ثقافة السرد

حازم يعود هذا المساء

(حكاية سيزيف الفلسطيني)

رواية: نبيل عودة

افتتاحية المؤلف
هل يكتمل الحب بلا وطن؟
وتكتمل الآمال بلا بيت؟
وتكتمل الأحلام بلا ملاعب الطفولة؟
ويجد الانسان غايته، بعيداً
عن عرائش صباه ؟!
ويتمتع بالراحة، في مجتمع
القيمون عليه لصوص ؟!
*****
هل تسمى حياة، هذه الملعونة
أمام خرائب شعبنا،
بظلال تاريخنا المهدم …
وحاضرنا المنفي …
وثقافتنا المصلوبة بين اللصوص،
وحضارتنا المسروقة …
ودمنا النازف باستمرار ؟؟!!

*****
اذن …
ما هو الحب ؟!
وما هي الحياة ؟!

*****
هل يوجد حب
بلا وطن.. ؟!
هل توجد حياة
بلا وطن .. ؟!
نبيل عودة
حازم يعود هذا المساء
(حكاية سيزيف الفلسطيني)

تجلى امام عيني بلا سابق توقع. انبثق وبرز من حيث لا أدرى. رؤيته فاجأتني. وقفت مشدوها مستنفرا ما استطعت عليه من حواسي، للتأكد من حقيقة ظهوره.
لوهلة أكاد اكذب عيني. لا أدري ما يجري حولي. ربما لم استوعب حقيقة ظهوره؟! مسألة لم تخطر على البال. أقرب للمعجزات. ما أصعب تصديق رؤيته. فجأة ينجلي أمام عيني. هكذا بلا توقع. كصفعة فجائية تركتني مذهولا عاجزا عن الفهم والادراك.
كان التفكير بلقائه، منذ غادر… نوعا من العبث. ولكن ها هو أمامي! بصورته التي أعرفها. بكيانه المميز. أتفرس به بذهول، بحيرة. أراه ولا أصدق، أتفرس بوجهه المليء المكتنز، بوجنتيه البادئتين بالترهل، بقامته المتوسطة الطول، المليئة تماما، بحركاته الرصينة…هو ولا أصدق. متى عاد؟ وكيف؟! وهل تجوز عودته؟! يقبلها المنطق؟! أنفض الاسئلة من ذهني وأواصل تفرسي به بفقدان القدرة على الفهم…
ذكراه كانت دائما في البال، ولكن منذ غادر، أيقنت ان ما بيننا انتهى، لا شيء الا ذكرى طيبة عن أيام لا تنسى، نستعيد أحداثها بحماس وشغف، غير مبالين من فقدان بعض التفاصيل والهوامش، فحماس الذكرى يكمل ما نقص… ثم ها هو يصعقني بظهوره؟!!
يفاجئني!!
وقفت مذهولا أمام حقيقة ظهوره. يتناثر المنطق ويفر مهزوما أمام تجليه الذي لا شك فيه. أواصل وقوفي مرتعشا ومتفرسا به، بوجهه، بقامته، بحركاته، به كله. هو؟ ليس هو؟! كانت المفاجأة مزدوجة، اللقاء بحد ذاته، ولقاؤه هو بالذات، بعد أن غادرنا للأبد كما كان واضحا!!
غادرنا؟!
لكنه عاد. ها هو مجسم أمامي. حقيقة لا جدال فيها. نفس الحركات، والقامة ذاتها بالكرش المندفع للأمام. هل هو نوع من المستحيل ؟! من اللامنطق ؟! من الوهم ؟! ام هو حلم عابر ؟! نزوة طارئة ؟! شطحة ذهنية ؟!
لا أدرى … غير ان ما يحدث مثبت بالرؤية، فهل أكذب نفسي ؟! أغالط عيني ؟! أنكر حواسي ؟! أتنازل عن يقيني ؟! أتخبط ؟! حيرتني نفسي وتراكم ذهولي، واشتدت هواجسي. احترت.
كان الوقت قبل الظهر. هذا اذكره تماماً. ولا أدرى ان كان لذلك قيمة ما. كنت عائدا من السوق ببعض أكياس الخضار والفواكه. على الاغلب كنت لوحدي، فما علق بذاكرتي لا يشملني الا انا وهو. انا في جهة … وهو في جهة اخرى، وما يحيطني وما يحيطه، لم يعلق بذهني منه شيء، ظهر بلا سابق توقع. مفاجأتي به كانت تامة، استحوذت على حواسي، صعقتني. أربكتني. فجرت مئات التساؤلات في ذهني، دخلت لأعماق نفسي حائراً. ولم أستوعب الا حقيقة واحدة … أنى أقف بمواجهته، أنا هنا وهو هناك … انظر اليه بلهفة مأخوذاً من المفاجأة، أستعيد في ذهني صورته. بوجهه غير القابل للنسيان، بذكراه التي تثير الحسرة والشوق، والحنين الجارف لأيام مضت. هو بلا أدني شك، ملامحه نفس الملامح المطبوعة في ذاكرتي، وقفته … حركاته … كل شيء يطابق الأصل.
كنا وكان، كانت ايام وليال، وبقيت احداث لا تغيب عن البال ابداً، تتردد باستمرار، متوهجة كأنها حدثت أمس، لكنها عبقة خافقة حياة وحيوية، كأنه لا ماض يبعدنا عنها، أو يبعده عنا.
تواصلت حيرتي وتراكم عدم يقيني، وتهت بين مبتدأ الأشياء وخبرها، فقدت اتجاهي وانا قبالته، وربما فقدت القدرة على إدراك حالي. انفصلت عما يحيطني من اشياء. انظر اليه بين مصدق ومكذب لما اراه. هو نفسه !! اخيراً عاد ؟! كيف تمت عودته ؟! ومتى تحقق هذا الاعجاز؟ تتشابك وتتعثر الأسئلة. ها هو بوقفته المعتادة … دافشاً كرشه الضخم امامه … صدره منفوخ بعض الشيء بأبهة طيبة. قسماته هادئة لا تعبر عن شيء. حيرني اللا تعبير الواضح. ربما يفكر بأمر ما ؟! قلق من وحدته. وهو الذي اعتاد الجلسات الصاخبة ؟! او يكون مخبولا من طول الغياب ؟! ربما أثر فيه السكون الأزلي، وهو العاصفة التي لا تهدأ، المندفع بحيوية، متأجج العاطفة، المتألق دوماً بحديثة وأفكاره ومظهره ؟!
أحقا عاد ؟!
تناول شيئا وجلس، كانت أمامه كأس مترعة، وبعض صحون المازة. هذا مؤكد بالرؤية.
طويلاً نظرت اليه، متوقعا ان ينتبه لي، ان تفاجئه رؤيتي، فيسرع فرحا لملاقاتي ومعانقتي، بعد هذا الزمن الطويل … بعد هذا الغياب الطويل.
او يكون ما اراه اضغاث احلام؟ اوهام عابرة؟ تخيلات عقيمة ؟؟
ابعدتنا الايام في اتجاهات لا تتلاقى، وها هي تجمعنا بلحظة مجنونة لا تفسير لها، لحظة مجردة من المنطق. عصية على الفهم. اكاد لا اصدق نظراتي. انظر اليه وقلبي يخفق بشدة. ربما توجسا من خداع الرؤية. او من سراب الم بي؟! وهم قريب من التجسد؟ ما بالي اخرف؟ هل اكذب نظراتي؟ اكذب يقيني؟ أنكر وعيي؟ لم نعد في عصر العجائب انما في عصر العقل، فأي عقل يستوعب ما ارى؟! اي عقل يفسر غرائب ما يحدث لي؟ اعترف أنى أقف في مواجهته عاجزا عن الفهم والتقدير مشلول القدرة عن تفسير ما انا به. أتخبط وأتوه وراء مشاعري. أخلط بين اليقين والوهم. ما هو اليقين عند الانسان؟ انها ذات الانسان نفسه، فهل اكذب نفسي؟ اكذب ذاتي؟ أنكر يقيني؟!
منذ متى لم اراه ؟!
منذ متى لم تجمعنا جلساتنا الممتدة حتى آخر الليل؟ ربما عقد كامل، اطول قليلا او اقل قليلا، ولكنه يبدو زمن طويل، شديد الطول. يهيأ لي انه اطول من حياة انسان. ربما بعمر عدة اجيال، فزخم ما عشناه، أكثر من ان تستوعبه حياة واحدة، واقول لنفسي: ” ان ما يبعد بيننا لا شيء بمقياس عمر الزمن “. فلماذا لا تحركه رؤيتي كما تحركني رؤيته ؟! لا ينفعل ولا يبدو عليه التأثر، يستمر بالصمت والحركات التي تبدو محسوبة، وانا قبالته الوح له عبثا !
كان بيته منتدانا ومركز سمرنا، لا نفوت ليلة الا ونتجمع عنده … بموعد او بلا موعد، كأمواج البحر، لا بد لها من شاطئ تصله. او نكون على اتفاق مسبق للقاء في بيت أحدنا. تجمعنا لا بد منه. صرنا نعيش يومنا من اجل اللقاء مساء. صارت اللقاءات محور حياتنا، ومهما تمضي السنون، ستبقى تلك الايام متجلية في ذهني، بزخمها وحيويتها، برونقها وحرارتها الانسانية، وكلما يبتعد بي الزمن، يشتد شوقي لتلك الايام. بفرحها الذي لا يعرف نهاية، بانطلاقتها التي لا يدركها الوهن.
كم اختلفنا واتفقنا، نتناقش، نتحاج، نصرخ. نصمت. نصر. نرخي. ثم نضرب كؤوسنا المترعة، بكؤوس بعض، ونشرب نخب تجمعنا وصحبتنا وصمتنا وسعادتنا.
اتعود تلك الايام ؟! ايعود ذلك الفرح ؟!
كان حجة في الحديث، يتقن الرواية. بل هو راويتنا بلا منازع. يخيل لي أنى لم التق بمتحدث – راو في مثل موهبته وقدرته على الحفظ، فهو مثقف واسع الثقافة والاطلاع، ومجتهد في استنتاجاته وتحليلاته، لا يستسلم امام ما يبدو لنا طلاسم، سريع الخاطر، باهر البديهة، مرهف الحس، له منطق لا يهزم بسهولة ويعرف كيف يسوق الحجج والبراهين والامثلة والسوابق.
ما باله ينظر نحوي ولا يحرك ساكنا؟! ربما لم يعرفني، مع أنى لم اتغير شكلا. أيجوز أنى لم انتبه لتراكم التغييرات الصغيرة والبطيئة. فانا يخيل لي احيانا أنى لم اتغير جسمانيا منذ ربع قرن، اما هو فلم يتغير فيه شيء كأنه لم يفارقنا الا لأمسية واحدة، ها هو امامي كما عرفته دائما. الوح له بيدي. ينظر باتجاهي. هل حقا ينظر باتجاهي ؟! ام ينظر الى لا شيء؟!
كان صوته جهوريا نقيا، تعلم في صغره – يوم كانت يافا مدينة عظيمة، يتدفق اسمها عبر الموانئ، لكل اصقاع الارض، كعلامة مميزة للبرتقال الجيد، وقبل ان تهب عليها العاصفة الهوجاء اللعينة – تعلم تجويد القرآن …. فحفظه وجوده بطلاقة، فكان يتحف جلساتنا بصوته الرخيم الجميل. مجودا ما تيسر له من آيات كرام، يسحرنا بجمال اللغة وقوة البيان، ونقاوة الصوت، فنتمنى ان لا تنتهي جلساتنا، رغم يقيننا المطلق، اننا على موعد بلقاء جديد متكرر … فنوغل في الليل، او يوغل الليل فينا غير دارين من امر الزمن شيئا. مسحورين بجونا البديع، وبشملنا المجموع على مسامرته، موغلين بالسعادة بأنانيه متجردين عن كل ما يقلق راحتنا، وما ينهي هدوء بالنا، وما يخرجنا عن اطوارنا.
ما باله ينظر الي ولا يحرك ساكنا، اهتف باسمه بلا صوت، ارفع يدي بإشارة السلام، وعيناي تترصدان حركات وجهه، حركات يديه، اتجاهات نظراته.
في ليالينا وسهراتنا كان ينطلق احيانا … مغنيا بعض ادوار عبد المطلب، او عبد الوهاب، او ام كلثوم مفسرا بأستاذية، الطبقات الصوتية واصولها. مشيرا للأبداع وقصور المغنين، في هذه الطبقة الصوتية او تلك، او نصمت مستمعين الى سيمفونية، وكأن على رؤوسنا الطير، وحقيقة تقال، انه يفهم بالموسيقى الكلاسيكية، كما يفهم بتجويد القرآن وبالموسيقى العربية، فهو يذكر عشرات الالحان الكلاسيكية ومؤلفيها وبعض مقاطعها، ومناسبة تأليف كل لحن، وتركيبته بحيث يجعلك تتلمس ادق الاحاسيس واجلى المشاعر، التي تتوهج بها المقطوعة الموسيقية المعينة، مما يسهل فهمنا لهذا اللون الذي كان، حقيقة … بعيداً عن جونا وميولنا وثقافتنا، وكان ” البوليرو ” لرافل، و “الدانوب الازرق ” ليوهان شتراوس، هما اللحنان اللذان لا ينفك يصفرهما خلال نهاره ، متلذذا ، غارقا في نفسه وعمله .
كان يعطينا من اعماقه، نافذة اوسع لعالمنا، وشمولية شاسعة للفنون والثقافات، لا تزال متجلية في نفسي ونفوس بقية الاصحاب.
كان يعشق الادب بحديثه وقديمه، ويحفظ مقاطع مختارة ونوادر طريفة .. له ذاكرة ممتازة، وكثيرا ما اعاد على مسامعنا مقاطع لا يزال يحفظها منذ ايام شبابه المبكر. ويحفظ نوادر الادب القديم ويعرف كيف يرويها، جاليا بأسلوبه الفذ، أجمل معانيها، فيبهرنا ويفتح اعيننا على كنوز لا حصر لها.
وماذا لا اذكر عنه ؟! ولكنه يصدمني بنظراته التي لا معنى لها! يراني؟! بلا أدنى شك!! يعرفني؟! الوح له بيدي مرات متكررة، يثيرني ويقلقني بصمته وانطوائه غير المفهومين. اردت ان اصيح به ” انا هنا ” ولكن نظراته الباردة الموجهة نحوي اصمتتني.
ما الذي اعاده ان لم يكن حنينه الجارف للأصحاب ولأحلى الاوقات ؟!
اتذكر نهمه وحبه للطعام، وتفننه في تحضيره. والحق يقال انه سيد المطبخ بلا منازع … فاذا وضع يده على شيء. يجعله يؤكل حلالا، وهذه مسألة لا نقاش حولها، بحكم كوني أحب الطعام مثله، ولكنني أعجز عن مجاراته في الكميات، وكثيرا ما قال لي بحماس وتأكيد:
– انت احسنهم، كل !!
ويقول لبقية الاصحاب:
– الطعام متعه يا كارهي المتع . تعلموا منه ومدوا ايديكم. انا أكره الذي لا يأكل.
اما اسوأ صفاته فهي صفة الافراط في الشرب. لا يعرف لشربه حدودا، وكل الاوقات مناسبة لديه للشرب. لا فرق بين صباح ومساء، احيانا يجعلك تشعر انه لا يشرب بهدف الترفيه والمتعة والمسامرة، وانما لان هناك عدوا ينتقم منه. كيف ؟! لا أدرى !! نحاول بألاف الحجج ان نضع حدا لافراطه فيغلبنا ويجعلنا نفرط مثله، وها هو يعود وحنينه للكأس اقوى من كل حنين. يشرب ولا ينتبه لي او انتبه ولم يعرفني. ربما يدندن لنفسه بلحن ما، ها هو يرفع الكاس لشفتيه. يشم الخمرة مستمتعا قبل ان يرشفها.
لم نكن نستطيع ان نجاريه بالكميات التي يشربها، فهو إذا ما يسيطر دافع الشرب عليه، ومتى لم يسيطر؟! يشرب كل ما تطوله يده من اصناف الخمرة. بأبيضها وأحمرها !!
كان بيته منتدانا كما قلت. وكان اخا لنا، صديقا، وحبيبا، سنديانة ضاربة جذورها عميقا في قلوبنا، لا بد لنا من المرور به يوميا. نتجمع بأغراضنا، ونمد الطاولة، بكل المجازات التي تخطر على بال، بل بكل ما يصلح للأكل!
كان اخوه، شريكه الوحيد في بيته، صيادا هاويا، يصيد ولا يأكل، يمارس الصيد كنوع من الرياضة كما يبدو فكان يزودنا بكميات كبيرة من السمك، كنا ننظف احيانا فرشا كاملا … وكان صاحبنا يتحفنا بمعرفته لكل انواع السمك، وكيف لا، وهو ابن بحر يافا ؟! وبسببه، اكتشفت ان الذ مأكولات الارض واطيبها هو السمك بلا منازع !!
بدأ اليأس يعتريني من تجاهله لي. احترت واشتدت حيرتي، وبدأت اشعر بثقل الوقت. ضايقني وضعي، واقفا قبالته كالأبله مصعوقا من ظهوره … وهو ينظر الي ببرود او ربما لا ينظر الي ؟!
كانت جماعتنا تضم تشكيلة من الاصدقاء مختلفي الاتجاهات والميول. فالهندسي والأكاديمي والدهان والاديب المحترف وشاعر العامية والمغني وانا العب دلله.
وبالطبع صديقنا … سنديانينا.
كان الوقت يمر ثقيلا كئيبا وانا أقف في مواجهة نظراته عله يعرفني، كنت متحمسا لمعانقته، يشدني الشوق لجلساته وأحاديثه وموسيقاه.
يراني؟ …
لا يراني …؟
لست أدرى !!
كنت وما زال مصعوقا من رؤيته. ظهوره قلب كل مفاهيمي. هز روتين حياتي. فيقيني انه لن يعود تلاشى بلحظات، وايماني غير المفهوم الان، بأن من يذهب لا يعود، يتبدد !!
كان الموقف يزداد تشابكا بين المنطق السليم وحقيقة ما يجري. بكيناه يوم ودعناه، وأيقنا ان أجمل ايام العمر انتهت بوداعه، وتحولت جلساتنا الى واجب ممل بعده، كآبة وانتظار لفرج لا يأتي، ثم بدأنا بالتفرق والتشرذم وأبقى الواحد بالكاد على علاقة بشخص اخر … وتحولت صداقتنا الى رصيد غير مستعمل … نلتقي بحرارة لتبادل تحيات عابرة. ويمضي كل في سبيله. صحيح ان ذكراه بقيت في اذهاننا، في وجداننا، في حرارة اللقاء بيننا، ولكنها ذكرى لشيء جميل غادرنا. تلاشى من حياتنا. فقدناه. هل حقا فقدناه ؟! ذهب ولن يعود ؟! ووجهه المطبوع في ذهني؟ وقامته المعروفة والمشهورة بكرشه المدفوع للأمام ؟! ووقفته، نفس الوقفة التي يتجلى فيها الان … والكاس بيد والسيجارة ” الجيتان ” باليد الاخرى.
كان يقول مشيرا الى سيجارته:
– هذه حارة تماما كما لو انها غجرية بالفعل !! (جيتان تعني غجرية).
حتى سيجارته تؤكد انه هو نفسه. لماذا يصمت هذا الصمت في مواجهتي ؟! ويبدو غارقا بنفسه بذهول غير مفهوم ؟!
يراني ؟!
ربما يراني، ولكنه لا يحرك ساكنا.
ترى هل استبد به السكر؟ ربما يشرب منذ زمن ؟!
آه يا صاحبي القديم … لا بد من شيء غير عادي في الموضوع. انت نفسك ولست انت. وجهك البادئ بالترهل. ولكنه غريب بلا حيويتك. أهي الخمر ؟! ولكن السكر لم ينسك اصحابك مرة. كنا نحن عائلتك ودنياك … لا تطيب لك الحياة بدونا، ولا تطيب لنا الحياة بدنك.
اشرت له بيدي شاعرا بكابوس يأس وضيق، اردت ان اناديه .. ان أعلن عن نفسي بطريقة حاسمة، ولكنه لاه عني بكأسه وسيجارته، وببعض المكسرات المالحة امامه.
صامت. مدد من الصمت يحيطه. ربما يفكر. يحزنه ما يراه بعد هذه الغيبة الطويلة. بحث عن صحبه فلم يجد منهم احدا حوله. وهو الذي اعتاد ان لا يجلس بلا صاحب.
يبدو كئيبا شديد الكآبة، لدرجة تشغله كآبته عما حوله. شدة صمته وجموده تجعله يبدو كلوحة مؤطرة … رغم انه يتحرك. اللوحة الجيدة ايضا ملأي بالحيوية والحركة، ولكنه يتحرك بلا حيوية، يؤلمني ما به. يرفع كأسه لشفتيه. يقبل الكأس؟… يبلع بلعة … يأخذ نفسا عميقا من غجريته. ويطلق الدخان بتلذذ وبطء، ثم يلتقط بضع حبات من المكسرات ويلتهمها … نفس الرغبة بالأكل والتلذذ به. اما حيويته فمفقودة. لا اراها. لا المسها. يبدو غريبا بدونها …!! رغبته الجلية بالأكل والتلذذ به جعلتني ازداد انتباها له تيقنا منه. وازدادت رغبتي لإثارة انتباهه لي.
اعتراني حماس شديد وانا اتخيل نفسي أخبر الاصدقاء بالمفاجأة. مفاجأة ظهوره المذهلة. عودته مخالفا كل منطق.
وما يهمني المنطق امام الحقيقة المتجلية؟
سأرفع تلفونا لكل الاصحاب. افاجئهم وأبشرهم بعودة سنديانينا.
– الو … سهيل … لقد عاد … اليوم رأيته … اقسم أنى رأيته.
سيفاجأ اولا بصوتي ونبرتي. لن يفهم ما اعنيه والا ذهبت حلاوة المفاجأة. وتقريبا اتوقع جوابه:
– نبيل ماذا جرى لك ؟! منذ فترة طويلة لم ارك، وتتصل لتقول لي كلاما غير مفهوم ؟!
– حازم … حازم بلحمه ودمه. اليوم رأيته. التقيته فجأة. شيء لا يصدق. لا تسألني. اترك المنطق جانبا. اتكلم عن رؤية بأم العين. لا تصدق؟ أنا ايضا لا اصدق. نلتقي عنده مساء !!
واقفل السماعة، ليصعق بالخبر والمفاجأة. لن يصدق حتى حازم بعينية. تماما كما اراه امامي. ليهرش ذقنه مفكرا حائرا. ليتحرك عن مقعده باحثا عن صاحبنا. لينقل الخبر لكل الاحباب والمعارف …
– الو … فوزي ؟!
وكالعادة ترد زوجته …
– من يريده ؟!
– انت سكرتيرته … منذ متى لديه سكرتيرة …؟!
– نبيل ؟!
– نفسه .. يا خبيرة بالأصوات. أين فوزي ؟! سلامات يا اسمر يا عربيد، لماذا لا ترد على التلفون بنفسك … عندي خبر مفاجأة … اصمت واسمعني للأخر، اليوم التقيته صدفة. وجدته امامي. كان يشرب كاسا عند منصور !! … عرفت من ؟! … يدخن سيجارة جيتان … بتلذذ وكأنه بوصال مع غجرية حقيقية. لا تصدق ؟! انا رايته ولم اصدق. اسمع بلا مقاطعه … اترك المنطق برعاية زوجتك. هل عودك جاهز ؟! مساء نلتقي عنده !!
واقفل السماعة !! واتصل مع الاخرين:
– جميل ؟ … سلامات. سيمون؟ اين وصلت مع صاحبك النواب ؟!
وانشر المفاجأة عليهم. اجعلهم يطيرون من الفرح. عادت ايام زمان. الايام التي لا تنسى. ايام الفرح. والسمر حتى الفجر. لن تتبدد ليالينا امام التلفزيون ومقارعة الاولاد، عودته أجمل من الحلم.
هل حقا عاد ؟!
هل يعود من يغادرنا؟
كنت لا ازال اتحرك امامه محاولا لفت انتباهه. ينظر لجهتي ولأمر غير مفهوم لا يحرك ساكنا.
ربما لا يراني ؟!
يثيرني ببرودته غير المتوقعة؟ يربكني بتجاهله غير المفهوم.
أيجوز انه ليس هو ؟!
اكاد أفقد ثقتي بنفسي. ما يعتري هذا الرجل؟ هل عاد جسدا بلا روح ؟! فقد ذاكرته؟ فقد صلته بماضيه؟ نسي ما يربطه بالأصحاب؟ تلاشت ذاكرته؟ أمّحي الماضي من ذهنه ؟!
مذهلة الافكار التي تراودني عنه. شعرت ببعض الخوف من استمرار تدفقها وغرابتها. نفضتها من ذهني ثم ناديته كمن افاق من غفلته:
– حازم ..
ينظر الي فيقشعر جسدي وتنقبض نفسي انقباضا مؤلما. يتأملني بهدوء غريب وعميق كمن يحاول ان يتذكر شيئا … فاشعر بحرارة اشد من حرارة النار تصليني. يغرقني العرق والضيق. يعود الى كأسه بتلقائية دون ان تسبب رؤيته لي لأي رد فعل عنده. يواصل سحب الانفاس من ” الجيتان ” ورشف الخمر والتلذذ بالمكسرات المالحة. ينتقل جسدي من الحرارة الشديدة الى برودة كبرودة الماء المثلج.
يعذبني تجاهله لي. ماذا اقول للأصحاب؟ هل كتب على شملنا الا يتجمع ثانية ؟! ان يمتد الفراق ويغيب اللقاء ؟! تتلاشى السعادة وينتهي الفرح ؟! يتضاءل الامل ؟! يسود خريف ؟!
نشتهي الربيع وتفرع احلامنا من الامنيات؟ تزاحمت استفساراتي وتوالت تعجباتي. سعيت وراء مجهول يهبني الهدوء. ظهور غريب امامي. هل انا في زمن غير زمني ؟! في مكان غير مكاني ؟! في عالم غير عالمي ؟! اومأت اليه يائسا. واصل صمته ورشف الخمرة من كأسه. شعرت أنى أطلت الوقوف في الشارع ناسيا نفسي، غير منتبه لنظرات الناس المارين حولي. ربما يقولون اصابه الهوس فجأة ؟! لطف الله حل عليه ؟!
هل اتقدم وأخبره بحقيقتي؟ انشط ذكرياته؟ هل اكشف اللثام عن بعض ما يجمع بيننا؟ انزع الحجب عن ايامنا وليالينا؟ افتح ابواب الماضي … وأطلق ذاكرته من سبوتها ؟!
اردت ان انطلق نحوه واعانقه عنوة. ولكن برودة رد فعله غير المتوقعة على ندائي اوقفتني. اثقلت لساني واضاعت مني الكلام، وانزلت على الصمت.
مضت برهة ثقيلة وانا اتنقل بين الحر الشديد والبرودة القاسية. وفجأة اتقدت فكرة في ذهني فخف حملي.
تقدمت نحوه بوجل ما. تخلصت من اكياس الخضار والفواكه قرب المدخل ووقفت قبالته مستنفرا كل حماسي مجندا كل حواسي، وموقظا كل افكاري، متحضرا لمرافعتي. واجهته وقلت بهدوء وانبهاري باد متجل:
– حازم ؟… متى عدت ؟!
– اشتقت فجئت ؟!
اجاب ببرودة حيرتني. فأصررت:
– متى ؟!
– منذ اشتقت !!
لا يبدو عليه شوق لشيء سوى كأسه. واصل اتكاءه، غير أنى لمست اتساع حدقتيه وهو ينظر الي فاستبشرت خيرا، رغم بلادة اجاباته وعدم وضوحها وغموض احاسيسه.
– اشتقنا لك يا حازم .. الواقع ان مجيئك غير متوقع. نوع من المستحيل. شيء لا تفسير له. لو أيقنا أنك عائد لسعينا لا عادتك … الى لقائك.
يبتسم ابتسامة صغيرة لا تعبر عن فرح ولا عن يقظة. مع ذلك كانت كافية لإثارة حماسي وأملي ويقيني بقرب ذوبان الجليد بيننا. كأنه يخبرني بابتسامته عما في قلبه. وعلى نقيض ذلك، كنت كلما ازددت تأملا في حقائق ما يجري تفيض حيرتي أكثر.
هل حقا غادرنا ام أنى واهم ؟!
ربما انا من فقد ذاكرته وها هي تعود لي؟ ربما هو لا يتوقع عجيبة تعيد ذاكرتي ؟! ماذا يحدث لي ؟! وما هذا الذي يخطر على بالي ؟! واين تغيب الحقيقة ؟! ولماذا يتأملني بهذا الشكل ؟! ها هو يحرك شفتيه … ترى ماذا يريد ان يقول ؟!
– هل تعرفني ؟!
ما هذا السؤال ؟! بل ما هذه الورطة ؟! يفحصني ؟! سأل بهدوء وبكلام قاطع لا يتفوه به الا ذوو المعرفة القاطعة. شعرت برأسي ينقطع عن جذره، بأفكاري تعوم حائرة مترددة، وبخواطري تتلاشى.
اجبت وكنت كمن يتعربش خشبة نجاة في بحر لجوج:
– اعرفك ؟! وكيف لا اعرف حازم ؟! لم يكن لي صديق عزيز على نفسي مثلك !!
– انا لا اتذكرك !!
نفس اللهجة الواثقة القاطعة التي لا يتفوه بها الا ذوو المعرفة القاطعة … ومع ذلك لمست، او هذا ما اردت ان أشعر به، بانه لم يوصد الباب بعد. ومع ذلك آلمني جوابه.
اندفعت لذهني بلا ترتيب ذكريات متشابكة من الزمن الماضي. حاصرتني الذكريات ولم تترك لي منفذا. انكمشت وانخرست لحين غارقا بكابوس شديد.
اصفاد ثقيلة تقيد فكري وتحول دون تذكر ما كان بيننا.
اصررت على العودة لذاكرتي للتأكد من حقيقة افكاري وتوضيحها. كنت كمن يصعد جبلا بالغ الارتفاع وعلى كاهله حمل ثقيل … ما ان يبلغ بحمله قمة الجبل، حتى يهوى حمله للقاع … فيعود ليسحب حمله صاعدا مرة اخرى. انها مأساة سيزيف، تتكرر بأسلوب عصري، دون تدخل الالهة واحكامها الغريبة.
عدت افحص يقيني. افحص نفسي. افحص وضعي، ربما وهما عابرا يعتريني؟ خلل بالرؤية؟ خيال جامح يشق طريقه متجاوزا منطق الاشياء واصولها.
أتأمله وهو لا يحرك ساكنا. لا يضايقه وقوفي امامه وتحديقي به …

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “حازم يعود هذا المساء”

  1. رواية حازم يعود هذا المساء ناقصة اكثر من نصفها- نبيل عودة ؟؟ هل ارسلها مرة أخرى؟

اترك رداً على نبيل عودة إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق