ثقافة المقال

الموسيقى وثقافة الهيمنة!

بقلم: منير مزليني

” قل لي ما تسمع أقول لك من أنت “، إذا كانت هذه العبارة تفيد بأن نوع الموسيقى المختارة تحدد نوع الشخصية المخيّرة، فإن الموسيقى بصفة عامة وفي أي مجتمع كان تحدد نوع المجتمع وتبن طبيعة ثقافته ومستواه الحضاري. ولا تقف الموسيقى عند حدّ المجتمعات البشرية فحسب، فهي أيضا سارية المفعول في بقية المجتمعات الحية الأخرى، مثل مجتمع الحيوانات والطيور، بل وحتى النباتات ، أين أثبتت الأبحاث العلمية المختصة أن النباتات التي تتعرض للموسيقى بصفة منتظم تنموا بشكل أسرع وأفضل، وربما هذا ما جعل الطبيعة في تناغم وانسجام حينما أُطلقت الحيوانات والطيور فيها، حتى تساهم فيما بينها في هذا التنامي الحياتي المستمر. والموسيقى بوصفها أصوات متناسقة ومتناغمة تنبعث من الداخل لتعبر عما يجوب في الباطن من أفكار وأحاسيس لدى الانسان، فإنها دون شك في المجتمعات الأخرى ـ الحيوانية والنباتية ـ تعبر عن عالم باطني خاص متناغم ومنسجم مع روح الطبيعة ولغتها الخاصة.
وإذا كان مجرد سماع تغريدة طائر تسمح بتحديد نوعه، وماذا يريد ، أكان يريد التزاوج والرغبة في جذب الأنثى مثلا ، أم أنه مزهو بنفسه يريد منافسة غيره من الطيور في تحد معلن ومبارزة بطولية. فإنه من باب أحرى أن نفهم أن الموسيقى لدى الانسان هي لا تعبر عن رغباته المكبوتة فحسب، بل هي تدل على شخصيته بالكامل، وما تحمله هذا الشخصية من ثقافة وخصال ومكبوبات ورغبات وكل ما يمكن تصوره عنه . ولذلك عرفت الموسيقى اهتماما كبيرا من قبل الحضارات السابقة ، ويكفى أن نعرف أن أفلاطون جعلها ركنا أساسا في جمهوريته الفاضلة . كما اهتمت بها الثقافة والحضارة العربية أيضا على غرار بقية الحضارات الأخرى ، لقد رافقتهم في قصورهم ومجالسهم الخاصة والحميمية ، كما رافقتهم في أفراحهم واطراحهم، في حروبهم وسلمهم ، في حلهم وترحالهم. إلى درجة أنه لا يكاد يخلو موضع أو موقف من موسيقى. وقد أذهب بعيدا لأقول أن الموسيقى رافقت المجتمعات في طقوسهم الدينية الوثنية منها أو السماوية ، ففي الاسلام عرفت الصوفية نوعا من الشطحات الموسيقية المرافقة لابتهالاتهم ومناجاتهم. هذا ما كانت عليه الموسيقى في الحضارات السابقة، فكيف هي الآن وبالخصوص عندنا وفي ثقافتنا العربية المعاصرة ؟
دونما شك أن مطلع القرن العشرين كان يمثل مشهدا رائعا، وانبعاثا رائدا لثورة موسيقية عربية ناهضة، ظهر فيها عمالقة ورواد الموسيقى العربية، الذين أسسوا لنهضة موسيقية عالمة، ضاربة جذورها الأعماق، لتمد أغصانها انفتاحا على الموسيقى العالمية بتدرج وثبات وفي إطار الأصالة والثقافة العربية الرصينة. عرفت فيها الموسيقى العربية تجددا وتطورا كبيرا، ابتداء من العملاق الرائد سيد درويش وصولا إلى موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ـ بحكم تاريخ رحيله ـ والتي حدّد مسارها الزمني بما يقارب التسعين عاما ، عرفت فيها الموسيقى العربية تطورا عظيما سواء على مستوى اللحن أو الأداء أو الآلات الموسيقية المستعلمة ، بل وحتى على مستوى الكلمات والقصائد المقدمة وكذلك اللهجات المحلية المغنى بها. وطيلة هذه الحقبة التاريخية المشهودة ظلت الموسيقى العربية محافظة على أصالتها ونقائها ورقيها الثقافي، رغم ما عرفته من تجدد وانفتاح على بقية الأنواع الموسيقية العالمية الأخرى، حيث أدخلت في ألحانها السمفونيات الكلاسيكية الغربية، كما طعمت ترسانتها الموسيقية بالآلات الغربية الحديثة، كآلة القيتار والأورغ وغيرها، خصوصا فيما قدمه الملحنون المجددون الكبار، من مثل محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وبليغ حمدي وغيرهم.
كما عرفت الأغنية العربية ككل، تطورا كبيرا مواكبة لتطور المجتمع، وكان الجدال في ذلك قائما في جميع الظروف والأحوال، فقد واكبت الأغنية العربية مجتمعها في جميع مراحله وفي كافة ظروفه ، فعاشت معه السلم والحرب ، وشاركته أفراحه واطراحه ، وحروبه ونضاله، وقد ضرب الأمثال الرائدة في ذلك. وكلنا يعلم كيف أن الأغنية الثورية والملتزمة رافقة الثورة الجزائرية، فصعدت معها الجبال وعاشت معها بين الوديان والسهوب ، وضاقت معها الجروح والقتال، وعرفت معنا الشهادة والتضحيات ، فكان النشيد الوطني والأغنية الثورية رفيقة درب وكفاح، خاطر فيها الشاعر والمغني بحريته وحياته ، كما فعل الموسيقار الجزائري الشهيد “علي معاشي ” الذي غنى للثورة وللجزائر بحب واخلاص ، وعلّ أغنيته الشهيرة ” يا ناس أما هو حبي الأكبر ” التي غناها سنة 1956 والتي تغنى فيها بالجزائر، ويردّ بها على أغنية ” بساط الريح ” للموسيقار فريد الأطرش ، كلمات الشاعر الزجلي بيرم التونسي سنة 1950، والتي تغنى فيها بالعالم العربي قاطبة دون ذكر الجزائر ، وقد كانت وقتها ترزح تنحت نير الاستعمار، وكم كانت في حاجة إلى أن تذكر في مثل أغنية. فجاء الردُّ بتلك الأغنية التي أثبت فيها علي معاشي عبقريته الفنية واللحنية، فألبسها جملة من الطبوع المحلية حسب كل ولاية مغناة تطابقا مع ما قدمه فريد الأطرش من طبوع خاصة بكل بلد عربي، كما نوع في اللهجات حسب كل ولاية ، توازيا لما فعل فريد مع اللهجات المحلية لكل بلد عربي مغنى . فكان الرّد موازيا لحنا وكلمة، متكافئا في الشكل والمضمون. رغم أن الأول “علي معاشي” كان يعيش ظروفا استعمارية صعبة وتهديدات جدية قاتلة، في حين أن فريد الأطرش كان يعيش في حرية ورغد من العيش وفي وسط ثقافي وفني راق، يرافقه فيه أعظم الملحنين والمطربين، ويحيط به أعظم شعراء وكتاب العربية.
لكن الأغنية مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين بدأت تعرف انحطاطا كبيرا ، وتصدعات عميقة في جميع المستويات، سواء اللحنية منها أو الأدائية أو على مستوى الكلمات. وعلّ ارهاصات هذا النكبة الموسيقية، بدأت مع ظهور الأغنية (الشبابية) في المشرق وأغنية (الراي) في المغرب العربي . أين تراجعت الأغنية الطربية واختفى اللحن الأصيل الراقي، وحلّت الفرق الموسيقية الكبيرة، وعوضتها الآلات الصناعية الحديثة التي تعتمد على التكنولوجية الصوتية، فتراجع الصوت الطبيعي أمام الصوت الاصطناعي، تحت مسميات الحداثة والعصرنة وتكنولوجيا الموسيقى. فأصبحت الموسيقى أو الأغنية العربية لا تملك من عربيتها غير الاسم وبعض الكلمات المستهترة، الخاوية من الروح الفنية والابداعية، فعوضت آلة (الأورغ) المتطورة الحديثة الفرق الموسيقية بكامل طختها وآلاتها و(كورالها)، وعوضت التكنولوجيا الصوتية الأصوات الطبيعية الجميلة، وعوضت الترهات والصراخات الكلمات والقصائد ! فجاء )عمرو دياب( ليعوض )أم كلثوم( في المشرق العربي، وجاء )الشاب خالد( ليعوض )أحمد وهبي( و)عبد الوهاب الدكالي( في المغرب العربي ، وعوضت كلمة العالمية الأغنية العربية ، فعوضنا الطحين بالجعجعة !
ولأن للأغنية والموسيقى تأثيرها الفعال والمباشر في بث الوعي لدى المجتمعات وشحذ الهمم وبعث الروح الفاعلة والمقاومة في نفوس شعوبها، فقد أدركت القوى الاستعمارية ذلك، وعملت في زمن الاستعمار القديم على محاربتها وقمعها من جهة، ومحاولة كسبها وضمها لصفها من جهة أخرى، مثلما فعلت مع كثير من المطربين والملحنين العرب . وكانت على رأس هؤلاء المستهدفين سيدة الطرب العربي كوب الشرق أم كلثوم ـ لما لها من شهرة واسعةـ أثناء الحرب العالمية الثانية، أين حاول كل طرف من القوى المتحاربة جلب الست إلى صفها، وقد تلقت إغراءات وتهديدات كثيرة بهذا الشأن، وقد ذهبت ضحية هذا الصراع المطربة الكبير ذات الصوت الساحر اسمهان والتي مات في حادث سيارة غامض. ظلّ الاعلام يشكك في ملابساته إلى حدّ الساعة !كما استشهد المطرب والملحن الجزائري علي معاشي على يد الاحتلال الفرنسي في 08 جوان 1958 ، لما كان لأغانيه الوطنية والثورية من تأثير على الشعب الجزائري، وتحريض على الاستقلال ومكافحة المحتل. وإذا كان هذا الأمر حدث في الماضي القريب، فإن الاستعمار الحديث لم يتخلى عن استراتيجيته وحربه ضدّ أي قوى مناهضة له تعمل على تحرير نفسها من كل الأشكال والأنواع الاستعمارية المناوئة والمتربصة. فجاء بسياسة استعمارية حديثة وأسلوب احتلالي متطور متقن، يعتمد على التكنولوجيا الحديثة والاعلام التواصلي المتطور، إذ بعد أن فشل في القضاء على الأغنية العربية ومحوها، عمل على حربها من الداخل وتفريغها من محتواها ومن روحها الأصيلة، وراح يبث فيها روحا أجنبية مصطنعة، وشجعها بالمال والتكنولوجيا والدعاية الاعلامية المظللة إلى درجة أن لحس بها عقل المستمع العربي لاسينا الشباب ، بعد أن شوش على ذوقه ومحى منه طابعه الأصيل ، وشيأه إلى آلة تتحكم فيها التكنولوجيا الرقمية والاتصال عن بعد ، فأصبح يهتز جسديا ويتخبط جنونيا، بعد أن كانت الموسيقى العربية تحرك فيه الأحاسيس الداخلية العميقة، وتحيي فيه الأفكار والمشاعر النبيلة والجميلة. فباتت الموسيقى والأغنية (العربية) معولا للهدم والتحطيم بعد أن كانت دافعا للنهضة والتطور، وأضحت ألة خطيرا تبث الأفكار السلبية وتزرع القيم الهدامة وتحث على العنف والغضب، بدل بث المشاعر العاطفية الرقيقة ، فصارت الأغنية (الشبابية) أو (الرايوية) المعاصرة تدفع بالشباب إلى سلوكيات خشنة وعنيفة وتشجع على تعاطي المخدرات والمهلوسات، وعلى ارتكاب الجرائم والفواجع. ويكفي أن تستمع لأي من هذه الأغاني، حتى تجد بأن الحبية تحولت إلى لعوب خائنة، والصديق إلى عدو غادر، والوطن إلى سجن وقفار، والحب إلى فخ وخديعة، وبالمقابل بات الانتحار هو الخلاص، و الهجرة غير الشرعية (الحرقة) هي الحل، والمخدرات هي الملجأ ! وبدل أن تبعث الموسيقى الأمل والحياة في النفوس، باتت تدس سموم اليأس والقنوط في نفوس الشباب وعقولهم. وقد سمعنا عن تسجيلات خاصة، مُصدّرة من مختبرات متخصصة عالية التكنولوجية والجودة، تعمل على بث خطابات موازية غير مسموعة شعوريا تشتغل مباشرة على الجملة العصبية للاوعي المتلقي فترسل إليه رسائل مشفرة خطيرة مواربة ومؤثرة، خلف الموسيقى أو الخطاب المسموع. لتشوش على فكره وذوقه وتحفر في عمق لا وعيه أفكارا سلبية هدامة تؤثر في سلوكياته وذوقه واختياراته وتحاربه في دينه ومعتقداته.
وعلى هذا الأساس، وفي ظل نظام (العولمة) وثقافة الهيمنة، فإن مهمة الموسيقى العربية باتت أصعب من ذي قبل، بل أصعب من أي زمن كان، بعد أن بات مجالها يعرف حربا فكرية وتكنولوجية تعتمد على العقل والعلم، وبالتالي بات الموسيقار والمطرب العربي في ظل هذه الظروف يتحمل عبئا كبيرا، تماما مثل أخيه المثقف والمفكر والسياسي الأصيل والمخلص لحضارته وثقافته. فوجب عليه إضافة إلى توفره على الموهبة الفذة والأصالة أن يكون مسلحا بالتكنولوجيا الحديثة والثقافية العالية العالمة ، والاخلاص الدائم والمستمر لفنه وثقافته وتراثه.
الخميس في : 08 أكتوبر 2020

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق