ثقافة السرد

حازم يعود هذا المساء (2)

(حكاية سيزيف الفلسطيني)

نبيل عودة

كان يسافر للعمل معي يوميا، كنت امر عليه في بيته في الصباح الباكر، وكثيرا ما ايقظته ودخلت مطبخه اعد فنجاني قهوة منتظرا ان يرتدي ملابسه. نشرب قهوتنا ونسافر للعمل. كان المسافر الوحيد معي، وبسببه لم التزم بنقل عمال اخرين، محافظا على علاقات خاصة وتفاهم تام ولغة مشتركة جمعتنا، وصداقة مميزة شدتنا بحبالها فلم نفترق.
مساء وبعد انتهاء العمل … لا بد من شرب عدة زجاجات بيرة اثناء العودة، فالمسافة على حد تعبيره تستغرق ساعة سياقة كاملة مما يشكل تبذيرا للزمن لا بد من تغطيته بشيء يشرب او يؤكل، ودائما يؤكد بخطابيه يتقنها وبمرح ظاهر:
– كلما شربت اكثر يزداد ظمأي .. هل تعرف من هو اشعر الشعراء ؟! انه صاحبي ابو نواس. هو الوحيد الذي يفهمني كما فهمته، مع ان زمني غير زمنه. علماء اللغة والادب لن يفهموا تجليه وعليائه إذا لم يمارسوا الشرب ويدمنوا عليه. الشرب يا صاحبي هو زهرة الحياة، هو الفردوس. الم يعد سبحانه وتعالى الصالحين بأنهار من الخمر والعسل! فما البأس علينا إذا لم نصبر ؟! نحن هنا كفئران التجارب … شربنا وسعادتنا وانبساطنا هو النموذج والمثال الذي ينتظر الصالحين. فليهنأوا بما كتب لهم ولترتو اعينهم بما ينتظرهم. فلهم الانهار اما نحن فلنا بعض الزجاجات والمدللة …. هو الوهاب. فقط ابو النواس يفهمني … وانا افهمه. وداوني بالتي كانت هي الداء. والدواء من داء الخمر هي انهار الخمر، فهل يطولنا نصيب فيها ؟!
كنت أصل للبيت جائعا، وكثيرا ما دعوته للعشاء معي، او دعاني للعشاء عنده. وعلى اي حال لا بد من اللقاء بعد العشاء لتوديع يومنا ببضع كؤوس من الخمر. حتى تملكتني عادة الشرب اليومية. غير أنى لم أفرط بالشرب مثله. كنت أقف على الشاطئ بالا قدمي، وكان صاحبي يغوص في اعماق البحر ظمآنا لا يعرف الارتواء، جذلا سعيدا كالأطفال، ثم يطلق عقيرته بالغناء، او بما تيسر له من سور كرام. فيتجلى في صوته وابداعه !! فما باله لا يتذكرني ؟! ربما يتجاهلني ؟! ربما. ؟! ألف سبب وسبب ؟!
– لا تتذكرني حقا ؟! ألم نعمل سوية لمدة سنتين في مكان عمل واحد ؟! الم تسافر معي يوميا ؟! وامسياتنا وسهراتنا ؟! والليالي التي قضيناها متسامرين حتى الفجر، فربطنا ليلنا بنهارنا دون ان نعرف للتعب معنى وللارتواء طريقا ؟!
– صح صح .. الان اتذكر. لم اعرفك في البداية…!
قال خارجا من هدوئه، تاركا لابتسامته ان تشع أكثر.
تيقظت احاسيسي ونفضت عني الكآبة ودبت الدماء في عروقي من جديد. ومع هذا بقيت وجلا. فكلامه خال من الحرارة. كلمات تنطلق من جهاز تسجيل على شكل انسان. لا يبدو انه يعيرني اهتماما، او يلقاني بحرارة صداقة طويلة. تصرفاته تتناقض مع اندفاعه وحميته بلقاء الاصدقاء. ربما ليس هو ؟! كل الظواهر البارزة تؤكد انه هو. اتكون المشكلة في نفسي ؟! هل هو يسايرني ؟! تراه يشك بعقلي ؟! ام يجرب قوة اعصابي ويقيني ؟! ظهوره فاجأني. صعقني. ظهر مخترقا حدود المنطق. متجاوزا للأدراك العقلي. ولكني صاح ويقظ وافكاري مستقرة رغم ظهوره الغريب. لم أفقد قدرتي على التفكير بترو. لم تعم افكاري في بحار هوجاء. ولم تتخبط امام ظهوره المذهل، ولم تنحدر قدرتي على التمييز والملاحظة. انه حازم !! ما باله يحطم نسوتي بلقائه؟ وما هو الغريب فيما يحدث معي ؟!اليس ما يلم بي حالة غريبة تتناقض مع منطق الحياة ؟!
بدأت الحيرة تنتابني من جديد وبشدة أكبر. بدأت اشك جديا بما يجري معي. الى ذهني تتصاعد اسئلة متكررة تتقاذفني بين الكآبة والانفراج. بين فرح اللقاء وبرودة الاستقبال. اين تلاشت ايامنا المتوهجة بالسرور وليالينا المترحة بالنشوة ؟!
هل هو حلم يعتريني في صحوتي ؟! كيف وكل الامور واضحة جلية ؟! هذا انا، هذه اكياس الخضار، هذا شارع البنك، هنا مقهى منصور بوجوه زبائنه الذين لا يتغيرون، وهذا حازم بكرشه المندفعة للأمام وبوجهه الممتلئ. بقامته المربوعة. بأناقته في اللباس، وبالعطور التي تفوح منه. بخطيبته. بصوته. بسيجارته ” الجيتان “، فكيف لا اعرفه ؟! كيف وبيننا زمالة عمل، وصداقة شخصية عميقة لم يهزها الزمن تمتد على مساحة عقد كامل من السنين ؟! الم نكن نلتقي لمدة تزيد عن خمس عشرة ساعة يوميا بين العمل وجلسات السمر ؟!
مضت لحظة التقطت فيها انفاسي. طفوت الى اعلى عليين. ثبت يقيني وترسخ، ورأيت الصورة بكمالها العجيب، متجاوزة لأبسط قواعد المنطق.
ذكرته بأسماء الاصدقاء، وسألته ان كان يذكر ايامنا الحلوة. حاولت التأكد ان كان يدرك فعلا ما كان بيننا. فبدت حالي كممتحن لا يعرف أكثر مما يعرفه تلميذه. تذكر الجميع ونسيني وانا الاساس، فوثب على حزن عابر وحيرة شاملة، فصمت التقط انفاسي مزمعا على الخروج والذهاب في طريقي. غير انه ضحك وطلب لي كأسا، واشار لي بالجلوس على مقعد مرتفع قبالته. تأثرت من دعوته. همهم بكلمات لم افهمها، ثم اشار لأكياس الخضار، وسألني ان كان معي بعض الفاكهة؟ اسرعت واحضرت تفاحتين، وحبتي خوخ وبعض المشمش. فأبدى حماسا زائدا، وقال سعيدا واساريره تنفرج:
– التفاح ملك الفواكه !!
واضاف:
– لم آكل منذ زمن طويل … منذ غادرت.
حسبت فترة غيابه في ذهني وأجبت مذهولا:
– مستحيل … ثماني سنين بلا طعام ؟!
– وبلا فاكهة !!
حيرني كلامه فأثرت الصمت، متوقعا ان يكون قد حدث لعقل الرجل شيئا. ولكنه يبدو رزينا كما عهدته، هادئا كما عرفته، فما باله يروي لي قصصا لا تخطر على بال ؟!
سألته بنوع من الاستسلام امام ظاهرته الغريبة منذ البداية:
– وهل كنت تشرب الماء …؟!
لم يرد على سؤالي بقصد او بغير قصد، لا أدرى !!
الوقت الذي جمعنا ووهبنا السعادة هو الذي فرق بيننا واغرقنا بالحزن، وهو الذي يجمع بيننا اليوم بشكل لم أجد له تفسيرا معقولا حتى يؤول الزمن الى انتهاء.
رفع كأسه:
– بصحتك …
دعاني للشرب سعيدا
– بصحتك …
اجبت متوجسا من سعادته او من حقيقة ما انا فيه، مؤكدا لنفسي خلو ما يعتريني من الاحلام. وبقي غموض شديد يتحصن في ذهني، أعجز عن الولوج اليه وفهم محتواه، فقبلت بالأمر الواقع، وانا على يقين انه سرعان ما يعود الى طبيعته التي اعرفها. وقلت لنفسي: ” لعله اشتاق لكأس خمر فجاء يشربها ويعود من حيث اتى ؟! “
ساد صمت حار بيننا. وتسربت لأنفي روائح الريحان الذي ينمو بكثرة فوق القبور التي تقع مقابل مقهى منصور، حيت فاجأني لقاؤه. فاعتراني خوف وقلق شديدان، ولم أدر ما الدافع لهذا الربط بين الريحان والقبور. بحثت عن صورة او فكرة اهرب منها مما يعتري ذهني من افكار غريبة. استعصى الموقف على فاذا بالكرب يجتاحني اجتياحا. ما لي اخوض الطرق الوعرة معذبا نفسي ومرهقا فكري ؟! لأقبل بما هو واضح جلي، فلحظات السعادة قد لا تعود.
افرغت بعصبية نصف الخمر في جوفي، وتجلدت متحملا حدتها، فخف كربي ونشط فكري ولمعت بذهني صور عدة وذكريات متلاحقة. فسالت كمن افاق من غفلته:
– هل تذكر أمينة يا حازم ؟!
– آه … زوجتي !!
رغم مفاجأتي له بالسؤال الا ان جوابه جاء تلقائيا وبشكل عادي.
– ولكنكما لم تتزوجا ؟!!
– أمينة كانت دائما زوجتي .
يقينه هز ثقتي بنفسي وجعلني اتساءل بيني وبين نفسي: ” ما بال الانسان يتجاهل ويتعامى ويدعي ما لم يحصل. ويفضل الظلام على النور والغموض على الوضوح ؟! ” .
عدت اساله غير قادر على اخفاء استهجاني وحيرتي من المفارقات الغريبة التي تحدث معي:
– أمينة نفسها ؟… اليافوية ابنة التركي ؟!
– أجل زوجتي … دائما كانت زوجتي !!
اختلطت حواسي بشكل يصعب فصله، واحترت في معرفة حقيقة مشاعره وحقيقة نفسه.
ربما هو حقا انسان آخر يحمل نفس الصفات ونفس الشكل ونفس الميول ؟! كيف أتأكد من حقيقته ؟! ربما يهذي وقد عاد مصابا بالمس ؟! او تهيأ له اشياء غير واقعية ؟! يخلط بين ميوله ورغباته، وبين واقع الاشياء وتطور الاحداث ؟!
أين أنت من أمينة يا حازم ؟!
هل انت حازم حقا ؟! حازم المتجلي دوما ؟! الفطن ؟! المستقصي عن الحقائق من صميم الغموض ؟! الحذر في تقييماته ؟! المباغت في وضوح افكاره ؟! هل انت حازم حقا ؟!
الوجه وجهك رغم الشحوب البارز. القامة قامتك، والكرش المندفع للأمام كرشك. والصوت صوتك. نفس اسلوب التنفس واللهاث. دائما ينقصك شيء من الاكسجين. ربما يعتريه ذعر غير مفهوم ؟! هل حقا كانت نهاية لا بداية بعدها ؟! نصلٌ غاص للأعماق فقطع سبل الافكار والآمال والاحلام. فاقعى الأسد عاجزا عن الحركة، وتجمدت العاصفة فانتهت الرسالة وانتهى الانسان وتجلى العدم ؟!
حقا اقول ان نظراتك لا تعجبني. فيها كل شيء غير مفهوم، اخاف ان اقول غير بشري، نظرات انسان من عالم متجمد. ارتشفت نصف الخمرة المتبقية بالكأس عل نارها تحرق قهري من حقيقة ما يجري وغموض ما يعتريني وعذاب ما يعصف بي.
ماذا اقول للأصحاب ؟!
كيف أخبرهم بعودتك ؟!
اقول لهم عاد حازم الذي نحبه ولكنه مختلف عن حازم الذي نعرفه ؟! ام اقول عاد حازم الذي نعرفه ولكنه مختلف عن حازم الذي نحبه ؟!
لأول مرة اشعر بالندم من لقائي به. اخاف ان تتشوه صورته والذكريات التي احملها عنه. ليتني لم القاك.
هل اتجاهلك وامشي ؟!
همي الان ان اتخلص من شرب ما في الكأس لأغادر مهزوما مبهدلا. أشعر بالألم حتى الأعماق.
أقول لنفسي: ” هذا هو الفراق حقا “!!
كأني بمركب بلا شراع ولا دفة، يتأرجح مع الامواج، يعلو وينخفض بعنف. وتدفعه الامواج بلا اتجاه. ينشد من عليه النجاة، لكن لا قبطان يضبط سيره، ولا يابسة تلوح مبشرة بأمل الوصول للبر، ولا حمامة مع غصن زيتون !!
– اشرب !!
يحثني كعادته مما يثلج صدري بعض الشيء. ربما البعد المتواصل يجعله حذرا في الانطلاق على سجيته مع اصحابه القدامى. او يكون نام نوما طويلا يجعله كالمخبول، متراخي العاطفة والمشاعر، متجلد الحواس بعيدا عن التواصل، لا يعي ذهابه ولا ايابه، خالي الفكر، متلاشي الذهن، ماضيه راقد في نفسه، وحاضره خالي الملامح.
كانت أمينة خطيبته، يوم كان شابا يافعا، يقيم مع والديه في مدينته يافا، التي يذكرها دوما بحماس خاص، فارتبطت يافا بأسرار حبه وارتبط بيافا، فكمل الواحد الاخر. وكان نهار وكان مساء، وتكون زمن الوجد وامتد ليتصل مع البحر، يتسع به. يكبر بكبره. فتجلى برفقة حبيبته ومدينة حبيبته. وبحر حبيبته. فعاش في دهشة الحب المتكررة. حتى جاءت العاصفة الهوجاء فاقتلعت الناس وعصفت بهم دون حساب للارتباطات والعواطف والآمال والاحلام … فحل زمن السفر الدائم والشوق الهائم. وظل كل شيء يدور بلا استقرار. وجرد الناس من الآمال والأحلام والامنيات. وحل شقاء بلا شطآن وتشتتت الجذور !!
وانفصل الحبيب عن حبيبته. وانفصل الانسان عن ملاعب صباه. وتاه في عالم غريب. يحاول ان يجدد ما كان. فيرفضه المكان الغريب. يبحث عن تجديد ما انقطع فتصده حقائق عصية عن الفهم. تلاشى النور وانتشر التأوه … تلاشى الحب وانتشر القهر. تلاشى الانسان من الانسان. صارت الحياة قرينة الموت.
وكان صباح …
وكان خريف …
وكان شتاء …
وكان صيف …
وافتقد الربيع …
ومضى الزمن …!!
مضى بطيئا عسيرا مليئا بالقلق. وكان لسان حازم يقول:
– الفرج يا مالك الجنة. الفرج يا واهب الراحة وموزع الحب ومهندس الاماني. أنقذنا من هذا الطريق الغريب. خلصنا من هذه الحياة الاليمة. ما بالك تتجاهل وتعمى عن رؤية الظلم؟ هبنا شيئا من حقنا يا وهاب. اشفعوا لنا يا انبياءنا واولياءنا. اشفعوا لنا يا اهل الجنة الكرام. أنقذونا من الفراق العسير والضياع الاليم. اعطونا ضوء نشد السير نحوه. حلما نشق الدرب اليه. وهما نتعلق به.
بعد ضياع وتنقل وصل حازم ووالداه واخوته لمدينة الناصرة، فاستقروا فيها.
وغرق الناس بمآسيهم ومشاكلهم. كل يبحث عن جذوره، وما تبقى من أهله. أين اوصلتهم العاصفة. هل ما زالوا احياء. من مات منهم. من نجى. أين استقر بهم المقام. كيف يتدبرون. بمحاولة اولى لالتقاط الانفاس …
يومها لم اعرف حازما.
كنت طفلا وكان شابا يافعا.
يوم عرفته لم يكن قد تزوج أمينة.
ويوم غادرنا لم يكن قد تزوج أمينة.
ومن يومها لم يعد.
وأمينة ايضا أصبحت ذكرى.
ويافا التي شهدت توهج الحب بين القلبين الشابين لم تعد يافا التي تحتضن اهلها.
اصبحت غريبة. مغتصبة. لا تجد من يداوى جراح روحها.
فمتى تزوجها اذن ؟!
سألته وانا ادق كأسي بكأسه:
– بصحتك !.. متى تزوجت أمينة ؟!
– منذ التقيتها !!
لعله يبصر ما لا أبصر. حدقت بوجهه طويلا فاستسلم لنظراتي المتفحصة دون اعتراض، بل ودون أدني اهتمام.
سألته بشيء من العبث:
– وعندك اولاد منها ؟!
– لا ادري اسالها !!
ايقنت ان حالي كحال الذي يخوض غمرات جهاد ضعيف الامل. هل هو في سبات ؟! صاحي الجسد نائم العقل ؟! ربما انفصام شديد في شخصيته ؟! كنت انظر اليه بحواسي كلها شاعرا بلغزه يكبر ويتفرع، وبشجوني تترسب. انه ابعد عني أكثر مما ظننت. بحثت عن مدخل لذاكرته علني اوقظها من سباتها الممتد.
ما زلت محتارا من ظهوره واقول لنفسي ” ربما ظهر بلا ذاكرة “؟ فارفض الفكرة فورا. اشعر أنى عائم بأفكاري، غير متمكن من ضبطها. ربما انا الذي صرت نوعا جديدا ؟! تغيرت لدرجة لم اعد اعرف نفسي. ولم أعد أعرف اصحابي ؟!
كان قبالتي ينفخ دخان سجائره باستمتاع. يحيرني هدوؤه وصمته، ويبعث في قلبي توجسا غير مدرك !!

********

في سنوات السبعين تعرفت عليه. كنت في بداية العقد الثالث من عمري وكان في نهاية العقد الرابع.
جمعتنا صدفة عند حلاق. كان يشرب كأس خمر. انيق المظهر كعادته مرتب الهندام حلو الحديث.
بدا لي للوهلة الاولى مختارا او ثريا من اصحاب الاراضي والاملاك … وليس بحاجة لعمل من اجل معيشته. كل ما هنالك انه يتلذذ بكؤوس الخمر، وبالأحاديث الشيقة. أو ربما مخفيا اوجاع نفسه من فقدان حبيبته لا يجعل صحبه يدركون ما يراود فكره. ولا ما يجول بخاطره.
فوجئت انه يبحث عن عمل بالحدادة. سألته غير مصدق ما سمعته اذناي:
– انت حداد ؟!
فأكد لي ذلك. وصادق الحلاق على قوله. وها هو حديثه المهني ومعرفته المهنية كما يشرحها لي، لا غبار عليها. وتبدو معرفته النظرية والعملية واضحة، لا يلم بها الا عامل واسع الاطلاع وجيد الخبرة. كنت مديرا لجودة الانتاج في أحد المصانع الكبيرة في الجليل. رتبت له عملا في المصنع. فجمعتنا الزمالة اولا، ثم تلاقت الافكار والميول، فزالت حواجز التوجس بيننا وتعززت الثقة المتبادلة، فسحرني بسعة اطلاعه وثقافته الواسعة. وقدرته على الرواية. وتألمت بنفس الوقت لحالته الاجتماعية عازبا يقترب من الشيخوخة. يهرب من الأحاديث عن الزواج والابناء. فاحترمت رغبته وتوطدت صداقتنا مع الايام. فعرفته على اصدقائي، وعرفني على اصدقائه. فتكونت شلتنا التي استمرت نشطه تضج بالحياة لعقد كامل.
نظر الي فجأة كمن تذكر شيئا سها عنه. وسألني محتارا:
– اما يزال أخي حيا ؟!
وتذكرت اخاه هاو صيد السمك. بقامته النحيلة بسيارته ” الجيب ” القديمة والمشهورة. وبملابس الصيد الخاصة به. كان حازم يقول عن أخيه:
– انه اكثر من أخ .. انه بمثابة والدي !!
كانا يسكنان نفس المنزل. كلاهما غير متزوج. علمت فيما بعد أن للأخ الأكبر ابنة من زواج مختلط سابق لم يدم طويلا. كأن القدر حكم عليهما بالوحدة الابدية. كانت تسود بينهما علاقة تفاهم وطيدة رغم اختلاف الأمزجة. وكان الأخ الكبير دائم القلق من افراط حازم بالشرب. فيستنجد بنا لحث حازم على التخفيف. فيغرقنا البحر. فنعود اليه وبأذيالنا الفشل. فيقول متألما:
– انه اخوكم .. ان صار عليه شيء أنتم الخاسرون.
فنحاول مجددا ان نكر على بحر لا ينضب. وحالنا كحال الذي يفرغ نبعا بدلو، وبحرا بزنابيل بصل. فيصرخ بنا حازم بصوته الجهوري:
– يا معشر القوم … لا تبيعوا حبيبكم. تذكروا ” ابو النواس ” إذا احببتموني أنقذوني ببئر من كفركنا.
فنفرط معه بالشرب ناسين او متناسين مهمتنا.
– اجل مات … ذلك الرجل الطيب.
أجبته. فلم تتغير سحنته … وكأن الخبر لا يخصه !!

********

حثثته يوما على الزواج. كانت زلة لسان مني عن موضوع تعمدت ان لا اضايقه به. كنا عائدين من العمل. مزاجه رائق ومصاب بحالة سعادة فجائية. يغني ويؤذن بصوت مرتفع. وانا منطلق بالسيارة. أسرع وأبطئ حسب نغمة غنائه. قلت مستغلا فترة التقاطه لأنفاسه:
– امنيتي يا حازم ان اراك متزوجا !!
– ما احلى الأماني . عندي منها بضاعة كثيرة. من ايام يافا وانا اجمعها واجمعها واجمعها !! آه ما أثقلها !!
وضحك بصخب. غير أنى شعرت ان ضحكته تخفي كآبة نفسيه سوداء. فلمت نفسي على طرح الموضوع، وسارعت أقول:
– انا آسف اذا ضايقتك ؟!
ورفض أسفي وقال بحرقة:
– أفهم قلقك علي .. ولكني لن أخون أمينة !!
ولم أفهم ما يعني بأمينة. ومن تكون أمينة هذه التي لا يريد ان يخونها؟ لأول مرة أسمعه يذكر اسمها امامي. شعرت أنى فجرت آلاما قديمة يتجاهلها وتعذبه.
– أمينة ؟!
– حبيبتي منذ خلقت .. أحيا وأموت على دينها.
– تزوجها ؟!
– فاتني الميعاد .
– هي .. تحبك ؟!
– كنا احلى عاشقين .. بادلتني حبا بحب وجنونا بجنون … لم تسع يافا حبنا. ولا اتسع بحر يافا لعواطفنا …
فهمت انه يعني حكاية قديمة من ايام شبابه الباكر قبل ان تعصف بيافا الرياح. فقلت لنفسي: ” لعله يعيش صدمة من ايام شبابه. ربما تزوجت أمينة التي أحبها من غيره فصدم …؟ هل من المنطق ان تنتظره فتاة ثلاثة عقود ؟! ” .
سألت بوجل فاحصا كلماتي قبل أن أتفوه بها خوفا من جرحه:
– هل افهم ان أمينة تزوجت ؟!
– أبدا !!
– وماذا تنتظر ؟!
– انا نفسي لا اعرف .. أشعر أحيانا بالخوف من الظهور في حياتها بعد هذا الزمن الطويل. انا واثق انها لم تتزوج بسببي. انتظرتني طويلا. كدت أعود اليها لولا انه اعترتني لحظة ضعف. ليست لحظة ضعف … خفت أن أصدمها بلقائي. وضعها لم يكن يسمح. كانت محروقة. ليس شيئا جديا كما علمت فيما بعد. ولكني لم أظهر وهي في قمة رونقها. لم أظهر وهي تأمل برؤية فارس أحلامها. فكيف أجيئها وهي يائسة مشوهة. ؟!
بدأت ابني افكارا وتصورات عن الاحداث التي يرويها خطفا. كونت عدة افكار تصلح لصياغة قصصية. ثارت النار التي تعتريني كلما توهجت فكرة لصياغة قصصية امامي. ولكني زجرت رغبتي التي اعلم تماما ان لا سيطرة لي عليها. المأساوية التي يحاول حازم ان يطويها بضحكاته، كانت أقوى من كلماته، التي يلقيها وكأن ما يرويه لي، لم يعد يحتل كل حجزات حياته. وكل ذرة من تفكيره. انا امام اكتشاف غير عادي. هذه الفكرة المجنونة تجعلني مندفعا بلا ترو. ولكني لم اخرج بصورة واضحة من النتاتيف التي استطعت ان اجمعها في ذهني.
– انت تزيدني تعقيدا اذا كان يضايقك الموضوع فانا اسف واطوي الصفحة …
– ابدا ابدا .. يا للسعادة التي اشعر بها كلما مرت أمينة بفكري. هذه حكاية قد احكيها لك يوما.
وأنا هل أستطيع الصبر؟
اثار شجوني بسلبيته من موضوع الزواج. قلت سلبيته ولم اقل رفضه القاطع. وشتان بين الموقفين. هناك شيء يقيده، يمنعه من الاندفاع. لماذا لم يتزوجها قبل ان تحترق؟ او بعد ان احترقت؟ ولماذا احترقت وكيف ؟! وهل له دخل بموضوع حرقها؟ … أيكون بسبب حبها وانتظارها له ؟! وهو ؟! وتردده ؟! لمحت وحافظ على صمته بمضض بارز. كأن حاجزا في نفسه يشده بعيدا عن خوض التجربة. كانت حبيبته في يافا منذ كان شابا يافعا فما المانع من استمرار العلاقة وترسيخها بإطار مقبول ؟! وها هو اليوم يدعي ان أمينة زوجته ؟! ومن مثلي يعرف أن أمينة وحازم لم يجمهما الزواج ابدا؟
– واليوم … الم يحن الوقت للأقدام. أمينة ما زالت على حبك ؟؟
لفه صمت وهبوط في حماسه الذي كان يميزه في أحاديثه واثناء سفره معي، حتى كدت أنكره.
– أنت تعيدني الى أيام أحبها بكل جوارحي .. لا تؤاخذني على سرحاني. انا معك جسدا. ولكن روحي تطير في شوارع يافا. تركض على رمل البحر الذهبي. تعانق امينة. نخترق الأمواج متعانقين. أشعر بدفء شفتيها. أعانقها فتتملص مني ضاحكة. لا تؤاخذني على دموعي. هذه ليست دوعر حزن. بل هو الفرح الذي ينقلني الى أحلام غادرتني يوم غادرنا يافا .. لا لن أخون حلمي.
مسح دمعتين. وشعرت بالغباش على عيني. مسحت عيني بطرف يدي كي ابقي رؤيتي للطريق واضحة.
– ومع ذلك تواصل الهروب من أمينة ؟
– انت تضطرني لسرد الحكاية .. ربما هي الطريقة الوحيدة لتفهمني. ولم يسبق ان حكايتها الا لنفسي. كل ليلة لا أنام الا بعد ان اخدر ذهني. انا لا أنام منذ فقدت أمينة. منذ ابعدت بيننا العاصفة. انا اخدر ذهني. ولكني اعود الى وعيي من جديد. تمضي الأيام. وانا ما زلت شابا اركض على رمل يافا الذهبي. تمضي السنون وامينة يتأصل حبها في نفسي. ربما أخاف ان يعتريني من رؤيتها ما يفسد حلمي عنها. اريدها كما كانت في يافا. عروس البحر الساحرة والرائعة. هل تعود تلك الأيام؟ كيف تعود بعد ان ماتت يافا. بعد ان اغتصبت وشوهت؟ ربما حبيبتي هي التي اغتصبت، احيانا لا اميز بين حبي ليافا وحبي لأمينة. انا اتحدث عن مشاعر قوية تثير غضبي المكبوت. تفجرني من داخلي. ولكني بيني وبين نفسي اعترف بأني عاجز عن انقاذ حبيبتي من مغتصبيها. عاجز عن انقاذ امينة من الضياع … هل راودك مثل هذا الشعور؟ انت لم تغادر الناصرة. لا تعرف معنى فقدان الوطن. معنى فقدان الحبيبة. معنى فقدان الرغبة بالحياة.
– آسف .. لم أقصد ان اثير أحزانك.
قاطعته. ودافع مجنون في نفسي يحثني على استخراج المزيد من اعترافاته.
لم يلتفت لمقاطعتي. أخذ نفسا طويلا. وأخد جرعة من زجاجة البيرة الباردة. انتعش، وواصل حديثه:
– انا احبها وهي تحبني . انا واثق من حبها وانتظارها لي. اقول لك لم تتزوج بسببي. هذا الشعور يتملكني. ولكن المشكلة ليست هنا. انت تضطرني لسرد الحكاية. لم احكها لاحد. انت أقرب الأصدقاء لي. ربما يشعرني ذلك ببعض الراحة. لا أعلم. ستكون اول العارفين بحكايتي. بعد ان تسمعها قد تفهمني. انا اعرف ان بعض كلامي يبدو طلاسم … أو اضغاث أحلام. ولكنها الحقيقة يا نبيل. بلا اضافات. بلا تزويق. انت كاتب وتتصيد الحكايات. اعرف ذلك وأحسدك، ربما هي طريقة للتفكير بالحياة وفهم مشاكلها. قد تجد في حكايتي مادة خام. ولكني أحذرك. لا تضيف ما ليس في الاصل. لا تشوه حبي. لا تشوه أمينة.
كانت امينة جارتنا. والدها تركي الاصل كأمي، أمي ايضا من أصل تركي. مما جعل العلاقات العائلية تتوطد لحد الشعور باننا بيت واحد. في هذا الجو من العلاقات الحميمة وعيت شابا يافعا ممتلئا بحب جياش للحياة وللفرح.
تفتحت براعم شبابي الباكر على يقين ان أمينة لي. جزء مني. لم اتصور يوما، ومنذ وعيت شابا، ان حياتي ستخلو من أمينة. لم تكن أمينة مجرد صبية أعشقها، انما نمط حياة وانفتاح على العالم واكتمال الرجولة. وفوق ذلك سحرتني هذه الصبية الجميلة، ابنة الجيران الممشوقة القوام، الحلوة والساحرة، السمراء من لفح شمس البحر، عسلية العينين بشعرها الاسود المحرر دوما على ظهرها، لا تجمعه الا حينما تسبح ملاطمة الامواج بجرأة وخفة، فسحرتني بكمالها المتجلي وشدتني انوثتها المتفتحة وبشرتها المحروقة النحاسية من شمس البحر. وعيت عليها فجأة. انا احيانا لا افهم نفسي. كانت رفيقة طفولتي. لعبنا أولادا. وفجأة أرى أمامي انثى مشتهاة تدفع لنفسي أجمل الانفعالات. فصرت كمن يعوم في ذرى شاهقة من السعادة.
اصررت على الارتباط بها خوفا من التقول، ولرغبتي الشديدة بها، رغم صغر سني نسبيا، اذ كنت ما دون العشرين عاما. ولي اخ يكبرني.
رحب والدي برغبتي ولم يعترضا. وربما يكونان قد لاحظا شيئا علينا، فآثرا دفع المركب، كذلك رحب والداها ايضا بسعادة، ورأيا بذلك تمتينا للجيرة الطويلة الطيبة والعلاقات الممتازة الحميمة، فاكتمل سعدي وانتشر فرحي ولم يسعني جلدي.
اوصيت على علبة الخطبة عند نجار كما كان متبعا وقتها، ولا تزال علبة الخطبة لدي، هي الشيء الوحيد الذي حملته من بيتنا في يافا يوم اشتدت العاصفة. وعلى جانبيها اول حرفين من اسمينا باللاتينية.
اراني حازم علبة الخطوبة فيما بعد وكانت بداخلها خصلة شعر سوداء ملفوفة بكيس نايلون ذكر بشيء من الارتباك:
– من شعرها يوم كنا عاشقين صغيرين !!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق