قراءات ودراسات

جغرافية هجرة “النبي” ابراهيم – بين التوراة والواقع

​داود سلمان الشويلي

آخر ما توصلت له الدراسات الجغرافية/التاريخية، اللغوية، في قضية فلسطين وإسرائيل، ان جغرافية سرديات التوراة، من الوجهة اللغوية، هي جغرافية أرض اليمن وليست أرض فلسطين كما حاول، ونجح في محاولة التلفيق هذه، رجال اللاهوت اليهودي، وبعض المسيحيين المتصهينين، وتيار الإستشراق التوراتي (1)، وأصحاب نظريات الاستعمار الامبريالي، فراحوا يلعبون على حبال الترجمات من الانكليزية، والسريانية، والآرامية، وكذلك العبرية الحديثة، وليست العبرية الصنعانية السبئية (2) التي كتب بها التوراة الأصلية، فترجموا التوراة حسب أهواءهم، وغاياتهم، وأهدافهم، اللاهوتية والاستشراقية، الاستعمارية، فغيروا أسماء المواضع التي وقعت فيها أحداث التوراة. وأمام هذه الكذبة التي انطلت على العرب خاصة ظهرت نظرية جديدة في ذلك بنقل جغرافية التوراة من أرض فلسطين الى أرض اليمن، وقد لحقها التاريخ أيضا، وصاحب هذه النظرية هو المفكر العراقي الدكتور فاضل الربيعي وقد وضعها في كتب عديدة، منها كتاب “فلسطين المتخيلة”، وكتاب “اسرائيل المتخيلة”، وغيرها من الكتب التي صدرت لهذا المفكر منذ أكثر من عشرين عاما.(3)
نحن نعرف إنه قد قال بعائدية التوراة لليمن المستشرق مرغليوت سابقا عنما قال في واحد من مؤلفاته: ((ان الوطن الأصلي للعبريين لم يكن في شبه جزيرة طور سينا، وانما كان في اليمن)).(4) وبعده طرح الدكتور كمال الصليبي نظريته التي نقل خلالها جغرافية التوراة من فلسطين الى أرض جنوب غربي جزيرة العرب، في أرض عسير المحاددة لليمن،(5) إلّا ان الدكتور الربيعي نجح في نقل جغرافية التوراة، وكذلك سرديات ما تزعم انه من تاريخها المليء بالأساطير، من فلسطين الى اليمن. وكان من بين سرديات التوراة، وأساطيرها، هجرة ابراهيم التي صورتها التوراة،(6) وتبعهم الفكر الاسلامي، على انها هجرة من أور الكلدانيين الى مصر ثم العودة والوصول الى حبرون.
لنتساءل هل كانت هذه الرحلة/ الهجرة كما رسمتها التوراة، أم هناك خطأ آخر في سيرها؟
***
1 – الغاية من الرحلة:
أولا- في السردية التوراتية:
تذكر السردية التوراتية ان سبب هجرة ابراهيم كان هو لإعطاء الأرض له ولذريته من بعده. تذكر التوراة في سفر التكوين: (7)
((وأخذ تارح ابرام ابنه، ولوط بن هاران، ابن ابنه، وساراي كنته امراة ابرام ابنه، فخرجوا بهم من اور الكلدانيين ليذهبوا الى ارض كنعان. فجاءوا الى حاران واقاموا هناك. وكان عمر تارح مئتي ستة وخمس سنين. ومات تارح بحاران.)).
(التكوين:11: 31– 32).
((وقال الرب لابرام: «اذهب من ارضك ومن عشيرتك ومن بيت ابيك الى الارض التي اريك. فاجعلك امة عظيمة واباركك واعظم اسمك، وتكون بركة. وابارك مباركيك، ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الارض)). (التكوين :12: 1 – 3)
إرتحل هو وزوجته وابن أخيه “النبي” لوط برحلة الى أرض كنعان حسب طلب الرب منه، ومنحه الرب “طابو = مستند” الأرض الممتدة من النيل الى الفرات،شفاها، له ولذريته من بعده، وهو العهد الذي كان بينه وبين الرب في هذه الأرض، له ولنسله: ((أرفع عينيك وانظر من الموضع الذي انت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، لان جميع الارض التي انت ترى لك اعطيها ولنسلك الى الابد. واجعل نسلك كتراب الارض، حتى اذا استطاع احد ان يعد تراب الارض فنسلك ايضا يعد. قم امش في الارض طولها وعرضها، لاني لك اعطيها.)). (التكوين:13: 15 – 17)
((واجتاز ابرام في الارض الى مكان شكيم الى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ في الارض. وظهر الرب لابرام وقال: «لنسلك اعطي هذه الارض». فبنى هناك مذبحا للرب الذي ظهر له. ثم نقل من هناك الى الجبل شرقي بيت ايل ونصب خيمته. وله بيت ايل من المغرب وعاي من المشرق. فبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب. ثم ارتحل ابرام ارتحالا متواليا نحو الجنوب. وحدث جوع في الارض، فانحدر ابرام الى مصر ليتغرب هناك، لان الجوع في الارض كان شديدا.)). (التكوين :12:7 – 10 )
((فصعد ابرام من مصر هو وامراته وكل ما كان له، ولوط معه الى الجنوب. وكان ابرام غنيا جدا في المواشي والفضة والذهب. وسار في رحلاته من الجنوب الى بيت ايل، الى المكان الذي كانت خيمته فيه في البداءة، بين بيت ايل وعاي، الى مكان المذبح الذي عمله هناك اولا. ودعا هناك ابرام باسم الرب. ولوط السائر مع ابرام، كان له ايضا غنم وبقر وخيام. ولم تحتملهما الارض ان يسكنا معا، اذ كانت املاكهما كثيرة، فلم يقدرا ان يسكنا معا. فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشي ابرام ورعاة مواشي لوط. وكان الكنعانيون والفرزيون حينئذ ساكنين في الارض. فقال ابرام للوط: «لا تكن مخاصمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لاننا نحن اخوان. اليست كل الارض امامك؟ اعتزل عني. ان ذهبت شمالا فانا يمينا، وان يمينا فانا شمالا». فرفع لوط عينيه وراى كل دائرة الاردن ان جميعها سقي، قبل ما اخرب الرب سدوم وعمورة، كجنة الرب، كارض مصر. حينما تجيء الى صوغر. فاختار لوط لنفسه كل دائرة الاردن، وارتحل لوط شرقا. فاعتزل الواحد عن الاخر. ابرام سكن في ارض كنعان، ولوط سكن في مدن الدائرة، ونقل خيامه الى سدوم. وكان اهل سدوم اشرارا وخطاة لدى الرب جدا. وقال الرب لابرام، بعد اعتزال لوط عنه: «ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي انت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، لان جميع الارض التي انت ترى لك اعطيها ولنسلك الى الابد. واجعل نسلك كتراب الارض، حتى اذا استطاع احد ان يعد تراب الارض فنسلك ايضا يعد. قم امش في الارض طولها وعرضها، لاني لك اعطيها». فنقل ابرام خيامه واتى واقام عند بلوطات ممرا التي في حبرون، وبنى هناك مذبحا للرب.)). (التكوين:13 :1 – 18)
***
ثانيا- في السردية الاسلامية: (8)
تذكر السردية العربية في القرآن، أو في الكتب المحايثة له، عن ابراهيم انه ولد، وترعرع، وجادل قومه عن إلهه الذي بحث عنه فلم يجدة لا في الشمس ولا في القمر:
((وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين * وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما أنا من المشركين)) [الأنعام :74 – 79 ]
ومن ثم حطم آلهة قومه، وعندما سألوه عن ذلك طلب منهم أن يسألوا كبير آلهتهم عن الفاعل:
((ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين* إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين*قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين* قال بل ربكم رب السماوات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين* وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين* فجعلهم جذ إذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون* قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين* قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم* قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون* قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم* قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون* فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون* ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون* قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم* أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون* قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين* قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم* وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين* ونجيناه ولوطا إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين)). [الأنبياء: 51 -71 ]
حاول هداية قومه ووالده إلّا انه فشل:
((واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا* إذ قال لابيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا* يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا* يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا* يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا* قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا* قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا)).[مريم:41 -47]
فعاقبوه، ونجّاه الله منهم برحلته التي سنتحدث عنها:
((وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ* إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ* قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ* قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ* قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ* قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ*وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ* فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ* قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ* قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ* قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ* قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ* فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ* ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ* قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ* أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ* قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ* قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ* وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ* وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ* وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ* وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)). (الأنبياء:51 -73)
((فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)).(العنكبوت – 6)
إذا، الرحلة كانت لحماية ابراهيم ولوط من عقوبة قومه ووالده له. (9)
لقد إختلفت التوراة مع القرآن في السبب الذي دعى ابراهيم للهجرة الى مصر ثم العودة الى دمشق، ومن بعدها الى حبرون. فيما تذكر التوراة ان السبب هو منح ابراهيم الأرض، فيما يذكر القرآن ان السبب هو لحمايته من عقوبة قومه. وقد اختلفتا في الكثير من أحداث الهجرة، وعناصر قصة ابراهيم، منها انها تذكر ان والد ابراهيم “تارح” قد ارتحل معه، فيما يذكر القرآن ان والده كان كافرا ولم يرحل معه.
***
2 – طريق الرحلة:
أولا: خط رحلة ابراهيم في السردية التوراتية:
كان طريق الرحلة كما جاء في التوراة:
أور الكلدانية – بابل – حاران – شكيم – بيت إيل – مصر – بيت إيل – حبرون – دمشق (10)- حبرون – جرار – بئر السبع – مريا – بئر السبع – حبرون.
***
ثانيا – خط رحلة ابراهيم في السردية الاسلامية:
بابل “يعني من العراق” – بلاد الشام – مصر – العودة الى الشام “فلسطين”
***
ثالثا – خط رحلة ابراهيم في اليمن:
يرسم الدكتور الربيعي في كتابه “ابراهيم وسارة – الهجرة الوهمية الى فلسطين” خط سير رحلة ابراهيم في اليمن فيذكر:
– جبل كسديم – حران “أرض القبائل الكنعانية المعينية”، أي من لحج والضالع وتوغل في تعز الى شرعب السلام – شكيم بن أخمور – مورة في لحج تسمى حبيل (11) مورة، ثم معبد بيت إيل “إيل مقة” – بيت عوي.
يقول الدكتور الربيعي ص75 من كتابه الآنف الذكر :
((نفهم من سياق قصة إبراهيم وسارة، أنهما كانا قادمين من مكان بدويّ هو جبل الكساد “كسديم” ووادي حران في لحج – الضالع، قاصدين دخول مصريم “وادي السحول في إب” وليس مملكة مصرن في الجوف، وذلك بسبب المجاعة، لأن النص واضح ولا يقول إنه قصد المملكة، بل مكاناً بعينه بحثاً عن الطعام والاستقرار. وهذه هي كل شروط الهجرة الدينية: مجاعة، شقاء الرحلة، وزوجة عاقر. ولأن سكان مصريم كانوا يعتبرون البدو نوعاً من “نجاسة”، نظراً لكونهم تجار العالم القديم بفضل سيطرتهم على تجارة البخور واللّبان، فقد كان إبراهيم وسارة وهما يخطّطان للدخول إلى مصريم، يدركان مخاطر الرحلة. يتضح هذا الجانب من الحذر وبجلاء في قصة يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، فقد أوصاه ابنه يوسف حين دخل مصريم، أن يخاطب مصريّي معين الجوف وملوكهم، بأنه “عبد” يرعى الأغنام)).
ويذكر (12) ان سبب الرحلة هو للتعرف على حدود الأرض الموعودة، أي أرض كنعان الخصبة “أراضي أوسان وقتبان” في اليمن.
***
– مناقشة سردية التوراة:
1 – ذكر القرآن ان ابراهيم طلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى (13)، فسأله الرب أوَلَم تؤمن؟ ، فرد ابراهيم: ليطمئن قلبي. وبقية الحكاية معروفة.
((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)).(البقرة:260).(ابراهيم وسارة: ص120).(التوراة: ص28)
نتساءل: هل المكان الذي كان يعيش فيه ابراهيم “أور الكلدانيين” فيه جبال، وأكثر من جبل، ليوزع عليها أجزاء الطيور؟
الجواب بالتأكيد: كلا، بل هي مدينة تقع في السهل الرسوبي للعراق. ان المنطقة الجبالية هي في أرض اليمن، مثل جبل كسديم(جبل كساد في مدينة الضالع) ، حيث أخطأ الذين نقلوا هذه الكلمة (מֵאוּר כַּשְׂדִּים) من اللغات غير العبرية بخلفية لاهوتية استشراقية، الى اللغة العربية، بمعنى الكلدانيين.
2– ظهر الكلدانيون بعد حوالي 900 عام من ظهور ابراهيم.
3– الوعد الذي أعطي لابراهيم يترجم في التوراة العربية الى: (فِي ذلِكَ الْيَوْمِ بتّ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ عهدا قَائِلاً لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الفرث) (14). وقد كان التلاعب في الترجمة واضحا لأسباب استعمارية. (15) والصحيح كما ترجمه الدكتور الربيعي من العبرية مباشرة هو: (لنسلك اعطي هذه الأرض من النهر مصريم ( נהר םץרימ ) الى الوادي الكبير) حيث لا وجود لكلمة مصر كأرض وقت ابراهيم كما هي الآن. وأيضا لم يرد لفظ الفرات، وانما ورد لفظ الوادي الكبير.
***
اذا، يمكننا القول مع الدكتور الربيعي: ((سيصبح التاريخ حقيقياً حين نستبدل بالرواية الزائفة أخرى حقيقية تستند الى الأركيولوجيا، وليس إلى الروايات الدينية والمثيولوجية. وفي هذه الحالة ستكون هجرة إبراهيم إلى فلسطين هجرة وهميّة اختلقتها روايات استشراقيّة- لاهوتية مهووسة بقصص التوراة.)). (16)
***
المراجع والمصادر:
1 – القرآن.
2 – التوراة – دار المشرق – 1986.
3 – إبراهيم و سارة – الهجرة الوهميّة إلى فلسطين – فاضل الربيعي – المجلد الثاني
الكتاب الأول – رياض الريس للكتاب والنشر – ط 1 – 2020.
4 – التوراة جاءت من جزيرة العرب – كمال الصليبي –تر:عفيف الرازي – مؤسسة الأبحاث العربية – ط 6 – 1997.
5- قصص الأنبياء – ابن كثير– تح:د. عبد الحي الفرماوي – ط5 – 1997 – دار الطباعة والنشر– ص193.
6 – دروس اللغة العبرية – ربحي كمال – مطبعة جامعة دمشق – ط3 – 1963 –ص 35.
7– الموقع الالكتروني يوكيبيديا.
الهوامش:
– ان القراءة الاستشراقية للتوراة بدأت بعد ثورة الاصلاح الديني 1542 م، كما يذكر الدكتور الربيعي ص 27 من كتابه “ابراهيم وسارة – الهجرة الوهمية الى فلسطين”.
2- يشير الدكتور الربيعي ان حرفي “السين” و”الصاد” هما حرفان متبادلان في اللفظ، ومعنى السبئية هو الصبئية، سبأ يعني صبأ،وقد جاءت من الدين الصابئي. ص 306 من كتاب ” إبراهيم و سارة – الهجرة الوهميّة إلى فلسطين”.
3 – من مؤلفاته: إرم ذات العماد.أبطال بلا تاريخ.العسل والدم.فلسطين المتخيلة. اسرائيل المتخيلة.المناحة العظيمة.المسيح العربي.القدس ليست أورشليم.الشيطان والعرش.شقيقات قريش.حقيقة السبي البابلي.كبش المحرقة.غزال الكعبة الذهبي.يوسف والبئر ابراهيم وسارة،المراثي الضائعة. أشعار الأنبياء ومزامير الكهنة.
4- دروس اللغة العبرية – ص 35 .
5- التوراة جاءت من جزيرة العرب .
6- ترى هذه الدراسة ان ابراهيم وأولاده هم أشخاص قد خلقهم مخيال أحبار اليهود كتبة التوراة على انهم الآباء المؤسسين لليهودية.
7- الكتاب المقدس – دار المشرق – بيروت – 1986.
8- ما جاء في القرآن والمصادر الاسلامية، مثل قصص الأنبياء.
9 – تذكر بعض السرديات الاسلامية ان الله قد منح الأرض الى ابراهيم وذريته – راجع قصص الانبياء – ابن كثير– ص193.
10- يعين الدكتور الربيعي دمشق في أرض اليمن في محافظة إب، عزلة بني محرم، قرية سواد، وتدعى اليوم محلة مغربة الدمشقي. ص118 ابراهيم وسارة.
11- الاراضي الجبيلية.
12- ابراهيم وسارة – الهجرة الوهمية الى فلسطين – ص67.
13- في سفر التكوين، يأتي طلب ابراهيم من ربه غير هذا الطلب، فقد سأل إبراهيم إلهه عن العلامة التي ستؤكد له أنه سيحصل على أرض الميعاد. (تكوين 15 : 8، 1). ((فَقَالَ لَهُ: «خُذْ لِي عِجْلَةً ثُلاَثِيَّةً، وَعَنْزَةً ثُلاَثِيَّةً، وَكَبْشًا ثُلاَثِيًّا، وَيَمَامَةً وَحَمَامَةً ». فَأَخَذَ هذِهِ كُلَّهَا وَشَقَّهَا مِنَ الْوَسَطِ، وَجَعَلَ شِقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مُقَابِلَ صَاحِبِهِ. وَأَمَّا الطَّيْرُ فَلَمْ يَشُقَّهُ. فَنَزَلَتِ الْجَوَارِحُ عَلَى الْجُثَثِ، وَكَانَ أَبْرَامُ يَزْجُرُهَا)).
14- التوراة – دار المشرق – 1: 15 – 18 .
15- راجع ابراهيم وسارة – ص25 – 26 وكذلك ص32.
16- ابراهيم وسارة – ص308. وكذلك ((وقد صرح وليام جي ديفير أنه وبحلول القرن الواحد والعشرين، فإن علماء الآثار تخلوا عن الأمل باسترداد أي سياق من شأنه أن يدعم اعتبار إبراهيم وإسحاق أو يعقوب شخصيات تاريخية حقيقية. و بالمقابل نجد ما يدعم وجود شخصية إبراهيم، وهذا ما كشف عنه علماء الآثار عام 1975 م حيث تم اكتشاف اسم إبراهيم مكتوبا في أحد اقراص اثار مدينة إبلا شمال سوريا.)) (يوكيبيديا)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق