حوارات المجلة

الأديب والمترجم الأردني سعيد حران للمجلة الثقافية الجزائرية: أتمنى أن يصبح عندنا كتّاب عالميون بمستوى ماركيز وباولو كويلو.

هو كاتب ومترجم، أبدع بجمال في ترجمة السيرة الذاتية لمارك توين، وهو الكتاب الصادر عن مؤسسة كلمة للترجمة بدولة الإمارات العربية المتحدة. غامر في كتابة الرواية واختار كتابتها باللغة الانجليزية، رغم أنه يكتب بلغة عربية أنيقة، ويشتغل على اللغة في كتاباته، وعلى عامل الدهشة في سرده. إنه سعيد رضوان حران، الذي كانت لنا معه هذه الجلسة الأدبية، لم يبخل علينا بكرمه، ورد على أسئلتنا، بخصوص الترجمة وهمومها، وما يجب أن نتيحه للقارئ ليرتقي بالقراءة وما فيها من متعة وقدرة على إدهاشنا. نترككم تتابعون الحوار كاملا:

 المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من سعيد حران أن يقدم نفسه، ماذا سيقول؟

سعيد حران: إنسان يؤمن بقيمة البساطة وقوتها: بساطة الحياة، بساطة التعامل مع الآخرين، بساطة الكلمة، بساطة القبول والاختلاف، بساطة المكان، وقبل كل ذلك وبعده البساطة في التعامل مع الذات. البيئة التي نشأت فيها في شمال الأردن وشكلت طفولتي وصاغت كثيرًا من جوانب شخصيتي، هي بيئة ما تزال إلى الآن بسيطة: “مخيم للاجئين الفلسطينيين”، بكل ما تحمله كلمة “مخيم” من متناقضات وما يحيط بها من ظلال. البساطة أجمل الأوطان، هي المنطلق الذي كنت، وما أزال، أنطلق منه في صياغة علاقتي بالدنيا وبمن حولي. هي لغة حية تسهل ترجمتها إلى سلوك محسوس، فالترجمة كما نعلم فن لا يقتصر على نقل النصوص من لغة إلى لغة، مسموعة كانت تلك النصوص أو مكتوبة. غير أنّ الترجمة المكتوبة لها سحر يستهوي الكثيرين، وأنا واحد منهم. المترجم الحقيقي ناقل أمين للمعنى وكاتب في الوقت ذاته، فهو يجمع بين الفنيْن: فن النقل وفن الكتابة. لقد ولّد لدي الافتتان بهذا الجمع الجميل رغبة دائمة في أن أمتلكه ويكون بحوزتي، ما جعلني أحاول أن أسلك هذا الطريق كهواية مفضلة في الحياة، وكعمل أعتمد عليه. وبكل بساطة وصراحة لا أعتبر أني قد ابتعدت كثيرًا إلى الآن عن بداية الطريق.

المجلة الثقافية الجزائرية: كتبت رواية بالانجليزية طبعتها في أمريكا، لماذا الانجيزية بالذات؟

سعيد حران: ربما لتأثري بالروايات الإنجليزية التي كنت أقرأها، وبأسلوب الكتاب الأمريكيين والإنجليز في الكتابة، ذلك الأسلوب الذي يستهويني كثيرًا. هذا التأثير أوجد لدي رغبة في خوض التجربة، بصرف النظر عن نجاحها أو فشلها.

المجلة الثقافية الجزائرية: مع ذلك لم تكرر التجربة؟

سعيد حران: هذه التجربة في الحقيقة هي الثانية. فالتجربة الأولى كانت قبلها بسنة، في عام 2008، حيث قمت من خلال دار نشر لبنانية بنشر الترجمة الإنجليزية لمجموعة قصصية كتبها بالعربية الكاتب الأردني أيمن خالد دراوشة بعنوان “حين يهبط الليل”.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الذي يمكن أن يضيفه كاتب عربي أنجلوساكسوني للأدب الغربي في نظرك؟

سعيد حران: أعتقد أن الناتج هنا يكون عبارة عن نوع من التلاقح الثقافي. فالكاتب العربي يرتكز أثناء كتابته لنص بلغة أخرى على ثقافة عربية متأصلة لديه يفرغها في قالب لغوي غربي. مثل هذا التلاقح يكون له برأيي جمالية خاصة يمكن أن يتلقاها القارئ الغربي بنوع من الدهشة، كما يمكن في المقابل أن ينظر إلى هذا التلاقح كعنصر دخيل لا يحظى بالقبول.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعلي أقصد أن الكتابة الأدبية بالانجليزية مثلاً لها آلياتها المختلفة عن تلك التي يمارسها الكاتب العربي، ناهيك عن الصرامة وأهمية الابداع والدهشة، عكس ما نراه عربيا في غالب الأحيان من استسهال، هل توافقني؟

سعيد حران: أتفق معك في ذلك، إلا إذا كان الكاتب العربي طبعًا يمتلك أدوات الكتابة باللغة الأخرى، كما نلاحظ عند بعض الكتاب من المغرب العربي الذين كتبوا بالفرنسية، من أمثال مالك حداد وواسيني الأعرج من الجزائر، وبنسالم حميش وأحمد المديني من المملكة المغربية، وأمين المعلوف من لبنان، وغيرهم الكثير. فهؤلاء وغيرهم من الكتّاب الكبار ساهموا في تغيير الخارطة الكتابية على مستوى العالم العربي والغربي.

المجلة الثقافية الجزائرية: أصدرت عن مؤسسة كلمة للترجمة والنشر كتاب “مارك توين: سيرة ذاتية”، شعرت وأنا أقرأ الكتاب أنه يتجاوز كونه سيرة ذاتية، بل نص أدبي بامتياز، ما رأيك؟

سعيد حران: نعم، الكتاب صدر عن مؤسسة كلمة للترجمة والنشر في أبو ظبي. أتفق معك طبعًا فيما تقول، فعندما قرأت النص للمرة الأولى في نسخته الإنجليزية وجدته نصًا جميلًا، كتبه المؤلف بلغة أدبية رفيعة. وهذا ما أغراني بخوض تجربة نقله للعربية، بما حملته تلك التجربة من مشقة، لكنها كانت في الوقت ذاته عبارة عن رحلة ممتعة مع مارك توين. طبعًا هذه النسخة الأصلية عبارة عن مختصر للكتاب الذي يضم السيرة الذاتية الكاملة لهذا الكاتب. ولو أتيح لي أن أعيد نشر الترجمة في طبعة جديدة لأجريت الكثير من التعديلات عليها، لأنّ هذا النص يستحق أن يظهر في حلة أجمل.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما أقصده أن سيرة مارك توين جعلتنا نقترب من عوالمه، من نقاط ضعفه، من مآسيه الإنسانية، بعد أن كانت لنا نظرة ربما قاسية عنه ككاتب شبه عنصري إزاء قضايا مصيرية، هل نفهم أن ثمة ازدواجية فكرية لديه؟

سعيد حران: هذه النظرة معروفة طبعًا عن مارك توين، لكنها برأيي لا تمثل ازدواجية فكرية لديه، بل قناعة لا نتفق معها. فهو على سبيل المثال يظهر في كتاباته ورواياته مدافعًا عن العبيد في المجتمع الأمريكي ومتعاطفًا معهم ومناهضًا للعنصرية، لكنّ النقاد يعتبرون أنّ تكراره المتواصل لكلمة “عبيد” و “سود” هو بحد ذاته شكل من أشكال العنصرية، ونظرة دونية يفضحها ذلك التكرار، لكنّ توين يلبس هذه العنصرية ثوب الرفض والاستنكار. لكني مع ذلك لا أرى أنّ هذا الموقف العنصري وغيره من المواقف لدى الكاتب يتعارض مع كونه كاتبًا مرهف الحس ذا روح شفيفة وقلب نقي. فقد تعرفنا عليه في طفولته وفقره، وضحكنا معه في لحظات الضحك والفكاهة، وبكينا معه في أقسى لحظات الوحدة والمعاناة التي جلبها عليه رحيل الأحبة عن دنياه واحدًا بعد واحد. رأينا مارك توين الإنسان وأحببناه، برغم تلك العنصرية التي نرفضها.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الذي يجعل المكتبة العربية تفتقد لهذا النوع من السير الذاتية/ الأدبية ذات البعد الإبداعي؟

سعيد حران: قدم الوطن العربي أسماءً معروفة بلا شك في عالم الكتابة، لكني لا أظن أنّ هذه الأسماء وصلت لمستوى مارك توين، أو تشارلز دكنز مثلًا الذي أورد سيرته الذاتية بشكل غير مباشر في روايته الخالدة “ديفيد كبرفيلد”، أو غيرهما من الكتاب الغربيين. هناك تفوق غربي واضح في الأدب والإبداع، وهذه حقيقة.

المجلة الثقافية الجزائرية: يعاني الأدب العربي الحديث من غياب ترجمة أعمالهم إلى لغات أجنبية عكس الكاتب الغربي، لماذا في نظرك؟ وهل فكرت في ترجمة نصوص عربية إلى الانجليزية؟

سعيد حران: التقصير في هذا الجانب يقع على عاتق المترجمين العرب. وكما تعلم فإنّ حركة الترجمة من العربية وإليها ما تزال في غاية الضعف في عصرنا الحاضر. في هذا السياق أود أن أعبر عن تقديري للمبادرة التي أطلقتها وزارة الثقافة في أبو ظبي، التي تمثلت في إنشاء دار نشر تعنى بتشجيع المترجمين ونشر الأعمال المترجمة التي تراها متميزة، وبذلك تدفع حركة الترجمة البطيئة جدَا في وطننا العربي إلى الأمام. هذه الدار هي “مؤسسة كلمة للترجمة والنشر”. النص الذي وجدته يغري بالترجمة في الحقيقة هو رواية “بحر الصمت” للكاتبة الجزائرية المتميزة ياسمينة صالح. هذه الرواية يميزها أسلوب سردي متفرد لا تجده إلا عند ياسمينة، وتظهر فيها وفي رواياتها الأخرى مخيلة قل أن تجدها عند كاتب عربي، رواية تستحق عناء الترجمة بكل جدارة.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكمترجم، كيف ترى الأعمال الأدبية المترجمة إلى العربية، ما الذي ينقصها في نظرك؟

سعيد حران: بعيدًا عن ذكر بعض الأسماء المتميزة في المشرق والمغرب والإشادة بها في هذا المجال، أرى أنّ من حق القارئ العربي أن يقرأ أعمالًا تحترم ذائقته اللغوية والأدبية. عندما يتم نقل نص أدبي إلى اللغة العربية فنحن نتوقع نصًّا بملامح عربية خالصة، لا أثر للغة الأصل فيه، فيكون القارئ أمام نص يحس معه أنه كتب أصلًا بلغته وليس منقولًا عن لغة أخرى. المترجم الأدبي هو أديب وكاتب ينقل المعنى بأمانة، ويقدمه لنا على طبق جميل من الورق، وأنا هنا أستعير عبارة استخدمها أحد الشعراء الجزائريين وهو يقدم لإحدى قصائده. فبمقدار تحقيق هذا المعيار في الترجمة يكون نجاح المترجم. للأسف هناك الكثير من الترجمات الركيكة في المكتبات العربية، تجعل القارئ – إن أكمل قراءة الكتاب – يقرأ على مضض.

المجلة الثقافية الجزائرية: تقيم في الدوحة (الخليج) منذ سنوات، ما الذي أضافته لك مدن الملح؟

سعيد حران: جميلة هذه الإشارة لرواية عبد الرحمن منيف. أكثر ما يميز الدوحة وقطر بشكل عام هو التنوع البشري والثقافي، وحضور البحر الدائم. الدوحة هي المكان الذي بدأ فيه اهتمامي بموضوع الكتابة والترجمة، وقد كان ذلك بتشجيع من الصديق الكاتب الأردني أيمن دراوشة، وبهذه المناسبة أقدم له جزيل الشكر.

المجلة الثقافية الجزائرية: حدثنا عن مدى اقترابك من الأدب الجزائري، وما تقييمك له؟

سعيد حران: الجزائر قدمت قامات عالية في الأدب والشعر، مثل مالك حداد، مفدي زكريا، محمد ديب، الطاهر وطار، واسيني الأعرج، والكثير من الأسماء المعروفة. اقترابي من الأدب الجزائري كان بالدرجة الأولى من خلال روايات ياسمينة صالح وأحلام مستغانمي. تستهويني قصائد الشاعرة مختارية بن غالم، والشاعر محمد الأمين سعيدي.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

سعيد حران: أقرأ حاليًّا رواية بعنوان “فرانكشتاين في بغداد “، لكاتب عراقي شاب اسمه أحمد سعداوي.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

سعيد حران: أجهز لنشر مجموعة من القصص القصيرة المترجمة لباولو كويلو وكتّاب أجانب آخرين. وقد بدأت أيضًا بنقل الرواية القصيرة التي طبعتها في أمريكا إلى العربية، بعنوان “دروب تائهة”.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة ترغب في قولها؟

سعيد حران: أتمنى أن يصبح عندنا كتّاب وأدباء عالميون بمستوى ماركيز وباولو كويلو، وغيرهما من المشاهير. وأود في الختام أن أعبر عن جزيل شكري وتقديري لمجلة الثقافة الجزائرية لإتاحة هذه الفرصة لي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق