ النفسي والفلسفي الذي تشكل أو انفرض في الوعي الفردي والجمعي معا؟

غاصت؟ كلا! أعتقد أنها نص إنكتب من خارج تلك الدائرة. ولذلك قد يكون جذب إليه الاهتمام بما كان سيصبح من المنسيات، لأني كتبته بإدراك ضرورة أن يتجاوز ضغط خطابات السياسي حول المحنة وتقديراته الحسابية لها. وأن يتنصب كبلاغة على طرف لغات الإعلامي اليومي، أي أن يحوز كونه علامة مختلفة ضمن تشكيل سردي حرّكته أحداث المحنة. ومن ثمة أن أكسبه صفة الأثر الباقي، بعد استتباب النسيان، كشهادة على الذنب الذي ارتكب. فلسفيا، ذلك يعني أن القتل ليس هو جريمة في حق الآخر بل تعبيرا عن درجة قصوى من البهيمية التي ينحط إليها الضمير بفعل الغبن والظلم والقهر والتدمير المنتظم لآليات التفكير العقلاني وإنشاء بدائله التي تغرب الفرد عن زمانه. وذلك، في تقديري، هو ما يمنح ”مذنبون، لون دمهم في كفي” أن تطرق بوابة النفسي الجماعي. إنها رواية حاولت أن تحفر في إحدى طبقات الوعي الجمعي ذات الصلة برد الفعل تجاه الخطيئة في حق ما هو جمعي.

استحضرت فيها أيضا شيئا من الحرب التحريرية إلى جانب أشياء العنف الإسلاموي لماذا زاوجت بين مرحلة تحريرية ومرحلة أخرى من الإرهاب، ما الذي كنت تريد تمريره من خلال هذا، لأن السياقات مختلفة، القاسم المشترك ربما هو المحنة والألم؟

لعلك تكونين من بين القلائل الذين انتبهوا بشكل لافت إلى سعيي، في هذا النص خاصة، إلى إعادة ربط بين طرفي سياق تاريخي قطعه الصراع الدامي بين الزعامات خلال حرب التحرير وما تلاها بعد حيازة الاستقلال وبسببه تأجل حسم مشروع بناء الدولة المعاصرة، نظرا إلى إنتهاج تاكتيك الحلول الوسطى لإقامة التوازنات التي تحفظ مصالح الأفراد والزمر. فتمظهرات المحنة، في شكلها العنيف، ليست في تقديري سوى تعبير عن حالة احتقان قصوى من قطع مشروع بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية. إذاً، مَن المذنب ومن يملك حق الإدانة؟ إن الألم، كما عبرتِ في سؤالك، امتد فغطى مساحة الجسد الجماعي كلها. إنها الحقيقة التي لا ينبغي لها أن تغيب عن ضمائرنا. فمن هنا، كما حاولت أن ترى ”مذنبون، لون دمهم في كفي”، تبدأ كل فلسفة وكل سياسة لإعادة بناء ما دمرته الحماقة.

هل يمكن اعتبارها كامتداد لرواية تماسخت، هل تتقاسم معها في بعض الملامح السردية والفنية والموضوعاتية؟

صحيح تماما. ذلك، إن لم تكن ”مذنبون، لون دمهم في كفي” هي ما تبقى من غصة “تماسخت” عالقا حلقي بلهيب الغضب والقلق والشعور بالعجز. الشعور بعجز فادح، عن مواجهة الخراب، خرابنا الروحي! إذ كيف يصبح، في لحظة من ذلك السياق التاريخ، شعب بأكمله، في أرض تفوق مساحتها المليوني كيلومتر مربع، سجين ذاته مهددا في حياته نازفا كل ساعة مزيدا من الدماء فاقدا كل يوم حجما متزايدا من مقدراته؟.

أنت أحد المؤسسين للرواية الجديدة في الجزائر، برأيك ما هي أهم ملامح وميزات هذه الرواية، ما الذي يدل عليها أو يشير إليها أكثر؟

كما تعرفين، الرواية الجزائرية المعاصرة تكتب الآن ضمن مشهد أسسه رائدان جزائريان كبيران هما: عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار. إنهما كاتبان، بفضل إبداعيتهما ووعيهما الفني والاجتماعي، علّما (علامة) للسرد الجزائري على حدود مساحة ضمن مشهد السرد العربي خاصة، كان لا بد لي، مثل الكتاب المكرسين الآن من جيلي، من دخولها بما يوسع من دائرتها. ذلك يعني استيعاب منجزهما، ومن ثمة العمل على إيجاد صيغة مشروع كتابة مغايرة. إن الذي أشتغل عليه أنا مثلا هو بلاغة سرد جديدة: من حيث اللغة كقاموس وتركيب وبناء ومجازات. وهو تدوير الزمن بما يكسر رتابته. وتفتيت وحدة المكان حد تشظيها بما يجعل النص مجبرا على لملمتها لضرورات تنمية الحدث. وتجزيء الشخصية إلى عناصر لا تكتمل صورتها إلا من خلال تتبع تطورها في الحكاية للقضاء على جاهزية رسمها مسبقا. فالرواية لذلك، كما أتصور، هي التفاصيل المفضية إلى كليات وليس العكس.

في بعض الروايات الجديدة تضيع مفاصلها بين الموضوعي والذاتي، برأيك متى يلتقي الموضوعي بالذاتي في الرواية، وكيف هي العلاقة بينهما؟

الذاتي طابع كل عمل فني إن لم يكن هو محركه. أنت تعرفين هذا لكونك شاعرة. ففن السينما والمسرح مثلا لا يخلوان تماما من ذاتية المخرج خاصة في لمساته التي لا تمس النص. لكن الروائي يملك الحرية والفضاء للتعبير عن ذاتيته بشكل مباشر، كما في السرد السير ـ ذاتي، أو بشكل متضمن من خلال شخوصه. إن روائيا يستطيع أن ينشر حياته وتجاربه ومسكوتاته وسط العالم المتخيل الذي ينشئه ويبلغه خطابات من خلال الشخوص والأمكنة، من غير أن يتفطن إليه غير المهتمين بحياته وسيرته. الرواية هي أرحب الأجناس الأدبية على استيعاب الذاتي والموضوعي في الآن ذاته.

“زمن النمرود” الصادرة عام 1985 وفي العام نفسه صودرت، هل كنت تتوقع أن تلقى مصيرا كهذا، وكيف تلقيت الأمر، وهل تنوي إعادة طبعها، أم إكتفيت بالطبعة الأولى التي صودرت؟

اسمحي لي، هنا، أن أذكر ما كررته في فضاءات إعلامية أخرى. كانت “زمن النمرود”، بالنسبة إلي تجربتي الروائية الأولى التي سببت لي صدمة صاعقة، كانت نتائجها، للمفارقة، مغنية لي على مستوى رؤيتي إلى الكتابة لاحقا. الآن، وعلى بعد تلك المسافة الفارقة، ما زلت من حين إلى حين أتساءل: وماذا كنت سأصير ككاتب لو لم يقع ما وقع؟ للحقيقة، فبقدر الألم الذي سببته لي “زمن النمرود” كان قدر العزاء أني استوعبت أن الكتابة الأدبية حرية ضمير مستقل وإحساس بالذات ككيان واستقلالية جسد كعالم لا يسكنه سوى روحك.

تقول :”لست في حاجة إلى قارئ بالمعنى الأدبي، وليس هناك شيء أخطر على الكتابة من مراعاة ما يسمى “الذوق العام”! ولأني أعتبر القارئ هو الرقيب الأول فإني لا أسعى إلى تغييبه فحسب ولكن إلى نفْيه تماما”. أمازلت عند رأيك وأي قاريء أنت في حاجة إليه، هل هناك ملامح معينة لقاريء معين؟ وهل فعلا القاريء هو الرقيب الأول، أليس الكاتب نفسه هو الرقيب الأول وقبل القاريء بمراحل؟، وهل جزاء القاريء النفي، كأن لك مشكلة ما معه، ألا تثق بذوقه مثلا؟

لا أعني القارئ العياني الأدنى البسيط بقدر ما أعني قارئا افتراضيا أعلى ومركبا. أؤكد لكِ أن من يفسح لقارئ إلى أن يستوطن ذهنه وهو يكتب نصه يكون في حال من يجد نفسه متلبسا أمام شاهد. لكِ أن تتصوري كل التردد الذي يصيب هذا الكاتب وكل الحذف الذي يمارسه على نصه، وهو في تقديري ما قد يكون يحمل الإثارة الجمالية. كل كتابة هي مخادعة لذيذة لهذا القارئ الذي تتحدثين عنه لأنه رقيب فعلا. إننا لا نكتب في الواقع إلا لأصدقائنا ولمن نتوقع أنهم يحبون أن يقرأوا ما نكتبه. هذه هي المسألة.

“الرواية نص منته”، هكذا تقول أليست الرواية نص غير منته، وبالتالي نص مفتوح على احتمالات وحيوات وافتراضات وفلسفات وتأويلات كثيرة وحتى على نقاشات وجدالات بين كاتبها والقارئ؟

ولكن ذلك كله لا يغير في بنيته ولا في تاريخيته ولا حتى في بؤرة تيمته. إنه متن منته ومغلق الحدود بين بداية ونهاية. وكل ما يمكن أن يضاف إليه من قراءات وتآويل وجدالات سيظل دائرا إما على حاشيته أو على هامشه. من هنا فهمي لمسألة كون النص الروائي خاصة نصا منتهيا. إنما المفتوح فيه هو قدرته التي يحملها في داخله على مواجهة موته أمام الزمان، وإلا فما سر النصوص الخالدة إن لم يكن كونها منتهية ومغلقة؟

كيف هي قراءاتك لروايات الجيل الجديد، من يشدك أكثر، من ترى في تجربته إضافة مهمة وقدرة على الاستمرارية بشكل أجمل وهل هو يرتكز على مرجعيات فنية ملفتة وقوية؟

الجيل الجديد لم تتحدد بعد معالمه بالدرجة التي تحددت لجيلنا نحن وللجيل الذي سبقنا. اسمحي لي أن أعتقد لكِ أن هناك جهودا معتبرة ومهمة على مستوى أفراد ـ كاتبات وكتابا ـ من أولئك الذين يكتبون في الجزائر، عن الجزائر، من داخل الجزائر، منكوين بهموم أمتهم حد الضياع، ومن هنا تبدو كتاباتهم التي يتصور قراؤهم أنها غارقة في الذاتية ـ وإن هي إلا تعبير عن ضياعات مجتمعهم. إني ألمح هنا إلى مكرسين منهم أمثال بشير مفتي خاصة. ولو أن بعضهم مال إلى الاشتغال على الموروث الجزائري، في جانبه الخرافي. إني ألمح إلى الخير شوار خاصة. ذلك، من غير إغفال بصمات ياسمينة صالح وزهرة ديك وخليل حشلاف وعز الدين جلاوجي وكمال قرور وخيري بلخير… من الذين قرأت لهم، لأني أدرك أن هناك كتابا وكاتبات ينمنمون المشهد السردي لا أعرفهم. فرهان هؤلاء الكتاب قد يكمن في مدى قدرتهم على إنطاق ما لم نستطع نحن إنطاقه. من هنا ستكون إضافتهم.

هل بإمكان الرواية أن ترسم أو تصنع وعيا جماعيا لمجتمع ما عدا قدرتها على ما تخلقه من متعة مثلا؟

بالتأكيد. فالرواية، كما السينما والمسرح ـ إضافة إلى التاريخ ـ من أهم المنتجات الفنية والأدبية التي تشكل الوعي والذوق الجماعيين، لأنها تدخل إلى ضمائر الأفراد والجماعات من بوابة المتعة.  “أنا مدين للكتابة وحدها، والكتابة هي الذات، أي الفرد في مقابل الجماعة، أنا الآن بعافية الفرد لأني استرددت حواسي الفردية”؟

هل للكتابة القدرة على فعل كل هذا، وهل استرداد الحواس الفردية للكاتب هو منتهى ما يسعى إليه الكاتب؟

هو كذلك! فلا شيء في الكتابة أكثر إثارة للسعادة من إحساس الكاتب بأنه فرد، مثل رب صغير ينشئ عالما من الوهم والأحلام ومن الكذب الجميل. أنت ترين أن كل شيء في مقابلنا يبغي أن يخصي فينا هذه القدرة التي تمنحنا إياها الكتابة على أن نكون متفردين خارج السرب، إن لم نكن خارج القطيع. إن وضعنا، نحن الكتاب، في الجزائر يتطلب أن نكون بكتابتنا هذا “العار” الذي يتم التستر عليه أخلاقيا وسياسيا.

على ماذا تشتغل الآن، ما جديدك، هل لنا أن نعرف؟

أشتغل على نص جديد، قد يكون جاهزا لهذا الخريف. اعذريني إن بخلت عليك بالحديث عنه. أفضل أن أفعل ذلك حين يصل نهايته، أي حين يحوز صفة كونه منتهيا..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق