ثقافة السرد

مُقبلاتٌ مُلوَّنات، وأُخر باهتات

لـ ماجد سليمان*

أطوي راجلاً بيد نجد، وأهمس لرملها: تُحدِّثك نفسٌ تَعِبَتْ تُـحاوِرُ الأطياف، وتُناوِرُ الصُّور والذِّكريات، وكأنَّ الخيال والواقع، قَمَرَانِ صَغِيرَانِ، يركضانِ إلى النَّهارِ فَرِحَيْنِ، يَلُمَّانِ النُّجُومَ في سِلالِ العُمْرِ البَهيِّ، ويَنثُرانها ليَعُمَّ السَّلام، إلا أنّهما يخشانِ الليل، الليل نهر العَتَمات التي تُقلّ قارباً خشبيّاً دون مجداف، عليه جماعة من الصمّ أميرهم أبكم ضرير، لقد أبدع البشر في تقبيح الألوان، واستبدال ضوئها بالنار، فما برحت الأحزان، تخبط خبطاً عشوائياً، لذا يُصيب خبطها المتألمين، فتملأ غِلالهم بطحين الألم والحزن أكثر، ليخبزوه طعام الآبدين، أيامٌ سرقن الألوان وخبأنها هاربات، ومُقبلات مُلوّنات وأُخرُ باهتات، فلا شيء أكثر من ليل يطوي الـمدلـجين، وهم يُنادون في الظلمات: هل من واحة قريبة.؟.
استحالت أيامي إلى ممرّات تتّسع للصور والذكريات فقط، وعلى حيطانها أكفٌّ توادع بعضها، لقد زُرِعَت حسرات طويلة في قلبي، إنّه الكِبَر، الكِبَرُ: سجنٌ يضيق كلّ ما تقدّمت بنا السنوات، وتضيق فسحة العمر كلّ ما ابتعدت سنوات الطفولة، لأن حياتنا الجميلة مرهونة بطفولتنا، على أنَّ جذوع الذكريات النابتة في تُربة الروح، تُعجِزُ فؤوس النسيان، ورغم كل هذا، تبقى ثقتنا بأنفسنا، قواربنا في يمّ الحياة.
ليتَ من تنظر إلى التعثّر في روح المتحدّث حيث يداها تقبضان اللسان وتفلتانه على لحظات، فللبشر حالات من الضعف المستطاب، حين يلتقون بآخرين يشبهونهم، تُخفيهم الأيام بعدها ليستحيلوا صوراً ضبابية مركونةً في جيب الذكريات، وما أدراك ما الذكريات؟ لُقيماتٍ يُقمن صُلب الوفاء لمن غادروا، وتركوا تحت الوسائد الثقيلة رسائل الوداع الأخير، كعزاء دائم، كذلك جلالة الحب لا توصف إلا بمعاناته، قائماً على التجربة المتحرّرة من كل ما هو مفروضٌ عليها، ليستوي ألماً لذيذاً يكون الفرد: عاشقاً ومعشوقاً معاً.
كصورٍ في مرمى البصر، أرفع الغصن عن صفحة الرمل، فتدفنُ يَدُ الريح أسماءهم، وتلطمني بالغبار، آمنت وقتها أن روحي مثقوبة من كل جهة !! فكلَّ ما أكل العذاب من جلدي، وقضم من عظمي، وكَرَعَ من دمي، يرقُّ قلبي، وتتبلل نفسي أكثر، وتحنُّ روحي أكثر، تحنُّ لأمنيةٍ غابت عنّي، غابت قبل عقود ككرات الماء، خيالها يُنازعني يومي وليلتي، ولصُبحها خيطُ ضوءٍ نحيلٍ يَتسلّل إلى غرفة روحي، أزداد توقاً كل ما نظرتُ إليه، وأترنّحُ بين الوَصْل والغياب.
إنه الفَقد، حين يغادرون دون تلويـحة وداع، أو دون أن يتركوا في ثيابنا عطرهم، يأبى الموت أن يفعلوا ذلك، كذلك الغياب، لُججٌ تصعد ولا تهبط، من ورائها رهطٌ قمصانهم بلا أكمام، تُعلمهم كيف يعزفون آلة الحنين، وتُلقّن من أمامها أغاني الابتعاد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماجد سليمان، أديب سعودي،
صدر له حتى الآن أكثر من 19 عملاً أدبياً
تنوَّعت بين الشعر والرواية والمسرحية والقصة وأدب الطفل.

*السعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق