الرئيسية | الموقع | حوارات المجلة | الشاعرة الجزائرية مختارية بن غالم للمجلة الثقافية: الساحة الأدبية لم تعد تحتمل هذا الضجيج والصخب

الشاعرة الجزائرية مختارية بن غالم للمجلة الثقافية: الساحة الأدبية لم تعد تحتمل هذا الضجيج والصخب

لا نجامل إن قلنا أنها خنساء الجزائر، خنساء الغزل الأنيق، واللغة الشفافة. إنها مختارية بن غالم، الصوت الشجي، والقصيدة التي تفتح أمامنا نافذة على حقول اللغة والجمال، تصر على “ارتكاب” جريمتها الأجمل: القصيدة العمودية، وتكتبها بامتياز، وتعي أنها مبدعة رغم التهميش الرسمي في الداخل، لها وللمبدعين الجميلين. في هذا الحوار، فتحت لنا مختارية قلبها، تحدثت عن وضع الشعر إزاء بقية السرود الأدبية، وعن مخاض القصيدة وواقعها، وعن التهميش القائم بعينه في البلاد، كما أتحفتنا بنماذج من قصائدها الرائعة. إليكم الحوار كاملاً:

 المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من مختارية بن غالم أن تقدم نفسها لقراء المجلة، ماذا ستقول؟

مختارية بن غالم: أنا من مواليد بمدينة “تلاغ” والتي تبعد عن ولاية سيدي بلعباس بـ 50 كلم غرب الجزائر.. أكتب الشعر العمودي منذ ما يقارب 4 سنوات لي ديوان واحد طُبع مؤخرا عن إصدارات نخبة شعراء العرب بالقاهرة واسم الديوان “رسائل لا تصل”، كانت بداياتي في الكتابة وأنا طالبة في الثانوي ..أذكر أول نص نثري لي كان بعنوان “معركة الحياة”، قدمته لأستاذ اللغة الذي كان يُدرسني، فلسطيني الجنسية أُعجب كثيرا بالنص وأثنى عليّ ثناءً حسنا ونُشر لي في جريدة المساء الجزائرية آنذاك كما حازت بعض نصوصي بالفوز وبُثّتْ بالإذاعة بالعاصمة، ثم توالت المحاولات “النثرية فقط” لأني لم أكن شاعرة ولا أعرف عن الشعر غير ما درسنا عنه. توقفت عن الكتابة بعدها لكني كنتُ دائمة المطالعة للكتب الأدبية سواء كانت قصةً أو شعرا أو نثرا أُعانق الكتاب وأقيده ولا أطلق سراحه إلا بعد أن يلفظ آخر أنفاس صفحاته وأذكر أني قرأت 7 مجلدات لقصة ألف ليلة وليلة خلال شهر ونصف. غفلتُ عن الكتابة لسنين ولم تغفل لذة العودة للقلم في داخلي حتى ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، فجددتُ العزم وكنتُ كلما قرأت قصيدة أقول ليتني كنتُ من كتبها وتتبعتُ خطوات الشعراء ودرستُ العروض وكان لبعضهم الفضل فيما وصلتُ إليه اليوم والحمد لله.

المجلة الثقافية الجزائرية: وأنا أقرأ قصائدك، وجدتني أستمتع بالقصيدة التي نفتقدها، ونتوق إليها، تلك التي تذكرنا بأزمنة الشعر الأنيق والقافية. كيف تولد عندك القصيدة بهكذا اتقان؟

مختارية بن غالم: المخاض الذي يسبق أي قصيدة موجع لا يُدركه القارئ ولا يصل الشاعر إلى شهدِ الكلام ما لم يذق مُرّ ما اعتصره فكره، والقصيدة التي لا تُجانب الواقع المعاش لا أعتبرها فكرا ولا عملا أخذ من وقت كاتبه. أحب الشعر الصادق والعفوي وغير المتكلف والذي يصل إلى القلب مباشرة، وأنا أكتب أحس أني أخاطب شخصا ما أو أوجه كلاما لجهة ما وأستحضر أمامي من له قد كتبت وربما هذا ما يجعلني أقترب كثيرا من شعراء الزمن الجميل.

المجلة الثقافية الجزائرية: تعتمدين خصوصاً على الشعر العمودي الذي تخلى عنه الكثير من الشعراء العرب، كأنك تريدين إعادة الشعر إلى جذوره؟

مختارية بن غالم: نعم ليتنا نعود إلى جذور الشعر الهادف والموزون. هناك القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة ولا أعترف بما يسميه البعض الشعر النثري.

المجلة الثقافية الجزائرية: أفهم من ذلك أنك ضد ما يصطلح على تسميته: قصيدة النثر؟

مختارية بن غالم: الشعر شعر والنثر نثر وكفى خلطا للأوراق، فالساحة الأدبية لم تعد تحتمل هذا الضجيج والصخب والكتابات العشوائية وكل من كتب كلمتين كمُتنفس له عما يختلج بداخله لُقّب بـ “شاعر”.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل ما زال الشعر هو الرائد كما كان قبلاً؟

مختارية بن غالم: طبعا هناك شعراء لا يُشق لهم غبار وهناك من نخجل من أنفسنا حين نقرأ لهم وكأننا لا ننتمي لعالمهم الأدبي والساحة الأدبية مليئة والحمد لله ووسائل التواصل الاجتماعي كان لها الدور الرئيسي في إظهار نشاطهم الأدبي وما يزال الشعر بخير.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعلي أقصد تهافت القراء ودور النشر على الرواية تحديدا، على حساب بقية السرود الأدبية.

مختارية بن غالم: ربما ما يجعل القراء يتهافتون على الرواية بالتحديد كون أنها غير مقيدة بوزن وقافية أو لجنوح البعض، أخذ ما هو أسهل، فالرواية كما نعلم انسيابية لا تحتاج للتحكم في عدد الكلمات أو الإيجاز ضف إلى أننا كمجتمع عربي يميل كثيرا إلى الترفيه أكثر منه إلى محاولة فك شفرة ما يعنيه هذا البيت وما تجيزه القوافي.

المجلة الثقافية الجزائرية: لا تنسي ظاهرة تحول العديد من الشعراء إلى الكتابة الروائية، وهي ظاهرة ملفتة. أليس هذا شبه اعتراف أن الشعر لم يعد ديوان العرب؟

مختارية بن غالم: كما ذكرتُ آنفا أصبح الكثير يميل إلى إشباع فكره بمادة هاضمة. نحن في عصر السرعة ولم يعد للكثير الوقت كي يّطلع على قصيدة من 20 إلى 100 بيت أو معلّقة ويكلف نفسه عناء الغوص في بحور الشعر والعودة بدرر المعاني، حتى القصة تضاءل حجمها عما كانت عليه وظهرت القصة القصيرة جداً والقصة الومضة. نعم هناك من مال عن جادة شعره إلى النصوص الأدبية الأخرى كالقصة والرواية ربما لأسباب أراها مادية ليتماشى مع قانون العرض والطلب في السوق، فإذا كان القارئ يتهافت على الرواية فالأولى به ( كما يرى ) الربح السريع لكن يبقى للشعر دوره ومكانته وأكبر دليل على أن الإصدارات الشعرية لا حصر لها وما زال الشعر يؤدي دوره كملك للفنون الأدبية إن صح التعبير.

المجلة الثقافية الجزائرية: كما أن النقد لا يحتفي كثيراً بالشعر كما تلاحظين، وقلما نقرأ دراسة حقيقية تتناوله، لماذا في نظرك؟

مختارية بن غالم: لأن الشعر ثقل حمله فلا الناقد يستطيع الإحاطة به ولا الشاعر لديه سعة الصدر لينفض عن قصيدته غبار الأخطاء التي علقت بها سواء كانت عروضية أو نحوية، فليس كل من كتب له القابلية كي يسمعك وليس كل من تراه ناقدا بالضرورة يُلمّ بكل خبايا اللغة. كثُر النقاد ولم نعد ندري من يعطيك نصحا ومن تعطيه أنت النصح. طبعا أتحدث هنا عن شعراء نعرفهم عبر صفحات الفيسبوك، الكل أصبح ناقدا والكل يرى نفسه المتنبي وما سواه دخيل على الشعر فقط وقد حدثت معي مرات وكان النقد مجرد كلمة سر ( للمرور إلى …. ) وقد كتبت في ذلك:
إلى نــــــاقد

أسهبْت في القولِ لكن ليتني أقفُ

على حروفٍ وعنك اليومَ تنعطِفُ

أين المرادُ ولم تذكرْ لنا سببا

يشفي القريض لكيما العيبَ ينكشفُ ؟

أسْمعْتَ إذ جئتَ تعلو منبرَ الخُطبا

لو كنتَ ترجو الثنا فالأمرُ يختلفُ !

المجلة الثقافية الجزائرية: وهل فكرت مختارية بن غالم في خوض غمار الرواية؟

مختارية بن غالم: لا أبدا سأستمر في كتابة الشعر إلى ان يملَّ الشعر مني، ولستُ مع من ينثني عن أمر كان يراه في يوم ما كل هدفه، فالزهر في الحديقة زهر وإن قطفته يبقى زهرا لكنه سرعان ما يذبل ويموت لأنه فقد مكانه الطبيعي.

المجلة الثقافية الجزائرية: سألتك من قبل كيف تولد القصيدة عندك، وسأسألك الآن كيف تكتبين، أو لنقل كيف تكتبك القصيدة؟ هل لديك طقوس ما قبل وأثناء وبعد الكتابة؟

مختارية بن غالم: أكتب القصيدة والقصيدة تكتبني أحيانا. ليست لدي طقوس ولا مقدمات لكتابة أي نص شعري ولا أهيئ نفسي لها فالشعر كما الوحي أو هو الوحي ذاته عندما يطرق باب القلب”، ولم أقل الفكر لأني أكتب بقلبي وبما احسه يعنيني ويلامس واقعي حينها يجتثُّني مني وينقلني إلى عالمه. يأتي الشعر غالبا في حالات مزاجية متعددة كالقلق أو الغضب أو الفرح أو الحب، هنا يتدفق حبر الإبداع وينغمس الفكر في محبرته، أنسى حينها كل من يحيط بي وألتذّ بوجع الإلهام. وفي هذا كتبت:
الشّعر إن عزَّ اللقــاءُ مطيّتــي

وبـه إذا شطّ المــزارُ عزائــي

وطيــورُ قافيتي حروفُ متيّــمٍ

هدلَتْ بذاتِ هوًى تجوبُ سمائـي

يا حُسنها لما لصوتــيَ ردّدتْ

وأجاب للصوتِ الرّخيمِ ندائــي

كالطفلِ كان الحبُّ يحملُ صرخةً

لو غابَ عنّي قلتُ ويْح مسائــي

كم عبَّ من نبعِ القصيدِ سُلافهــا

وملأتُ من خمــرِ الغرامِ دلائــي

فأرى القريضَ يُعيد لي زمنَ الهنا

مَن غير خلّــي قد أعــاد هنائــي

وأرى رياضَ الحرفِ تجمعُ أُنسنا

من قال إنّي ما اْلتقيتُ رجائــي

المجلة الثقافية الجزائرية: حدثينا عن قراءاتك، وبمن تأثرت أدبيا؟

مختارية بن غالم: أحب شعر عنترة بن شداد وقيس بن الملوح والأخطل وابن الفارض والقائمة تطول لكني أميل في الكتابة لشعراء الأندلس كابن زيدون وحبه لولادة بنت المستكفي وتصوفه في الشعر. أحب كل ماهو صادق وكما هو معروف ان جل قصائدي غزلية أختار ما يقربني لكتاباتي..

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تقرأين شعراء الجزائر؟ وخارج الجزائر؟

مختارية بن غالم: من شعراء الجزائر طبعا والذين كانت لهم بصمة في شعر الثورة الشاعر مفدي زكريا، سليمان جوادي، محمد جربوعة، ومن خارج الجزائر نزار قباني، الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني وغيرهم.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يقودني إلى سؤالك عن رأيك في المشهد الثقافي الجزائري الراهن في ظل تجاهل المبدعين الجيدين وتهميشهم؟

مختارية بن غالم: لنكن صرحاء، نحن أمة لا تقرأ والكتاب هو آخر مقتنيات المواطن الجزائري إن لم نقل العربي عموما. أما عن المبدعين فمن يلتفت إليهم؟ يُفضل الإعلام تسليط الضوء على (فنانة) على أن يتحدث عن إنجازات كاتب او شاعر. أتحدث عن تجربة شخصية بعيدا عن سؤالك المهم، دُعيتُ للمغرب الشقيق للمشاركة في الملتقى العربي الإفريقي في الرباط ولم تسمع عني الجزائر بعد .. !

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتبين الآن؟

مختارية بن غالم: أميل إلى كتابة القصائد الغزلية وهذا ما أشغل قلمي به لأني أجد نفسي بها أكثر، وكتبتُ أيضا عن الجزائر وفلسطين وعن الهجرة النبوية والحجاب وعن الشام واليمن، ولكلٍّ متعته في الكتابة وليس شرطا ان يكون الشاعر مغرما كي يقال أنه يقصد نفسه فيما كتب، لكنه القلم أترك له حرية قيادتي أنّى اتّجه قلبي. أسعد جدا وأنا أرى ثمرة جهدي بعد كل قصيدة أنشرها على صفحتي وأحس حينها بلذة تعبي وأني وضعت خطواتي على الطريق الصحيح.

— هذي بلادي —

هذي بلادي للعروبةِ مرجِعُ

ما كان صدقا قولهُم تتوجّعُ

عربيةٌ لغة الجزائرِ عزُّها

تـاريخ مجدٍ فوقــهُ تتربّـعُ

بديانةِ الإسلامِ يُعرفُ شعبها

“الله أكبر” في المساجدِ تُرفعُ

ما حاد كلاّ عن طريقِ شموخهِ

ما كان يومــاً للخيانــةِ يركــعُ

ولتسألوا التاريخَ عن شُهدائها

عن صرخةِ الأحرارِ كيف تُزعزعُ

هذي الجزائرُ في الفؤادِ تربّعتْ

هــي موردٌ للعـاشقينَ ومنبعُ

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا تقرأين؟

مختارية بن غالم: أقرأ لأصدقاءَ كثر عبر صفحات الفيسبوك، لشعراء يلهمونني حقا، أحس وأنا اتجول بين رياض حروفهم أنني في جنةٍ غناء تُلقي بثمارها عليّ كلما مررتُ بها.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة لقراء المجلة؟

مختارية بن غالم: أشكر لكم هذه الالتفاتة الطيبة وأشكر جهدكم المبارك وأتمنى لكم كل التوفيق ولكل من يقرأ لي ألف تحية وباقات ورد وود وأتمنى ان أكون دائما عند حسنِ ظنهم.

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الأديب المصري فكري داود للمجلة الثقافية الجزائرية: ما شدني للكتابة للأطفال ، إيماني بأنهم مستقبل هذه الأمة

تميز كتابات الأديب المصري فكري داود بطابع فكري وإنساني، والحقيقة أن تجربته الإبداعية تتسم بالتنوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *