ثقافة النثر والقصيد

السَّوْسَنَةُ البَرِّيَّةُ (II)

شعر: لويز غلوك، ترجمة: وداد الصفدي

– «السَّوْسَنَةُ البَرِّيَّةُ» –

[5]

وحِينَمَا شَارَفَ ذاكَ على الانتهاءِ:
ذاكَ، ذاكَ الذي تَتَوَجَّسِينَ منهُ خِيفَةً،
ذاك الذي لا تَقْوَى فيهِ هاتيك الرُّوحُ
على الكلام،
حِينَمَا أدْرَكَ الانتهاءَ على حِينِ غِرَّةٍ،
كانتِ الأرضُ الجَسْأَى تَنْحَنِي قليلاً
وتلك التي كنتُ أحْسَبُهَا [على البُعْدِ]
طُيُورًا،
كانتْ تَبْرُقُ، مثلَمَا تَبْرُقُ السِّهَامِ،
بينَ الشُّجَيْرَاتِ الوَطِيئة

[6]

وأنتَ، يَا مَنْ لا تَذْكُرُ، [الآنَ]،
مَجَازَ المَمَرِّ من «العَالَمِ الآخَرِ»،
أقولُ لكَ إنَّ في وُسْعِي الكلامَ،
مِنْ جَدِيدٍ:
فَمَا هو آيِبٌ، مِنْ دُنَى النِّسْيَانِ،
لَآيِبٌ –
كَيْ يَحْظَى بِصَوْتٍ صَائِتٍ:

[7]

ومِنْ صَمِيمِ الحَيَاةِ، حَيَاتِي، انْبَجَسَ المَاءُ
يَنْبُوعًا جَلِيلاً،
وثَمَّ طُيُوفٌ [رُيُوفٌ]، مِنْ دَاكِنِ الأزْرَقِ،
كَانَتْ تَمُورُ على اللازَوَرْدِ كَمَوْجِ البَحْرٍ،
كَانَتْ تَمُورُ

***

The Wild Iris (II)

[5]

Then it was over: that which you fear, being
a soul and unable
to speak, ending abruptly, the stiff earth
bending a little. And what I took to be
birds darting in low shrubs.

[6]

You who do not remember
passage from the other world
I tell you I could speak again: whatever
returns from oblivion returns
:to find a voice 

[7]

from the center of my life came
a great fountain, deep blue
.shadows on azure seawater 

***

(تنويه)

وها أنذا، للمرة السادسة، أكتب في هذا المنبر الثقافي تنويها آخر خاصا مرفقا بمحاولة سادسة متواضعة مني في ترجمة قصيدة «السَّوْسَنَةُ البَرِّيَّةُ» The Wild Iris، للشاعرة الأمريكية (الهنغارية) لويز غلوك التي حازت، قبل ما يُنيف عن ثلاثة أشهر، على جائزة نوبل للأدب لعام 2020، حسبما ارتأت لجنة التحكيم السويدية في الأخير. فهنيئا لهذه الشاعرة من الأعماق، رغم كل ما قيل من قول مضاد قد يكون سديدا كل السداد وصائبا كل الصواب، على هذا الإنجاز الشعري الذي يركز بالدرجة الأولى على قول الصامت، أو حتى على الإيحاء به، من خلال الركون اللاواعي، أو شبه الواعي، إلى ذكريات الطفولة خاصَّةً (كما هي الحال في القصيدة الاستهلالية، «الذاكرة الأولى» First Memory)، ومن خلال الركون الأكثر وعيا كذاك إلى ما يتلوها من ذكريات أكبر سنا وأكثر نضجا (كما هي الحال في القصائد التي تلتها، نحو: قصيدة «المِقْرَاب» Telescope، وقصيدة «زَهْرَةُ اليَاقُوت» Hyacinth، وقصيدة «قَصِيدُ الحُبِّ» Love Poem، وقصيدة «الزَّنْبَقَةُ الذَّهَبِيَّةُ» The Gold Lily، وقصيدة «السَّوْسَنَةُ البَرِّيَّةُ» The Wild Iris). إن هذا الحدث الأدبي العالمي الكبيرَ بالنسبة لسيرة شاعرة من مثل لويز غلوك إنما هو إنجاز فريد من نوعه بكل تأكيد، وإن كان هناك في ذات الآن عددٌ لا يُعَدُّ ولا يُحصى من الشاعرات والشعراء في الغرب وفي الشرق (وخاصة في العالم العربي الجريح والمُجَرَّح، من كل حدب وصوب) مِمَّنْ يَسْتَأْهِلْنَ ويَسْتَأْهِلُونَ جائزة نوبل بجدارة مماثلة، إن لم تكن بجدارةٍ أفضلَ منها بكثير الكثير. وذلك جلُّه (أو حتى كلُّه) عائدٌ إلى القصد من وراءِ أسأسةِ هذه الجائزة الأدبية بهيئةٍ لا تروقُ البتَّةَ للعديد من النقَّاد الأدبيين والباحثين الثقافيين النزهاء، من المنظور السياسي والمُسَيَّس تحديدا، تلك الأسأسةِ التي أدَّت بعدد ملحوظ من الأدباء والمفكرين العالميين الذين يحترمون أنفسَهم (من أمثال المفكر والأديب الفرنسي جان بول سارتر) إلى رفض هذه الجائزة الأدبية الأولى في العالم رفضا قاطعا من حيث المبدأ. وكان لهذا الرفض القاطع في يقين هؤلاء، فضلا عن ذلك، مبرراتٌ مبدئية لا تقل أهمية فيما يتعلق بإنشاء الجائزة المخصوص بادئ ذي بدء، وعلى الأخص فيما يتعلق بكونها وسيلةً تطهيريةً أو ذريعةً (تكفيرية) بنحوٍ أخلاقيٍّ أو بآخَرَ، في الأصل، من أجل ذلك السعي التطهيريِّ (التكفيريِّ) الحثيثِ لتلك الخطيئة الكبرى التي ارتكبها آلفرد نوبل نفسه، حين اخترع شيئا متفجِّرا قد حَلَّ عليه اللَّعْنُ منذ ولادته لدى تَسَمِّيهِ إذَّاك بـ«الديناميت»، شيئا متفجِّرا ملعونا صار شيئا فشيئا، على مرِّ الزمان، عَيْنَ السببِ الأوَّلِ والآخِرِ في تدميرِ عَيْنِ الإنسانيةِ في الإنسان قبلَ تدميرِ أيِّ شيءٍ آخَرَ!

ولم يكن الحافز الآخر على محاولتي المتواضعة في ترجمة هذه القصيدة السادسة، في حقيقة الأمر كذلك، سوى قراءتي الأخيرة لمقال الكاتب الصحافي صبحي حديدي المعني، «جائزة نوبل للآداب 2020 للشاعرة الأمريكية لويز غلوك: المنشَدَّة إلى المحذوف والقول الصامت» (إصدار القدس العربي 8 تشرين الأول/أوكتوبر 2020)، وإدراكي الأخير من ثم لمدى تدني مستوى هذا الكاتب الصحافي في حقل الترجمة الأدبية والشعرية على وجه التحديد، خصوصا وأنه الكاتب الصحافي الذي ينظر إلى نفسه، قبل أن ينظر إليه أي شخص آخر، بوصفه «ناقدا أدبيا» و«مترجما محترفا» على مستوى العالم العربي من جهاته الأربع كلها. باختصار شديد، وبأسف شديد، فإن ترجمات الأشعار المختارة للشاعرة لويز غلوك، كما وردت بجهود الكاتب الصحافي صبحي حديدي في مقاله الصحافي البئيس هذا (على أقل تقدير)، إنما هي في الأغلب والأعم ترجمات حرفية بدائية ليس لها إلا أن تُفرغ هذه الأشعار من تلك الروح الشعرية المنشودة إفراغا صارخا وشائنا ومشينا، ولا ريب في ذلك – كما بيَّنتُ، على سبيل المثال الدامغ والملموس، لمن يعنيهم ولمن يعنيهنَّ الأمر، فيما بيَّنتُ في الأخير من ترجمةٍ «حديدية» حرفية بدائية للقصيدة السابقة نفسها، «ذاكرة أولى» (بأل التعريف، وليس بدونها)، ترجمةٍ «حديدية» حرفية بدائية تكلَّف عناءَها هذا الكاتبُ الصحافي (الذي ينظر إلى نفسه، قبل أن ينظر إليه أي شخص آخر، بوصفه «ناقدا أدبيا» و«مترجما محترفا» على مستوى العالم العربي من جهاته الأربع كلها)!

أخيرا، وليس آخرا في هذه المناسبة الجليلة، وإن كنتُ قد أفلحتُ وقد أجدتُ «آملةً» في أيةِ سمةٍ من سماتِ هذه الترجمةِ التي تحاول أن «تضارعَ»، بنحوٍ أو بآخَرَ، مستوى هكذا شعرٍ فريدٍ من نوعه، بالغٍ من السهولة أقصاها حقًّا، ولكنه في الآن ذاتهِ شعرٌ بالغٌ من الامتناع أقصاهُ كذلك، فإن كلَّ هذا الإفلاح وكلَّ هذه الإجادة (هذين الكُلَّيْن «المأمولَيْن» منِّي، على الصعيد الذاتي)، إنما هما مجتمعان في كُلٍّ واحدٍ، والحقُّ يُقال أولاً وآخرًا، بفضل أستاذي الكريم غياث المرزوق – وهو، علاوةً على ذلك كلِّه، الفريدُ في كلِّ شيءٍ فكريٍّ أو أدبيٍّ أو حتى فنِّيِّ، هو الآخَرُ. فقد تعلَّمتُ منهُ الكثيرَ الكثيرَ ممَّا لهُ مساسٌ قريبٌ، أو بعيدٌ، بخفايا «فَنَّيِ» الترجمة والتعريب التي تخفى حتى على المحترفين والمخضرمين في هذين «الفَنَّيْن»، ولا شكَّ في ذلك بتًّا، هذا على الرَّغْمِ من «فريدةِ» أن أستاذي الكريم غياث المرزوق كان نفسُهُ لا يُطيقُ الإشرافَ على أيةٍ من الرسائل الجامعية في هذا المجال (مجال الترجمة والتعريب) أيامَ دراستي وتحضيري لرسالة الدكتوراه في بلاد الدنمارك الجميلة!

***

وداد الصفدي – فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق