ثقافة السرد

دوامة الاحتمالات

هبة الغريبي*

مرت سنة منذ بدأت مشاركته الغرفة . لأكون دقيقة سنة تنقصها دقيقتان وسبع ثوان . سنة كاملة وهو يتجاهل وجودي أو ربما يجهله . ولا أعلم أيهما الأشد ايلاما الجهل أم التجاهل .
طيلة سنة ما فتئت أواكب حركاته وسكناته، حتى أنني أسبقه في الاستيقاظ بغية أن أنعم بمشاهدة لحظات تململه في الفراش وإماطة لحاف السرير عن جسده .
لطالما تساءلت عن سبب تجاهله لي . أتراه يراني قبيحة ؟ لقد حاولت مرارا أن أتمايل في حقل نظره علني أستميل حواسه ولكن من دون جدوى .
كلما غادر الغرفة أهرع لإحاطة جسدي بخيوط حريرية ناعمة حاكتها أناملي لباسا يتدثر به جسدي الغض ليظهر أكثر مما يستر على أمل أن يتغير هذا الحال فيستحيل تجاهله إقبالا وألفة .
أنا أومن بأن الاختلافات ليست سببا يدعو إلى نفور أحد من الآخر إذ لم يختر أي منا الشاكلة التي يكون عليها . وهو ما جعلني متيمة بمناجاته ليلا . أنتظر أن يغرق في نومه فآخذ في إخباره بيومي الممل وأنا لا أكاد أتحرك من مكاني خوفا من أن أهوي فلا أعود قادرة على الصعود من جديد. اتخذت من جانب الستار مملكتي التي لا أكاد أبارحها وأكتفي بمتابعته من بعيد .
أحيانا تراودني أفكار مرعبة في أن أطرافي لن تنال إعجابه أو أنه لن يستسيغ النظر إلى عيني اللتين تبدوان بارزتين بعض الشيء مقارنة بتينك اللتين يملكهما . ولكن سرعان ما أطرد هذه الوساوس عني وأعود إلى مناجاته وإلقاء بعض النكت علها تنال سمعه فيضحك منها ويسلب بذلك مني أنفاسي.
له ضحكة أميزها من بين مئات الضحكات.
تتطلب الحياة في تغيرها سنين أو أياما أو حتى مجرد دقائق لتنقلنا من الهنا إلى الهناك .
إلى الجانب الآخر الذي لا تعلم أمنير هو أم معتم حتى تطأه قدماك .
كنت بانتظار هذه اللحظة مذ أيام خلتها دهرا.
ولج الغرفة، ارتفع نظره ليبلغ الجانب الأيسر من الستار.
وقع بصره علي، فسرت في جسدي قشعريرة كدت لوقعها أفقد توازني وأسقط. انهالت داخل رأسي الرخوي الصغير ملايين الأفكار والفرضيات وهو ما ليس غريبا على عقول الإناث .
أتراه لمحني؟ طبعا فعل، لقد وجه بصره الي مباشرة.
أتراه وجدني جميلة ؟ هل سيهم بإلقاء التحية؟ أم أنه سيحرص منذ اليوم على فتح النافذة بهدوء خوفا من أن يتسبب في إزعاجي؟
وأنا غارقة في هذه الحمى من التفكير وجدت تقاسيم وجهه جامدة لا أثر لأي تعبير عليها.
أرعبني هذا الجمود، أدار ظهره وخرج تاركا وراءه دوامة الاحتمالات تنهشني.
يا لحماقتي، لقد علمت أنني أفرطت هذا الأسبوع في التهام كل ما وقع داخل شبكتي حتى تكورت وصار لا يميز في الرأس من الجسد.
لم يمر الكثير من الزمن حتى فتح الباب من جديد، اجتاحت رائحة عطره أنفي المرهف فتأكدت من أنه ما خرج من الغرفة قبل قليل إلا ليزيح توتره ويعود من جديد.
كنت أقنع نفسي بهذا حتى دخل وبجانبه فتاة تشتبك أنامله بأناملها .
فتاة قبيحة اكتفت بيدين إثنتين و قدمين وعينين غائرتين.
عانقها وهو يتلفظ بصوت يمتلئ ولها :” ما رأت عيناي أجمل منك، وما عدت قادرا على تحمل الأسبوع الذي لا يزال أمامنا حتى نتزوج ”
صعقت لما سمعته وما شاهدته حتى كاد يغمى علي .طيلة سنة كنت لك رفيقة مثلى وحبيبة وفية . رفضت الإنخراط في مواسم التزاوج وجافيت كل عنكبوت كان ودي هدفه الوحيد. وها أنت اليوم تقف أمامي معها دون أدنى مراعاة لمشاعري.
“ليس لي في هذا العالم المخادع بعد اليوم حياة ” صحت. ولكن صوتي لم يبلغه.
جمعت ما بقي لي من كرامة وانطلقت نحو النافذة الموجودة على علو ثلاثة طوابق مقررة حفظ ماء وجهي والتخلي عن الحياة بإرادتي ما دامت المظاهر كل ما يهم فيها .
…وهو يعانق حبيبته، لمح حشرة سوداء صغيرة تتدلى من الستار باتجاه النافذة. هرع إلى التقاط مبيد الحشرات الموجود في الركن الأيمن من مكتبه ورش عليها البعض منه.
تأرجحت الحشرة قليلا ثم سرعان ما انكمشت على نفسها وسقطت في النافذة ميتة.
“اشتد الحر وصارت الحشرات تتواجد بكثرة. هذا أكثر ما يزعجني في فصل الصيف ” .
قال ذلك و تأبط ذراع خطيبته وغادر الغرفة.

*تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق