ثقافة السرد

فنجان قهوة بطعم الصحو

أيمن مارديني

  أخرج من عباءة نومي عارياً من الأحلام مرتدياً صهوة الصحو. أضجر من التفاصيل التي تحوطني. هي متجددة كل يوم، ولا أمل لي بألفة أشتاقها للمكان. سريري ليس هو ما تعودت أن أعانقه كل نومة لي، خزانتي لا تحوي ملابسي التي اشتريتها ذات فراغ جنسي،  رائحة احتلام ما معلقة في سماء الغرفة . أنتشي بأن الشيب لم يعلق على تفاصيل حياتي السرية بعد، ويعاودني الضجر من الصحو ذات يوم،  وكل  يوم. باب الغرفة مغلق، ومعلق على صفحته الخشبية قفل حديدي . أسأل نفسي لأتذكر صوتي:

 

– باب وقفل … دخول ترى أم خروج من ذلك الباب ؟

أرتدي سيجارتي الأولى، وبين الشهيق الأول والزفير أتذكر أنني لا أدخن ذلك النوع من الذكريات …… لا ألفة تأتي من السيجارة التي تعودت .

أسعل سعلتي الأولى أم لا ؟

أتناول دوائي أم أنسى مرغماً نفسي على أني لم أكبر سنة أخرى، و بحاجة إلى تلك الحبة اللعينة التي تلازمني .

جيد …… أول مشاعر الألفة تأتي إلي من الدواء… شكراً لك أيها الطبيب اللعين … جعلت مني عبداً للعمر الذي مضى .

هي الرشفة الأولى من القهوة ما ستعيد إلي الحلم الجميل في الصحو .

رائحتها، ملمس حباتها الدقيقة تحت لساني، زغب النكهة وحس الفقدان لثديها ما يجعل من حلمي أكثر واقعية . أرتشفها بهدوء، وأحلم بصحوة هنيئة بين دفء نهدها البكر دائماً .

أطلبها مرة أخرى، وأحتسيها بهدوء تعودته أنا، وأحبته هي .

ترى ثديها هو اليقظة أم الحلم ؟

صوت جاري يأتي إلي واضحاً  وهو يعنف زوجته و يشكو غلاء الحبة الزرقاء. تصرخ في وجهه، وتقول له : وأنا أيضاً مازلت على تهديدي لك، إما تلك الحبة، أو سأعود إلى مشاهدة الأفلام الإباحية، أو أتلصص على ابن الجيران .

ويعود الصمت إلى الجدار بيني  وبينهما، لربما ذهب إلى صديق ليقترض منه حبة لحين ميسرة .

أفتح النافذة لأصطدم بالمشهد الخارجي. ذاتها الأبنية التي أعرف، نفسه هواء مدينتي المكتوم، الأشجار العارية من الأغصان والأوراق، ولا ترتدي سوى الجفاف. إحداهن واقفة في الشرفة على يميني .

تراني أطل  وتطل هي علي؟

تخرج لي لسانها بدلال أنثوي، وإغراء مكشوف .

من هي ؟

ترى هل زارتني في الاحتلام، أو أتت إلى بابي ذات يوم،  تطلب مني إصلاح الكهرباء التي انقطعت لديها، و كاذبة كانت ؟

أبادلها الابتسامة، وأقول لنفسي : جميلة كانت في صباها… لربما تعاني الآن من قلة الأصدقاء، و هجرة الأبناء لها بعد وفاة زوجها .

أفتح النافذة مرة أخرى لعل المشهد يتبدل، أو يتذكر تفصيلاً له نسيه المرة الماضية. ذاتها الأبنية التي كانت في المشهد الأول، نفسه الهواء للمدينة الجاف، هي الأشجار مازالت واقفة على عريها، والمرأة  مازالت على شبقها المصطنع،  ولكن شيئاً ما ينقصه المشهد هذه المرة ؟

تفصيل ما غادره. ناقص هو كماله عما رأيته أولاً .

ما هو ؟

أسأل، وأضجر .

السماء … أجل … السماء غير موجودة في المشهد، غادرته، ذهبت عنه، ولا يوجد أزرقها الذي أشمه كل حلم ، وبياض سحبها الذي يغطي سواد شعري .

أأغلق النافذة، أم أفتحها مرة أخرى ؟

أنظر إلى الغرفة، وأرى سقفها سماءاً لها قمر، وشمس، ونجوم، وسحب، ومطر على وشك السقوط في الغرفة.  قطرة تلمس خدي تعلن بدء الهطول. أركض إلى كتبي، وهاتفي المحمول، وجهاز الحاسوب أخبئهم في خزانتي. أرتدي معطفي، وأرفع مظلتي المطرية فوق رأسي، وأنتظر المطر. قطرة أخرى أمسحها بإبهامي وأنظر إليها، أجدها زرقاء اللون.  قطرة ثالثة و رابعة و  خامسة ، و تبدأ السماء،  سماء غرفتي تهطل أزرقها علي . أعمدة سائلة من الأزرق للسماء يهطل بغزارة. مطر يغرقني، يحوطني كقضبان سجن أقف خلفه، والسماء تفقد أزرقها ببطء، ورويداً رويداً ، وبسهولة ويسر، ليرتدي اللون الأزرق كل التفاصيل لليقظة.

جميل هو الأزرق كما كان في السماء، أم هو آثار كدمات عشق آفل مر على الروح والبدن أيضاً، وليس لون جسد البحر؟

أخرج من بيتي، من حلمي، من الأزرق، وإلى اليقظة أسير ككل يوم .عمل روتيني أقوم به كل يوم. أذهب إلى مكتبي في اليقظة، أمارس عملي، أقبض راتبي كل أول شهر، وأعود إلى غرفتي الوحيدة في بيتي الوحيد لأستلقي على سريري الوحيد لأرتدي نومي .

أصحو على حلمي، وهو يحاول أن يدعوني إلى يقظة أخرى. يلكز كتفي، يحاول إيقاظي، وأتغافل أنني في النوم مازلت. ليصرخ حلمي بي :

– هيا .. قم .

أفتح عيني، أراه واقفاً يرمقني و يبتسم لي، وأسمعه يقول بصوته البعيد دائماً :

ومازال في الحلم متسع لك، للوقت والذكرى والنشدان التوق الشوق والعشق الوله السقم، وأسماء أخرى لم يأت بها أحد من قبل لما يعتمر الحلم .

أنا الحلم لك … خذني متى شئت، ولكن لا تدعني دونه … لا تتركني وحدي دونه .

انظر إليه، وأعود إلى ارتباك اليقظة.

                                                                                                              23/10/2011                           

***

ضوء الباب الخلفي

-سوف أعود الى سورية في السر .

كلمات قليلة ألقيت بها في وجه حبيبتي صباحاً، ونحن نتناول القهوة .

كان صباحاً، ولكنه الليل من خيم علينا سحابة كالحة، سوداء، متخمة بالصور والفيديوهات المنتشرة على الصفحات، والقنوات التلفزيونية .

كان القرار صعباً، ولم تتحمل وطأته كما ابنتي، وابني الذي لن يفهم سواد القرار.

لم يكن الاشتياق ما دفعني اليه، فأنا كنت على يقين أنني لن أر ما أعرفه عن دمشق، وغادر معي منذ حوالي ثلاث سنوات .

وأيضاً رائحة الياسمين التي تغنى بها الشعراء، فهي قد غادرت أنوفنا قبل عقد، و أحتفظنا به عقداً في مجالس الغربة فقط .

هو، ربما الشعور بالذنب وساديته التي أصبحنا نلتذ بها كل ليلة في خلواتنا السرية والمعلنة.

لكن هو لساني من نطق، وكان أسبق في قراري مني !

أجل …..

كان لوقع الكلمات على أذني دوياً هائلاً، كأنني أسمعها أول مرة، ولم أفكر بها قبلاً

–  ماذا عن أولادك، أنا، حياتنا، و ……

سقطت في بحر البكاء، ولم يكن له شاطئاً ترسو عليه عتم صور الغد.

لم أفكر بكم، كانت أنانيتي هناك، في دمشق .

وفقط هناك .

أجل. ..

هكذا كان لسان حلمي ينطق .

– وماذا عنكم ؟

– ترى ما حالكم ان توفيت هنا مثلاً و بجانبكم، أو في الغرفة المجاورة ؟!

– أيمن …. تذكر سفرك السنة الماضية لرحلة عمل ولمدة شهر، شهر واحد فقط ، كان أولادك في هيستيريا، وفقدان، وشوق لم أستطع تحمله وحدي… أرجوك …فكر ثانية… حاول… أعلم مدى اشتياقك، ولكن …..

– هو ليس الاشتياق.

– لموقف تقوم به لا يناقض ما تقوله.

–  أيضاً ليس هذا وحده، فأنا عندما كنت أقول، كان قولي ليس الا ما أراه مناسباً، واتقنه، وان كان بسيطاً أمام الأخرين ….لا … ليس هذا فقط ما قصدته.

– أولادك … حياتنا … مستقبلهم؟

– أعلم أن رحلة الذهاب ليست كما العودة، لربما ينتظرني مصير كصديقي عمر، أو أيام في المعتقل كرفيقي زياد، أو حتى مجهولاً كوسيم و الذي لا نعلم عنه شيئاً والى الآن، لكني أيضاً أريد أن أذهب … لا مفر حبيبتي… البحر من ورائي أغلقت أبوابه، و دمشق تناديني كجنية الحلم. هو سحرها الذي لا يقاوم ، و ضعيف أنا أمامه.ا

– اذن لن تذهب …. وحدك ….. نحن عائلة واحدة ، وطالما كنا كذلك . مصيرنا واحد، و قرارك مناسب،  لكن ليس لك فقط.

سنذهب جميعنا، وما ينتظرك أيضاً ينتظرنا .

الانتظار واحد دائماً، و ان اختلف صوته من أحد الى آخر .

وأليست كلماتك ما أقوله أنا الآن !؟

– هيا … احزمي الأمتعة … هيا بنا،  لكن لا تنسي أحلامنا أن تحزميها، و هدايا الغد، و ضوء شباك غرفة أولادنا، وعصافيره التي توقظهم كل صباح .

– لا … لن أنس الكلمات أيضاً التي طالما تفوهنا بها في مجلس أصدقائنا في غرفة الجلوس، و دموع ذكرياتنا أمام شاشات التلفاز عند رؤيتنا لدمشق تتهدم، وتكاد أن تصبح بائدة .

–  ماذا عن جمال أطفالي، وشقرتهم التي ورثوها عني، وكحل عيونهم الذي زرعته فيهم… ماذا لو غادرهم في تشويه اليوم واللحظة العتم التي تعيشها دمشق الآن؟

– هي لهم، ونحن من أتينا بها لهم، وليست حقاً لهم . هي ورث من الممكن أن يبغضوها يوماً لسبب ما، وليست اختيار حر منهم لهم.

– ماذا لو ………

– يكفي أيمن … يكفي ، والا سأعود في قراري.

وتضحكين، وأضحك، وتغادر نظراتك الى الجهة الأخرى تخفين فيها دمعة تسللت خلسة .

حارة، حارقة، تكوي خدي كانت دمعتك، ولا أقوى على مد كفي لأمسحها عني، ولكني أمدها لأدير رأسك تجاهي، وألعق دمعتك .

الدمعة كانت سكراً، وحلوى، وأرجوحة طفولتي أيضا.ً

– أحبك … جداً، وتعلمين، وأخاف عليك، ولا تعلمين .

– أعلم جيداً، وأخاف على أطفالي الذين لم يغادروا رحمي الى الآن، وان بلغوا من الطفولة لعباً و لهواً بريئاً. وتعلم أنت ذلك أيضاً.

– هل سنندم على القرار الذي اتخذناه يوماً، أو ساعة، أو تحت الشهقة الأخيرة لنا تحت تعذيب سوط الوطن، أو من هم على انعكاس صورته.

– وان كان، نحن من قررنا،  نحن من فعلنا، وهذا حقنا كبشر، وان ضعفنا كماتقول و أعلم أنه سيحدث، الا أنه أيضاً بشري جداً، ولا مانع من الندم ، فهو سمة القوة أمام جبروت الواقع لنحيا.

– هيا بنا.

– هيا…..

– لكن ماذا عن أصدقائنا هنا، علينا أن نخبرهم، ونعلمهم بما ….

– لا … دعينا نعلمهم بأنفسنا ان عدنا، أو يروا بأنفسهم فعلاً سنقوم به لغد، ربما أفضل .

– توقف … خطر لي أنه ربما ان مكثنا هنا، أن يأتي يوم، و نكون نحن من يبني الغد لدمشق، و ……

– أجل،  لكن صفحات التاريخ تقول ما من حضارة تباد لها أن تعود بيد من كان فاراً من ظلمات ليلها .

ان كنا نظن أننا نور، علينا أن نزرع ذرات ضوئنا لمن حولنا، وننكر أدوات الأسئلة .

هيا بنا .

– هيا… بنا، ولكن …..

 يتناهى الينا صوت بكاء.

أنظر اليها، وأهمس، أليس سامي من يبكي ؟

– أجل …في نومه.

نقوم من مجلسنا، والقهوة، وكلامنا، بعد أن تمتد يدي الى ذراعها، وأقول

– هيا بنا .

نغادر الغرفة، ونترك الباب خلفنا موارباً.

                                                                                                                                                             2013

***

ممنوع الاقتراب أو التصوير

طالما أحببت وأنا صغير أن أختبيء أسفل طاولة الكتابة في غرفة أبي، والتي أسماها مجازاً ” غرفة المكتب ” .

هناك لعبت بغبار الشمس المتسلل من نافذة الغرفة، وقطفت منه الكثير لألوكه، ومعرفة طعم الضوء. تسللت الى عوالم ألف ليلة وليلة، وكتب أبي الفقهية، غرقت في عدم الفهم لأبن عربي، والنفري، الا أني احببت رسوم خط كتاب قصائد الحلاج .

قلبت صفحات الفنانين العالميين، ورسوماتهم، والعري الفاضح الذي أثارني كثيراً.

وكان يعلم أبي أني هناك، كان يدعني أكمل ما ابتدأته.

وعندما مرت الأيام، وكبرت .

أيضاً أحببت أن أختبيء، خلف ستار وهمي على باب غير قابل للاستعمال في بيتنا . كان الفراغ الصغير بين الباب والستار يكاد أن يحتويني، الا أنه دائماً كان مكاناً براحاً ، واسعاً ، مليئاً بالصور التخيلية، الألعاب المتوهمة، والحوارات بيني و بين أشخاص أرسم أنا ملامحهم على هواي .  كنت أجد فيه من الهواء دائماً ما يشبعني، و يملأ تجاويف صدري الصغير ورئتيي الدقيقتين، الحساستين دائماً لالتقاط الأمراض بسهولة .

دائماً كانت أختي الكبرى تقتحم مغارتي هذه، بحجة البحث عن شيء ما فقدته، وتتصنع عدم رؤيتي. الا أنها كانت تحب أن تتطامن علي .

وعندما كبرت أكثر … أحسست أن الأيام لم تمر .

ومازلت أختبيء عن الأعين ، وأحداث الحياة الصغيرة ، التي لم تسترعيني البتة .

هو عالمي الذي أخلق تفاصيله كما يحلو لي ، وأكون أنا دائماً من يقرر من سيكمل لعبتي، و من سيختفي برفة عين مني،  يغيب في قاع ذاكرة معتمة .

احترفت عالم الكتابة، والخلق، والفن أصبح هو هاجسي الأثير. رسمت شخوصي وأحداثي، ملامحهم،  لباسهم،  كلامهم،  حركاتهم، ونهايات أحلامي معهم بدقة أكثر .

ومازال اختبائي بين دفتي كتاب، هو الرحم الذي فقدته على أعتاب صرخة حياة .

الى أن جاء سامي … ابني، ووجدته يوماً يختبىء أيضاً تحت طاولتي التي دأبت الكتابة عليها، وقال لي:

– أبي…. هل رأيت سامي ؟

– لا … أين هو … لم أره اليوم ، وأنا مشتاق له كثيراً .

– لا أعرف … أنا أيضاً لم أره اليوم . هل تريد أن تقول له شيئاً ؟

– أجل … الكثير .

– مثل ؟

– أنا أحبه كثيراً.

–  أنا أيضاً أبي أحبك كثيراً .

– ماذا لم أسمع … هل سمعت شيئاً ؟

يضحك و يقول

– لا …لم أقل شيئاً .

– وأنا لم أقل شيئاً .

– سامي

– نعم

– دقيقة

أهبط اليه، أجلس بجانبه، وأختبىء مثله، وأقول له :

– حلو المكان … هنا تختبىء ؟

– هذا بيتي ، هل أحببته؟

– أجل … كثيراً … وأحببت ألعابك أيضاً… هل تعطيني هذه ألعب بها؟

– لا … دع أباك يشتري لك واحدة .

أتصنع الحزن وأقول:

– أبي مات .

– لا تحزن … أنت قلت أن من يموت يصبح نجمة .

– أجل .

– هل تريد أن تأخذ هذه اللعبة الأخرى ؟

– أجل …شكراً … أحبك أنا .

– هيا نلعب .

ويستمر اللعب بيننا، الى أن يدق أحدهم باب البيت، وأذهب أنا، وهو يتعب من الانتظار، ينام هناك . يغفو على البساط الأحمر تحت الطاولة، وهو ممسك بلعبته التي أعطاني اياها، يتشبث بها جيداً .

وهنا … يأتي أبي، وأعرفه من رائحته، وأنا بين النوم واليقظة، يرفعني بحذر، يحملني، و يذهب الى سريري. لأكمل نومتي هناك .

 

2014

 

 *أيمن مارديني: روائي وقاص وشاعر من سورية 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق