ثقافة المقال

عندما تتحكم فينا قواميس الفقر

أحمد بابكر حمدان

– مدخل:
“سئل طفل فقير عن أغلى أمنياته، فقال: أتمنى أن أرى قطعة خبز كاملة”!!

من نقطة الحرمان، تبدأ قواميس الفقر في العمل والتأثير في مجريات حياة الفقراء، وإن تجاوزوا خط الفقر، ودوائر العوز والحاجة.

– مقالات سابقة:
في عدة مقالات سابقة، قدمت قراءات للسلوك الاجتماعي المترتب عن الفقر، وقد ترافقنا الكتابات السابقة في أكثر من فقرة وفكرة.

– عن الفقر.. سلوك لا حالة:
مما يجدر التأكيد عليه، أن تركيزنا هنا، إنما ينصب على الفقر كسلوك اجتماعي، لا حالة اقتصادية ذات وصف كمي. إن الفقر سلوك في المقام الأول، قبل كونه “حالة” حرمان من أدوات ومظاهر وآليات حياة. وتأسيسًا على كونه سلوكًا، فإن عدم قدرة الفقير على تعديل السلوكات المترتبة عن تحكم “قاموس الفقر” في تصرفاته، يعني ضمنًا عدم قدرته على تجاوز منظومة الأفكار و”القاموس” المنتج لسلوكه، مما يبقيه في نفس الدائرة مهما امتلك من أدوات ومرفهات.

– عناوين من قاموس الفقر:
1- تواصل حاد وتفاعل HARD:
“دعا الجد أحفاده لتناول الغداء فاعتذر بعضهم لعدم رغبته في الأكل.. هنا قال الجد الحكيم: أي بني، إن المائدة ملتقى للتواصل وليست اجتماعا لتناول الطعام فقط”.

في ظل قواميس الفقر، فإن اضطرار الفقراء إلى الاحتكاك الدائم في موارد الغذاء والمياه وموائد الطعام، عادة ما يتسبب في اتساع رقعة التنافر بينهم، وارتفاع مستوى الاحتقان.

2- حتى في التوجيه التربوي:
تتحكم قواميس الفقر في رؤية الموجه والمربي، حين يبرر لبر الوالدين، بما يبذلانه من جهد في توفير الغذاء وإعداد الطعام وشراء الملابس والأحذية، وأدوات المدرسة. ولا يدرك الموجه أن قيامهما بكل تلك الأنشطة ليس سوى “حالة” مرتبطة بظرف اجتماعي قد يتغير، وليس للمتغير أن يصبح مبررا لعلاقة سامية بين الابن وأبويه.

3- الزواج.. طعام وحقيبة ملابس:
بمرجعية قواميس الفقر، فإن اختلاف العروسين حول الطعام وحقيبة الملابس، قد يتسبب في إلغاء الزواج نفسه، وتحول العلاقة بينهما إلى عدواة، قابلة للتمدد إلى أسرتيهما، إن لم تتسبب في اشتباك قد يفضي بالجميع إلى مراكز الشرطة والمستشفيات.

4- رداءة تواصل وسوء تعامل:
“طالب بجامعة كبيرة، كان صديقا لأحدهم.. أكمل ذلك الصديق بينما تخلف هو أكاديميا.. وكان صادقا في صداقته متفانيا.. لم يكن يرى الحياة إلا من خلال عيني صديقه الذريّ كما كان يصفه.. ثم انتهى كل ذلك إلى عدم”.

إن رداة التواصل بين الأفراد، مؤشر لوجود صعوبات داخلية لدى كل فرد على حدة، وعادة ما تكون مشكلات الأشخاص في مجتمع ما، متشابهة ومتقاربة. إن أبرز ما يطبع خلافاتنا المستمرة: تشابه حالاتنا النفسية، واستعدادنا الدائم للصراع والمواجهة.. ولنعد إلى الذاكرة لاسترجاع مشاهد لخلافات في البيوت والأسواق والمكاتب والمساجد؛ للتعرف على مدى تهيؤ الأشخاص للصدام.

5- الابناء لمساعدتك لاحقا:
قد تستغرب لدوافع الفقراء في مختلف الأنشطة، ومن بينها الزواج.. حيث تجتهد الفتاة للحصول على زوج موسر؛ يخلصها من ذل الحاجة والحرمان، فضلا عن تخليصها من رداءة التواصل وسوء التعامل.. بينما يجتهد الشاب للحصول على زوجة، تجنب له أبناء يعدهم ذخرا لجور الزمان، وهو يستبطن ألا أحد يمكن الوثوق به غير الابن.

6– تسلط وفظاظة:
لعلك تذكر من مرّ عليك من المعلمين القساة.. ممن لا يعرفون للرحمة معنىً ولا سبيلاً.. ولعلك قد تساءلت حينها عن الأسباب التي تجعل من معلم ما ملكاً للرفق والرحمة، وتجعل من الآخر سيدا للفظاظة بمستوى يحيل المدرسة إلى جحيم؟ إن صعوبة الأمر وغرابته ليست في مجرد الفظاظة، وإنما في إسقاطها على من يفترض أن يتلقوا منه سلوكاً راشداً ويتعلموا منه قيماً رفيعة.. والأعجب من ذلك كله، أن يتم تغليف جميع السلوكات الخاطئة، باسم مكانة المعلم: “من علمك حرفاً صرت له عبداً” ومن ثَم إضافتها إلى مخزوننا في قواميس الفقر.

7- مساعدة الفقراء وإهانتهم:
“كان ينتظر من رجل البر تحريره من رق الجوع والحاجة.. وقد تحرر منهما بالفعل، لكنه بات عبداً لرجل البر”.

“توسم سائلان فقيران في رجلين ثريين خيراً.. فقصد كل واحد منهما أحد الرجلين الموسرين.. عاد أحدهما بخفي حنين، وعاد الآخر بعطاء جزيل لكنه مصحوب بمنّ جارح.. وعندما أرخى الليل سدوله، وانصرف كل فقير إلى بيته.. بكى الأول من ألم الحرمان، ونضبت مدامع الآخر من آلام الإذلال والمنّ”!!

إن الإنفاق وسيلة لإطلاق لطاقات كبلها الحرمان، وتسريعا لنجاحات تفتقر إلى أدوات، ومنحا لمزيد من الإتاحات والحرية والأمل.. لكن قواميس الفقر ترى عكس ذلك كله، وتحفز المانحين على تقديم ما يحافظ على مستوى أهميتهم المفترضة، ويمنحهم مزيدا من النفوذ.

– خاتمة:
وهكذا تتحكم قواميس الفقر في معظم تفاعلات الفقراء، وتصنع رؤيتهم للأشخاص والأشياء والأحداث، تعضدها أمثال ومقولات تكتسب مصداقيتها من واقع صنعته أفكار خاطئة، لتضاف إلى متن القاموس، معززة حضوره الراسخ في مجتمعات الفقر.
——————-
* معلم سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق