ثقافة المقال

من ماريا كازارس إلى ألبير كامو

ترجمة: سعيد بوخليط

14* غشت 1948
وصلتني هذا الصباح رسالتكَ التي تعود إلى تاريخ الثاني عشر،جوابكَ عن رسالتي أو رسائلي،لاأعرف قط كيفية التعبيرعن ذلك…منسابةٌ وذائبةٌ؛ببساطة انصهرت تماما !والذوبان،لديَّ،يلزم ترجمته بغبطة تقترب من الخَرَف،مادام تعبيري جعل أبي يصرخ في وجهي،بلطف،لكن بحزم : ”آه كم تثيرين اليوم السخرية !”.
لايمكنني أيضا أن أصف لكَ فيض الحنان،والحب،والدفء والسعادة والرغبة الذي أثارته داخلي رسالتك،مادامت كل الكلمات لن تفي بالغرض.لذلك أكتفي بالصمت … وأحتفظ.
غير حضورنا هذا معا،اتسم باقي اليوم بالكآبة.
منذ وصولنا،تحديدا،بعد انقضاء يومين عن تاريخ وصولنا، ساد هنا مناخ أشبه بنهاية العالم (كأننا بصدد خطاب التوراة؟عواصف، ريح، مطر،برد،أو لتغيير الترتيب،مطر، برد، أو برد، ريح، مطر).
خلال صبيحة هذا اليوم، كانت السماء رمادية قاتمة كئيبة،ثم انقشعت الغيوم قليلا،ونحو الثانية ظهرا،شرعت الشمس تكشف عن نفسها وإن بخجل عبر حجاب ناعم وقد لاءمها ذلك بشكل عجيب،لكنه في المقابل لم تلائم يومي مما بث لديَّ حالة من الغضب الشديد.
تعلم بأني أتوخى،كي أرضيكَ كثيرا،أن أكون سمراء جدا حينما يدق موعد لقائنا.تعلم بأنه قصد الوصول إلى هذا الهدف الجدير بالثناء،أحتاج إلى الشمس وأشعتها دون ستائر.
إذن،حين تمطر،أستسلم لجمالي الموريسكي،وأستكين كي أعتني بنفسي جسديا وفكريا،ثم أهيئ لكَ شخصا مرصعا؛لكن حينما يتحسن المناخ قليلا،تأخذني ثانية فكرة المثال العربي وفق قوى مضاعفة ثم أخرج كي أحظى بقليل من انعكاس نور الشمس الذي يمكنني العثور عليه.هكذا أقضي يومي،بحيث لاتكتسب سحنتي سمرة،ولاأستريح قليلا ولاأتمكن من القراءة.
عندما يحل الليل،متأخرا جدا جدا،بعد ظهيرة طويلة الأمد،أشعر بالسخط لأني لم أنجز شيئا يذكر ويغدو مزاجي سيئا.
من جهة أخرى،بعد الانتهاء من رواية الشياطين(بخصوصها أعدل عن ماقلته سلفا،وقد وجدت الجزء الثاني أفضل من الأول)ثم تاريخ الثلاثة عشر(رواية لبلزاك صادرة سنة 1833 )التي استحسنتها كثيرا،وشرعت في قراءة مذكرات الكاردينال دي ريتز. بلغت الآن الصفحة مائة،لكن اسمح لي أن أسألك بكل براءة،بناء على أي أساس ولماذا اعتبرت هذا العمل شيئا هائلا.
طبعا،بلغت الصفحة مائة،لكن كل شيء في هذه المذكرات،يثبط همتي حدَّ عدم يقيني في إمكانية إتمام الكتاب حتى النهاية.
يبدو لي السيد الكاردينال ريتز”ثريا جديدا من الناحية المعنوية”،رجلا صاحب ذكاء فوق المتوسط ،لكن مع روح ضعيفة جدا،طموح غير مثير للاهتمام،وكذا ذبذبات العجز.إنه مخفق.
لم أتبيَّن حقا جانبا معينا يمكنه أن يجعل مغامرات هذا الرجل وكذا الأحداث التي عاشها مثيرة لأيَّ شخص.
ستقول لي بأنه يتكلم عن شخصيات أخرى أكثر جاذبية وكذا حماسته كي يكتشف بامتياز شخصية مازارين،على سبيل المثال.طيب،لكن ليس من خلال الكاردينال دي ريتز.
ستقول لي بأن الأسلوب جميل جدا،وتتبلور أناقته على مستوى الكلام،والفكر،وكذا أفعال هؤلاء الأشخاص،وهو رائع حقا تذوقه،لاسيما حاليا.
طيب،لكن من أجل هذا،أفضِّل قراءة ”العلاقات الخطيرة”(رواية)أو أي كتاب ثان ينحدر تقريبا من تلك الحقبة، يمدني بنفس الحافز وذات العطر.
فيما يتعلق بالقيمة السياسية أو التاريخية،لايمكنني التحدث عن هذا الموضوع،بحيث يستحيل بالنسبة إلي التركيز على ذلك،لأنه عموما لاتهمني كثيرا الحيل والخدع السياسية،ثم بشكل أقل أيضا تلك المتعلقة بالحقبة التي يرويها هذا الرجل.
أخيرا،سأحاول عموما مواصلة قراءتي غاية أبعد مداها،ربما دفعني هذا المجهود، نحو تغيير قناعتي.
حاليا،سأنام حبيبي.لقد تأخر الوقت كثيرا دون أن أنتبه لذلك.
أحبكَ وأقبِّلكَ مثلما لم أفعل قط.
*المرجع :
Albert Camus/ Maria Casarés :correspondance(1944- 1959) ;Gallimard ;2017.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق